أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

ثلاثون عاماً على الاجتياح: إسرائيل تدرك حدود قوتها

السبت 02 حزيران , 2012 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,256 زائر

ثلاثون عاماً على الاجتياح: إسرائيل تدرك حدود قوتها

الهزائم التي تلقاها جيش الاحتلال الإسرائيلي في لبنان، ودفعته إلى الانسحاب منها على مراحل، وصولاً إلى عام 2000، تحولت بحسب يديعوت أحرونوت، لدى كل من المؤسسة الأمنية والقادة السياسيين الإسرائيليين الحاليين إلى «تلمود أمني»، تمثل بمجموعة من العبر التي تلقي بظلالها على أي مقاربة إسرائيلية في مواجهة التحديات والأخطار التي تواجهها الدولة العبرية.

 

لمناسبة مرور ثلاثين عاماً على الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، أجملت صحيفة يديعوت أحرونوت في تقرير طويل، العبر التي استخلصتها إسرائيل جراء فشلها في احتلال لبنان. وأكدت الصحيفة أن العبرة الأولى التي باتت تحفظها كل أجيال القادة العسكريين والسياسيين، بمن فيهم إيهود باراك وبنيامين نتنياهو، هي لازمة عدم الخروج إلى الحرب، ولا حتى إلى عملية محدودة، ولكن واسعة النطاق وطويلة نسبياً، إن لم يكن هناك وعي راسخ لدى الجمهور الإسرائيلي يدعم الأهداف الحقيقية لاستخدام القوة، ويقر بضرورة استخدام القوة العسكرية وسيلةً أخيرة لتحقيقها. أما العبرة الثانية، التي ما زال يُعمل بها حتى اليوم في المؤسسة الأمنية، بحسب يديعوت أيضاً، فهي أن الحسم أو النجاح العسكري للجيش غير كافيين لتحقيق الأهداف الاستراتيجية، بل ينبغي لتحقيق حد أدنى من الإنجازات، إلى جانب وعي الجمهور الإسرائيلي، توفير شرعية ودعم دوليين، أو على الأقل أميركيين. أما العبرة الثالثة، فتمثلت بالإقرار بأن لا قدرة لإسرائيل على احتلال أرض عربية والبقاء فيها بعد اليوم؛ إذ أكدت يديعوت وجود إجماع داخل المؤسسة العسكرية والأجهزة الاستخبارية، على أنّ من غير المسموح العودة بعد الآن إلى احتلال أرض والاحتفاظ بها لوقت طويل، بما يُمكِّن القوات المحلية من الاستعداد ومطادرة قوات الجيش. وأضافت الصحيفة أن هذا المفهوم عاد وأثبت نفسه في أعقاب حرب لبنان الثانية في عام 2006 وبعد عملية «الرصاص المسكوب» في قطاع غزة.

ضمن إطار المناسبة نفسها، تناولت الصحيفة العلاقات السرية التي نسجتها إسرائيل طوال تاريخها مع الدول المجاورة، سواء في دول الطوق أو الدائرة الثانية. وأشارت إلى العلاقات الشخصية والأمنية والاقتصادية التي طورها عملاؤها مع العديد من القادة العرب وغير العرب، فضلاً عن تسليحها للعديد من المنظمات السرية «من أكراد البرزاني في العراق، إلى منظمات سرية في أفريقيا». وشددت يديعوت على أن هذه العلاقات قامت على أساس مصلحة متبادلة وأحياناً مصلحة وجودية، ورأت أن سر النجاح فيها كان يكمن في أن الطرفين يعرفان حدود العلاقة، وأنها ينبغي أن تكون سرية، وأن الجيش الإسرائيلي قوة مقاتلة لا تتدخل، «أنتم لا تقتلون من أجلنا ونحن لا نقتل من أجلكم»، وأن التعاون يبقى قائماً ما بقيت المصالح المشتركة التي ولدته موجودة. وأكدت الصحيفة أن شارون «أوهم الناس من حوله، سواء العسكريون أو غير العسكريين، بأنهم يديرون دولة كاملة على أصابعهم أو دولتين في الحقيقة، وأن ما لم يستطيعوا فعله في إسرائيل سيفعلونه في لبنان، فيقررون من يكون الحاكم».

وعن الأسباب التي دفعت الجيش الإسرائيلي إلى الانسحاب من لبنان، رأت يديعوت أحرونوت أن «أعداد القتلى هي التي تقرر في نهاية الأمر»، ناقلة عن أحد رؤساء هيئة أركان الجيش قوله إنه «ما لم يرتفع عدد الجنود الذين يقتلون كل سنة من العشرين إلى ثلاثين، فسيبقى الجيش الإسرائيلي في لبنان إلى الأبد». وأشارت أيضاً إلى أن مطلب الانسحاب من لبنان التزمه كل من إيهود باراك قبل انتخابه، ثم تبعه بنيامين نتنياهو وانضم إليهما أرييل شارون، الذي أراد أن يكون الرجل الذي «يخرجنا» من لبنان بعدما أدخلنا إليه. وإنه استنتج من فشله أنه «ينبغي أن نبين للجمهور لماذا نحارب وما هو الهدف وما هو الثمن، وهذا ما لم يُفعَل في حرب لبنان الثانية».

