أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

«رحلة الموت» العراقية تصل إلى برّ أحزانها

الإثنين 28 أيار , 2012 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,091 زائر

«رحلة الموت» العراقية تصل إلى برّ أحزانها

رفع مصطفى حسين طفلته أدلين ابنة الأربع سنوات ووردتها الحمراء فوق كتفيه. زوجته حياة أحمد (34 سنة)، التي كانت تشارك في الزيارة كانت من أولى الخارجات إلى باحة الوصول. هبطت ميكروفونات التلفزيون وكاميراته التي كانت قد تسمّرت عند آخر رواق الوصول فوق رأسها مرة واحدة. عانق مصطفى زوجته وسار بقربها محاولاً التخفيف عنها. لكنه لاحقاً سيقول كلاما قاسياً لا يخلو من غضب ظاهر. قساوة لا تشبه حديث مصطفى قبل ذلك خلال ساعات الانتظار الطويلة للطائرة التي كان من المفترض أن تصل في الخامسة من بعد الظهر فطال وصولها إلى التاسعة مساء. 

حسن شحادة، العائد من الموت، كان هادئاً تماماً. السبعيني الدمث لأقصى حد لم يكن كمن تعرض قبل بضعة أيام لمحاولة قتل. كان يجلس في الكرسي الثالث من الناحية البعيدة عن الانفجار الذي وقع من الجهة اليسرى للحافلة فوقعت إصابته خفيفة إثر الزجاج الذي تناثر عليه من جميع الأماكن. كان حسن أول من نزل من الحافلة. سارع ضابط من الجيش العراقي لنقله مع جريحة أخرى إلى «مستشفى صدام الحكومي» في الرمادي الذي يبعد نحو خمسة كيلومترات من مكان التفجير. كان واعياً لكل ما يحصل من حوله. ظلّ يعيد ما حصل معه ويربّت على رأس حفيده أحمد ابن الثلاث سنوات الذي لم يرتض النزول عن كتف جدّه الآتي من الرحلة المغمّسة بالدم. 

كانوا 29 شخصاً في حافلة حملة «شمس الضحى» عندما تعرضت للتفجير. قتلت ثلاث سيدات هنَّ زينب اسماعيل، زينب حمادة، وعائدة اسماعيل. لاحقاً شارك حسن في تشييع ودفن السيدات الثلاث اللواتي دفنَّ عند الثالثة صباحاً في «مقـــبرة وادي السلام» في النجف كما جاء في وصية كل منهن. كانت لحظات الحادث أصعب ما مرّ على السبعيني الذي لم يسمح له مقر الإقامة بمعايشة الحرب اللبنانية وأهوالها. 

ضاعت المراهقات الثلاث زينب (13 سنة) ومريم (12 سنة) وفاطمة (17 سنة) في البحث عن والدتهن سميحة الدبق (52 سنة). لكن الوالدة الجريحة لن تمرّ في رواق الواصلين ولن يظهر أثر لها. فالواصلون الجرحى نزلوا مباشرة من الطائرة إلى سيارات الإسعاف التي انتظرتهم على مدرج مطار بيروت. لكن المراهقات الثلاث المحجبات كن قد اطمأننّ على والدتهن عبر الهاتف إثر الحادث فلم يبدين كثير قلق. قبل أيام مرّ الخبر العاجل من أمام عيني زينب التي لم تملك جرأة أكثر من الصراخ لخالتها. ظنت في قرارة نفسها أنها خسرت والدتها للأبد. لكن سميحة نجت وتابعت زيارتها الدينية على الحمالات. تتدخل شقيقتها فاطمة في الحديث. تجزم أن الحادث الذي تعرضت له والدتها هو أسوأ ما صادف عمرها اليافع. كانت مريضة قبيل سفر والدتها. أرادت أمها أن تتخلى عن السفر للعناية بها لكنها أصرّت عليها بالذهاب. لو حصل الأسوأ ربما لم تكن لتسامح نفسها. يحاول محمود فقيه بحنو أب كاد يخسر رفيقة عمره بلحظة شر إنساني أن يخفّف من الحالة التي عاشتها بناته الثلاث. يذكرهن بأنهن بتن شهيرات بعد اهتمام وسائل الإعلام بهن إثر الحادثة غير المتوقعة. فيبتـــسمن ويتابعن البحــث من دون كلـــل عن الوالدة العائدة من رحلتها الصعبة.


Script executed in 0.18938684463501