أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

طرابلس تحت رحمة فرز مذهبي يضعها على فوهة بركان

الثلاثاء 05 حزيران , 2012 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,602 زائر

طرابلس تحت رحمة فرز مذهبي يضعها على فوهة بركان

على العكس تماماً، فإن المخاوف تتزايد من المحاولات الرامية إلى إدخال عاصمة الشمال في «غرم» الأزمة السورية، كما أدخلت في العام 2008 في «غرم» التجاذبات السياسية المحلية والاقليمية من دون أن يشركها لاحقاً في «الغنم»، لتدفع ثمن ذلك غالياً من دماء أبنائها. 

وعدا عن الأبعاد الإقليمية، فان ما جرى ويجري، يشي بأن بعض الأطراف تحاول الاستفادة اليوم مما يجري في المدينة واستخدامها منصة لضرب الرئيس نجيب ميقاتي في عقر داره ودفعه الى الاستقالة، والتشويش على طاولة الحوار، وتعطيل دور الجيش اللبناني، وذلك من أجل تحقيق بعض الأهداف التي تصبّ في اتجاه جعل طرابلس وعمقها الشمالي «حديقة خلفية.. داعمة للثورة السورية». 

وطالما أن هذه الأهداف أو بعضها لم يتحقق بعد، فإن احتمالات تجدد جولات العنف موضوعة في حسبان الجميع إلا في حال اتخاذ خطوات عملانية على الأرض تسحب فتائل التفجير التي تستخدم في كل مرة لإشعال خطوط التماس بين التبانة والقبة وجبل محسن والمنكوبين. 

وما ينذر بالخطر الشديد هو ما شهدته المدينة خلال الساعات الماضية من أعمال حرق وتكسير قام بها مجهولون لممتلكات عدد من أبناء جبل محسن (علويون) من محلات تجارية ومدينة ملاه للأطفال في طرابلس، وذلك في سيناريو مستعاد من بداية الحرب الأهلية في العام 1975، بهدف عزل بعض المناطق وخلق «كانتونات» سياسية وأمنية تستخدم في «حروب الزواريب» التي من شأنها أن تضع طرابلس على فوهة بركان في ظل التنوع السياسي الذي يخيم أفقياً على كل مناطقها من دون استثناء. 

ولا شك في أن هذه الأعمال التخريبية البعيدة كل البعد عن عادات وتقاليد أبناء طرابلس، قد وجدت استنكاراً واستهجاناً كبيرين من قيادات وفاعليات المدينة، خصوصاً أنها استهدفت عدداً من العلويين المندمجين في الشارع السني والمقيمين في طرابلس منذ زمن بعيد والذين تربطهم علاقات مصاهرة وشراكات تجارية مع أبناء المدينة، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي الى مزيد من الفرز السياسي والطائفي المذهبي الذي يجعل طرابلس برمّتها عبارة عن محاور وخطوط تماس مشتعلة على الدوام. 

في غضون ذلك، لم يترجم قرار رفع الغطاء السياسي عن المخلين بالأمن، حتى الآن واقعاً ملموساً على الأرض، كما أن قرار تكليف الجيش اللبناني والقوى الأمنية الضرب بيد من حديد ظل حبراً على ورق نظراً لتكبيل هذه اليد بكثير من الاتهامات والحسابات والتوازنات التي بدأت تحول القوى الأمنية على اختلافها الى مجرد قوات فصل. 

هذا الواقع، لم يؤد الى طمأنة الطرابلسيين الذين عاشوا نهاية الاسبوع الفائت ليلة من ليالي الحرب الأهلية الضارية، ولسان حال معظمهم أن لا شيء يمنع تجددها واتساع رقعتها بعد السلاح المتطور الذي تردد صداه في سائر أنحاء العاصمة الثانية على مدى ساعات الجولة الثامنة. 

ينبثق عن سؤال الجولة التاسعة، سلسلة تساؤلات أخرى ترخي بثقلها على الأوساط الطرابلسية وأبرزها: أين القوى الأمنية المكلفة حماية الاستقرار في أحياء طرابلس؟ ولماذا غابت الحواجز بشكل سريع عن نقاطها الثابثة التي وضعت غداة الاجتماع الذي عقد في منزل الرئيس نجيب ميقاتي؟ ولماذا لم تلاحق القوى الأمنية من قام بإحراق الممتلكات؟ ولماذا لم تتصدّ لهم؟ ولماذا لم تتخذ تدابير أمنية عند بعض المحلات التجارية الأخرى لحمايتها قبل الشروع في إحراقها أو تكسيرها؟ 

ومن يريد أن يشوّه صورة طرابلس أكثر فأكثر؟ ومن يريد عزل طرابلس عن محيطها وإظهارها بأنها خارجة عن القانون؟ 

أما في ما يتعلق بالمحاور الساخنة في التبانة والقبة وجبل محسن والمنكوبين فثمة تساؤلات أخرى، أبرزها كيف يمكن للجيش اللبناني أن يضبط الوضع الأمني وهو غير قادر حتى الآن على إزالة الدشم التي يعاد تأهيلها تباعاً؟ وكيف لانتشار الجيش أن يدخل الطمأنينة الى نفوس المواطنين ويدفعهم للعودة الى منازلهم وهو ما يزال مكبلاً عن قمع المسلحين أو مصادرة السلاح الظاهر أو الرد بالمباشر على المخلين بالأمن أو حتى توقيفهم؟ والى ماذا سيفضي التحريض المستمر من قبل بعض الأطراف السياسية على الجيش اللبناني بهدف خلق بيئة معادية له في بعض المناطق الطرابلسية؟ 

كل ذلك يؤكد أن ما تشهده طرابلس من هدوء لا يعدو كونه «هدنة» قد تسقط في أي لحظة في ظل هذه المعطيات المفتوحة على كل الاحتمالات والتي لا تبشر بالخير، خصوصاً أن الشارع وبفعل الشحن السياسي والتحريض المذهبي يتجه ليكون خارج أي سيطرة، ما يدفع الى سؤال أخير هو: من يحكم طرابلس اليوم؟


Script executed in 0.16489696502686