أما لجهة حركة الأمهات الأربع، التي تشكلت على خلفية المطالبة بالانسحاب الإسرائيلي من لبنان، فقد دفعت ـــ بحسب يديعوت ـــ إلى مسارات غيرت النظرة إلى الحرب وإلى الجيش في المجتمع الإسرائيلي؛ «إذ لم يعد يجرِ التعامل مع الجنود على أنهم محاربون، بل على أنهم «أولادنا جميعاً». وفقد القتال شرعيته في المجتمع، وأصبح عدد القتلى الامتحان الأعلى لنجاح العملية العسكرية. ودُعي المواطنون إلى حماية الجنود، لا العكس. وفي ذلك الحين أصبح المواطن الذي يقتل بقذيفة صاروخية مأساة شخصية، أما الجندي الذي يقتل فأصبح مأساة وطنية».

ولفتت يديعوت إلى أن هذه المعايير الجديدة تركت أثرها على العمليات العسكرية الثلاث التي حدثت بعد الانسحاب من لبنان، سواء عملية «السور الواقي» في الضفة الغربية عام 2002، و«حرب لبنان الثانية» عام 2006، و«عملية الرصاص المسكوب»، نهاية عام 2008. ثم بلغت ذروة تأثيرها خلال السعي إلى استرجاع الجندي الأسير في قطاع غزة، غلعاد شاليط.

وحذرت الصحيفة الإسرائيلية الدولةَ العبرية من أن يمنعها الفشل في لبنان من تشجيع المعارضة السورية والإيرانية والأكراد في العراق، بنحو سري، إذا ما كان ذلك لمصلحتها. ثم أضافت أن «لبنان علمنا حدود القوة، وأن إسرائيل لا تستطيع احتلال عواصم العدو والبقاء فيها، ولا تستطيع أن تفرض من يحكم في القاهرة ولا في دمشق ولا في رام الله ولا في غزة، رغم أنها تستطيع أن تستخدم عملاء بنجاح، لكنها تفشل حينما تحاول أن تستأجر خدمات عصابات مسلحة كاملة».

وعلى قاعدة «الحكمة بمفعول رجعي»، رأى رئيس حركة ميرتس السابق، يوسي بيلين، في مقالة له في صحيفة إسرائيل اليوم، أنه كان ينبغي لحزب العمل، الذي كان متحدثاً باسمه في عام 1982، معارضة الحرب، وخاصة أنه كان يراها خطأً شديداً، لكن كان هناك من يعتقد أنه لا يجوز تحويل هذا الموضوع إلى جدل علني. ورأى أنه ينبغي أن ندرس جيداً الحرب في لبنان ودخول بيروت والسنين الطويلة في المستنقع اللبناني، وإقناع الذات بحيوية الوجود الدائم هناك، كي نفهم أنه يمكن الامتناع عن مغامرات كهذه. وان الطريقة لذلك هي عبر الوقوف في وجه الجهة المتحمسة والمتأكدة من أهمية العملية العسكرية لنفهم منها ما الذي تريده بالضبط ولماذا تظن أن الأمر حيوي جداً وكيف تنوي إنهاء العملية وأن نقول لها «لا»، حتى لو بدا واضحاً أن «نعم» أكثر شعبية بكثير.

 

قبل لحظة من الانفجار.. كنا هناك

 

تروي مراسلة صحيفة يديعوت أحرونوت، سمدار بيري، حكاية الانفجار الذي أودى بحياة بشير الجميّل، قبل لحظات من الموعد المقرر لإجراء مقابلة معه للصحيفة. تتحدث عن الساعات الأخيرة قبل وصولها إلى مقر حزب الكتائب، الذي شهد قبل الخامسة عصراً بعدة دقائق، في 14 أيلول 1982، «الانفجار المخيف».

تقول بيري: «كنت هناك مع مصوّر يديعوت أحرونوت، حانوخ غوتمان، ومرافقين محليين (لبنانيين)، وكنا نستعد لإجراء مقابلة صحفية علنية هي الأولى من نوعها، مع رئيس الحزب، الرئيس المنتخب للبنان، بشير الجميّل، قبل أن يدخل القصر الرئاسي».

تتحدث بيري عن أن بشير «ما كان ليقبل بالظهور العلني في صحيفة إسرائيلية، لولا تدخل والده، الصيدلي العجوز، الشيخ بيار الجميّل، الأمر الذي دفعها للتوجه إلى منزل العائلة في بكفيا ومقابلة الوالد». وتضيف: «لما فاتحناه، قال لنا إن لديه معلومات استخبارية مقلقة عن وجود مخطط لاغتيال بشير، وأضاف هامساً: أي ظهور له في الإعلام، وبالتأكيد في الإعلام الإسرائيلي، يمكن أن يحفز من يريدون به سوءاً. لكننا لم نستسلم، وفي نهاية المطاف، خرجنا مع رسالة توصية من الأب إلى ابنه، بإجراء المقابلة».

«جلسنا في مقر حزب الكتائب ننتظر (تضيف بيري)، لكن ما لبث الانفجار أن دوّى، وقتل الجميّل مع 26 من مرافقيه ومساعديه، ومن ثم أُغلق المكان، ومنع الجميع من المغادرة، لكن لحسن حظنا كانت جوازات سفرنا الإسرائيلية في حوزتنا، فنظر إليها مقاتل من الكتائب، وقال: بإمكانكم المغادرة».

تقول بيري: «في منتصف الليل، في ردهة الفندق، شاهدنا قافلة من السيارات تسير ببطء. في السيارة الثانية كان وزير الدفاع أرييل شارون ورئيس الأركان رفائيل إيتان. لوحنا لهما ليتوقفا، لكنهما فضلا تجاهلنا. وفي صباح اليوم التالي، وصلنا إلى مطار بيروت، ومن هناك، نقلتنا مروحية عسكرية إلى تل أبيب».


Script executed in 0.18157720565796