أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

مقاهي الضاحيّة بعد الحرب: «نصف حداثة»... مهجّنة بالأعراف!

الخميس 17 أيار , 2012 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,960 زائر

مقاهي الضاحيّة بعد الحرب: «نصف حداثة»... مهجّنة بالأعراف!

تكون الضواحي عادةً أقلّ حضوراً من الأوساط في المشهد المديني العام، وربما تكون الضاحيّة الجنوبية لبيروت استثناءً بالغ الفرادة. السؤال عن تقاسيم الضاحيّة الديموغرافيّة قد يستدعي بحثاً طويلاً، أكاديمياً أكثر منه صحافياً. لا شكّ أيضاً في أنّ هذه المنطقة مرّت بمحطات أدت في النهاية إلى بلورة صورتها الحاليّة، كمكان يتعامل معه كثيرون على أنه «غيتو» مصبوغ بمذهب ديني واحد، ويتأرجح أهله بين عاملين: تمدد أيديولوجيّة النازحين الأقوياء منذ منتصف الثمانينيات، مدعوماً بـ«انتصارات» تتدفق من كل حدبٍ وصوب، من جهة، ومحاولات حقن المنطقة بحداثةٍ مهجّنة بعد حرب تموز الأخيرة، من جهة أخرى. الجملة الأخيرة هي «بيت القصيد»: صورة الضاحية ما بعد الحرب. طفرة المقاهي وأسرارها.

بعد التحرير في 2000، كانت مدينة الملاهي والنراجيل: «الفانتازي وورلد». يذكر المقيمون في الضاحيّة أنها كانت الأولى من نوعها تقريباً هناك. ذلك قبل ظهور «سويس تايم» التي عاش منشئها في سويسرا وعاد، و«باب الحارة» التي أعجب أصحابها بـ«أبو عصام» و«العقيد أبو شهاب». يتحدث موظف «الفانتازي» عن تفاصيل كانت بمثابة المحرمات، كـ«الاختلاط بين الجنسين» مثلاً. لم تكن الإناث يدخنّ النراجيل في العلن قبل «الفانتازي وورلد»، أو عالَم الخيال. هذا ما يقوله موظف مدينة الملاهي ضاحكاً، كأنه مزهوّ بنصر. بيد أن كثراً لا يؤيدون ذاكرة الرجل. ويقول هؤلاء كلاماً أكثر عقلانيّة، عن بروز «طبقة وسطى شيعيّة» بعد الطائف، وانفلاش أبناء هذه الطائفة على مساحات أوسع من الضاحية، التي شهدت صعوداً عمرانياً مهولاً في فوضويته، واقتصادياً ــ اجتماعياً ملموساً، ما شجع المستثمرين على بناء مرافق تلائم صورة الطبقة الناشئة حديثاً، على هامش التحوّلات التي وقعت أثناء الحقبة الحريرية. لم يكن المقهيان الأولان «سوى بداية استنساخ المقاهي في الضاحية». وحتى اليوم، يلاحظ بوضوح أن زائري المقهى الأول القريب من بئر حسن، والثاني على طريق المطار، أكثر التزاماً بالمعنى الديني والاجتماعي للكلمة. تلك مقاهي يقصدها نواب من «حزب الله» مع عائلاتهم. وهذا ليس سرّاً، بل يلمس من «أجواء» المكان ولغة أهله. المصطلح المتداول مثلاً هناك هو «يا حاج»، لا «مسيو» ولا «أستاذ» ولا أي شيء آخر. «حاج وحاجة»، «أخ وأخت». حتى ولو كانت «الأخت» في ثيابٍ قصيرة، ستجد من يقول لها «يا أخت» بلغة دينية لا تخلو من الشعبوية. هذا هو الشائع، وفي المحصّلة، معظم الروّاد يستندون في أدبياتهم الى قاعدة خفيّة، لكنها صلبة لأنها دينيّة. وعموماً أيضاً، الطبقة الوسطى الملتزمة دينياً، بدّلت في ثقافتها. صارت أكثر تطلباً في مسألة الترفيه. بعدما استقيظت أنقاض تموز، نهضت بقربها مقاه أخرى في عمق الضاحية. مقاهٍ، تحاكي في ديكورها النمط الغربي، المألوف في العاصمة والضواحي الشرقيّة. بدا الأمر أشبه بفورة لافتة: نتاج فائض «النرجسية» في نفوس «المنتصرين» بالضاحية، وانتفاء الحاجة إلى الخروج منها، وتالياً، إمكان استيعاب «الصامدين» فيها عبر مشاريع منشأة بعقليّة «التاجر»... وروحيّة «ابن المنطقة».

أشهر هذه المقاهي على «الأوتستراد» هو «إيل بونتي»، كلمة إيطاليّة تعني «الجسر». الاسم مقصود ومستوحى من جسر الصفير ــ الحازميّة القريب، كما يؤكد أحد مالكي المقهى. يا لهذا «السجع» الجميل بين «البونتي» والمكان. أمام المقهى ستة شبان يتحركون ببطء. يحدقون في وجوههم الملأى بالنيكوتين ويمدحون دراجاتهم النارية. نسألهم عن أفضل المقاهي فيدلوننا على أربعة دفعة واحدة. لكنهم ليسوا من «جماعة الكافيه» بل «ماكسيموم أبو عساف» يقول أحدهم. فوق، في الطبقة الأولى من المقهى الجميل، حضور مقبول من الجنسين. في السادسة تقريباً، يدلف شابان. أولهما أصلع، يرتدي قميصاً أبيض، ابتلعت حماسة صاحبه بضعة أزرار منه. الثاني سمين ورغم ذلك وجد لنفسه سروالاً قصيراً (شورت) على مقاسه.

