أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

كاد الشمال يصير بابا عمرو كبيراً

الخميس 24 أيار , 2012 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,266 زائر

كاد الشمال يصير بابا عمرو كبيراً

يقتضي أن يمرّ بعض الوقت قبل التأكد من التوازنات الجديدة التي أفضت إليها حوادث طرابلس وعكّار وارتداداتها على لاعبيها. هدأ الشمال ولم تنتهِ أحداثه. توقفت عند هذا الحدّ من غير أن تحسم الأحجام السياسية التي آلت إليها، فخرج معظم اللاعبين بمكاسب محدّدة، ولم يتمكّن أحدهم من حصر الإنتصار به. ذلك ما يصحّ على رئيس الحكومة نجيب ميقاتي وحليفه الوزير محمد الصفدي، وعلى التيّارات السلفية، وتيّار المستقبل. يصحّ كذلك على موقع الجيش ودوره في الشمال الآن وفي المدى القريب. تريد سوريا تصدير أزمتها إلى لبنان، ويعنيها ذلك. لكن اللبنانيين استوردوها قبلاً.

 

انتهت الأزمة بحلول صغيرة كان يُراد منها استدراج طرابلس والشمال إلى خيارات كبيرة ومكلفة. خرج السلفي شادي مولوي، ونال السلفيون وعداً ببتّ مصير سجنائهم بلا محاكمة في أسرع وقت، وتعهّداً بإجراءات معاقبة في حقّ العسكريين مطلقي النار على الشيخ أحمد عبدالواحد ومرافقه. حلول صغيرة لمشكلة أكبر كانت قد نشبت من أجل الذهاب بالشمال، والحدود مع سوريا، في منحى مغاير. الأمر الذي أبرَزَ مغزى المواجهة مع الجيش بإخراجه من طرابلس وعكار إلى ثكنه ومراكز تجمّعاته، ثم تنظيم عودته إلى حواجزه فيهما بموافقة التيّارات السلفية. كذلك قطع الطرق الذي رافق الحوادث الصغيرة المتلاحقة قبل تحريك خط التماس العلوي ــــ السنّي بين بعل محسن وباب التبّانة وبعده. لوهلة كاد الشمال يصير بابا عمرو كبيراً.

ورغم أنه من المبكر التحدّث عن نتائج جازمة ما دامت أحداث الشمال لم ترسُ على حلّ حقيقي في علاقة أطراف النزاع بالأزمة السورية، وأوحت بذلك أنها اجتازت جولة عنف تنتظرها أخرى، إلا أن خلاصة مثلّثة آلت إليها تداعيات أحداث الأيام العشرة المنصرمة: ثبّت ميقاتي مرجعيته في المدينة عندما أحاط به أفرقاء النزاع، وكان قادراً على التحاور معهم واستيعاب احتجاجهم، وتقديم تعهّدات نيابة عن الجيش والقضاء، وأن يرفض السقوط في الشارع للمرة الثانية تحت وطأة يوم غضب سنّي ــ انضمت فيه التيّارات السلفية إلى تيّار المستقبل ــ على غرار ما خبره في 24 كانون الثاني 2011. أضحى تيّار الرئيس سعد الحريري كتلة نيابية يوشك أن يفقد شارعه بعدما انتقلت السيطرة عليه إلى التيّارات السلفية.

ثمّة خلاصة أخرى هي أن التيّارات السلفية أخرجت إلى العلن بسفور لا يخلو من التحدّي، لأول مرة في طرابلس والشمال، دليلاً على حقيقتين:

أولاهما، أنها تتحرّك باستقلال تام عن أي تحالف آخر ليس إبن جلدتها، في الإنتماء الديني والعقائدي على الأقل. ليست محسوبة على أحد، ولا أصواتاً في صندوق آخرين. كيان مستقل له مصالحه وهواجسه ومخاوفه وطريقته في الدفاع عن نفسه كما في مهاجمة الخصم.

ثانيتهما، أنها الأقوى والأقدر على التلاعب بالأمن في طرابلس والشمال، تحافظ عليه وتفككه، وجزءاً من معادلة التراضي السياسي التي تقيّد دور الجيش في انتشاره وطريقة تحرّكه شأن ما يحدث في مناطق أخرى. تسهّل موافقتها ممارسته هذا الدور، ولا يستطيع التحوّل فريقاً ضدها بعدما أبرَزَت مقدرتها على تعريض تماسكه لخطر حقيقي.

وعلى أهمية الأحداث الصغيرة التي سبقت الإنفجار، بدءاً باعتقال مولوي واعتصامات الشارع مروراً باشتباكات بعل محسن وباب التبّانة وقطع الطرق وصولاً إلى مقتل عبدالواحد، كَمَن قلب المشكلة في تناقض حاد بين منطقين متقابلين طرفاهما الجيش والتيارات السلفية وبعض القوى المحلية اللصيقة بها. لا يقتصر هذا التناقض على أن لكل منهما وجهة نظر مختلفة حيال ما يجري في سوريا، بل يعمد إلى إجراءات ملموسة لفرضها.

ينفّذ الجيش السياسة التي اتبعتها حكومة ميقاتي حيال أحداث سوريا، وهي النأي بالنفس عنها، بمنع تهريب الأسلحة وتسلّل المسلحين إلى سوريا ومنها، ويتصرّف بتشدّد حيال هذا القرار عند الحدود الشمالية على نحو حال دون تمكين المعارضة السورية المسلحة من اتخاذ عكار منطقة عازلة، ودون اختباء الجيش السوري الحرّ لتنظيم هجماته على الجيش النظامي، ودون رعاية قيادته والمنشقين في المنطقة على غرار ما يحظى به في الجانب التركي من الحدود مع سوريا. لم يتردّد الجيش، ولا استخباراته العسكرية، مراراً في إعلان منعه دخول مسلحين أو اعتقالهم أو تجريدهم من السلاح. لم يكتم اعتداءات تعرّض لها لتنفيذ هذا القرار في منطقة حدودية يشترك لبنان فيها مع سوريا بـ273 كيلومتراً، فاصطدم بالأهالي المتعاطفين مع المعارضة السورية في عرسال والقاع، ناهيك بوادي خالد.

على طرف نقيض منه، تقف التيّارات السلفية بسعيها إلى فتح الحدود الشمالية أمام المعارضة السورية والإختباء وراء النازحين لتبرير مدّ هذه المعارضة بالسلاح والمسلحين. تنطلق في قيادة معركة إسقاط نظام الرئيس بشار الأسد من دوافع دينية وعقائدية تجعلها تتقدّم أي مبرّر آخر . وهو مغزى تعاملها مع المعارضة السنّية السورية كجزء لا يتجزأ منها، وتنظر إلى المنطقة العازلة كهدف مستقل في ذاته لربط حمص وريفها بالبقاع الشرقي والشمال بغية تمكين المعارضة من قاعدة تنظيم قوى ودويلة تربط حمص بطرابلس وعكار توطئة لتكريس أمر واقع يتوخى تفكيك نظام الأسد من الداخل.

منطقان متناقضان على نحو كهذا لا يسعه إلا انتظار ذريعة أخرى كفيلة بإنهاء ازدواجية العلاقة مع أحداث سوريا. عندما اعتقل مولوي تلاحقت الأحداث على نحو أنبأ بأنه حجّة الإنفجار. أرغم الجيش على إخلاء مراكزه وقطعت الطرق وضربت هيبة المؤسسة العسكرية، وطلعت أصوات تهدّد بدعوة العسكريين السنّة إلى مغادرتها. استوعبت حكومة ميقاتي والجيش الحدث بتعهّدات قُطعت ببتّ اعتقال مولوي واستعجال محاكمة الإسلاميين أو إطلاقهم. ثم أتت أحداث عكار ومقتل عبدالواحد وسائقه عند حاجز للجيش كي يخرج مَن يدعو إلى طرد الجيش من عكار وإقالة قائده العماد جان قهوجي. بدا الثمن المطلوب أكبر بكثير من الحادثة نفسها، وهو إخراج الجيش من عكّار بعد طرابلس، وكانت ضغوط السلفيين نجحت في حمله على إخلاء مراكزه والتجمّع في ثكنه. تأخرت مجدّداً، بعد شباط الماضي، المنطقة العازلة ولم تُلغَ.


Script executed in 0.1699070930481