السمين شعره طويل ويضع قلادة عليها شعار دينيّ. ثم تلحقهما فتاتان. الأولى ترتدي كعباً عالياً مثيراً، والثانية محجبة، لا يبدو منها إلا وجهها شديد البياض. وعلى وقع موسيقى هادئة، يطلبون النراجيل جميعاً، ويتحدثون بأسف عن «رحيل بيب غوارديولا عن برشلونة».

هذه صورة يمكن أن تطابق عشرات الصور في المقاهي الأخرى. في مقهى آخر، الديكور يبدو خلاباً كأن الذين وضّبوا المكان أفرطوا في الذوق. ألوان متناسقة وصارخة وجدران بخلفيات لامعة تنسي صورة الشارع المكتظ. تلفزيونات بشاشات رفيعة تترك أثراً مريحاً في نفوس الحاضرين لأنها تبثّ مباريات كرة القدم الأوروبية غالباً، وتلائم ذائقة الجماهير المتلزمة دينيّاً. كل شيء «على الأصول». هناك موسيقى، لكنها لا تؤدي إلى الإثارة أو إلى الرقص. هكذا تصفها النادلة. الأخيرة عملت في مقهى أقامت فيه جمعيّة «نحو المواطنيّة» حوارات سابقة، وهدفت من خلالها إلى تعريف آخرين إلى الضاحية. سهلت المقاهي التبادل: في الضاحيّة زوّار. زوّار بقيود أكثر من تلك التي تحتّمها الأماكن العامة عادةً. في مقاهي الضاحية، هناك فرح خاص، من نوع أهلي، وحميميّة أقل بين الجنسين. لا شرطة آداب، وليس صحيحاً أن «حزب الله» يراقب الناس. أبسط ساكن في الضاحية يعرف أن معايير «الأخلاق» في الضاحية، وخصوصاً في الأماكن «المشتركة» بين الجنسين باتت مبرمجة تلقائياً، ومقواة بأعراف اجتماعيّة سادت مع مرور الزمن. هناك خروقات «خجولة» لكن مرتكبيها يعرفون البيئة، والمقاهي لأهل البيئة وعارفيها. ليست لاكتساب أهل جدد يفرضون ثقافاتهم.

رغم ذلك، تغيّر أهل الضاحية وهذا معروف. لم تعد المقاهي مخبأ يدمن ساكنوه ورق اللعب أو طاولة الزهر. لم تعد مقتصرة على «مقاهي الأرصفة» الشعبية جداً.

يقول صاحب أحد المقاهي الجديدة أنه يحب الضاحيّة لكن تجربة المقهى فيها «فاشلة». يراد لسكان الضاحيّة أن يؤمنوا بها. أن تكون مرآة لصورة يحلمون بها ولا يمكنهم أن يكونوها. يعتقد أن الضاحية هي الضاحية، و«بهذا الكم من المخالفات، والعلاقة السلبية مع منطق الدولة على المستوى العام، لا يمكن أن يلعب المقهى وظيفته التفاعليّة الرئيسة». «يمكن أن يربح ماديّاً ولكن ذلك سينتهي». في هذ الإطار، أحد رؤساء البلديّات في الضاحيّة أكد أن معظم المقاهي «غير مسجلة في خانة المؤسسات السياحيّة، ما يصعب إحصاءها والتعامل معها».

صحيح أن المتعلمين في الضاحية كثر، ازداد إيمانهم الديني أو نقص، إلا أنهم يسيّرون أمورهم في منحى استهلاكي. وطفرة المقاهي ليست سوى مثل واضح عن مجتمع غارق في رأسماليّة متحركة، وحدها، احتوت التبدلات الثقافيّة في المنطقة بتوفيرها السلع المناسبة للركود.

 

64% من المقاهي بين 2006 و2008

 

تظهر دراسة أعدتها لارا ديب ومنى حرب في الكتاب الرابع عشر من «باحثات»، 2009-2010، والذي حمل عنوان «الممارسات الثقافيّة للشباب العربيّ»، أن 64% من مقاهي الضاحية ومطاعمها ظهرت بين 2006 و2008. لا يحتاج الرقم إلى اتعليق، ولا عين الزائر ستضيع في الإحصاء. اليوم، وعلى أوتستراد الشهيد هادي نصر الله، يكاد يوجد مقهى بين كل مقهيين، إضافة إلى مطعم قربها، وآخر في الجهة المقابلة. تزاحم المقاهي بعضها كأنها تتقاتل بصمتٍ على جذب الزوار المفترضين. استعادت المقاهي بعد الحرب شيئاً من وظيفتها الأصلية: مساحة لالتقاء العابرين. بيد أن الوظيفة ما زالت منقوصة، فما زالت مقاهي الرصيف كثيرة أيضاً. تلك التي تبث أناشيد حزبية من راديوات غالبها قديم، ويضع صاحبها صوراً للقادة السياسيين المعروفين، كنوع من الحصانة المسبقة. يكفي أن يضع صاحبها الكراسي البلاستيكيّة على الطريق العام، ويبيع النارجيلة بسعر لا يتجاوز 3 آلاف ليرة. هكذا يعلن المساحة العامة مقهىً ويبني شعبية تفوق شعبية المقاهي المكلفة.


Script executed in 0.20006108283997