أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

«هذه صورة الوحش»

الخميس 07 حزيران , 2012 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,443 زائر

«هذه صورة الوحش»

كالنار في الهشيم انتشر خبر تحرّش أستاذ الفنون التشكيلية بعدد من تلميذاته القاصرات. الباحث عن الخبر في المواقع الإلكترونية يجده مدرجاً تحت عناوين «الأكثر قراءة»، أو يلحظ تصاعداً ملحوظاً لعدد مشاهدي التقارير الإخبارية المصّورة التي تناولته. ليس الأمر غريباً، فلطالما مثّلت الأخبار المماثلة المادة الأكثر جذباً للقراء والمشاهدين. في «الأخبار» مثلاً، حقق عدد قرّاء تقرير عن الشرطي الذي اغتصب عاملة بنغلادشية خلال فترة توقيفها رقماً قياسياً على الموقع الإلكتروني. ويرصد عدد من الزملاء الذين يغطّون جرائم الاغتصاب، أو ينشرون أحكاماً قضائية متعلقة بهذا الموضوع، متابعة كبيرة لما يكتبونه.

يختلف الأمر قليلاً في قضية أستاذ الفنون التشكيلية في مدرسة مار يوسف ــ عينطورة. خبر التحرّش هذه المرة لم يرد في متفرقات سريعة (كما يحصل غالباً في قضايا مماثلة)، بل ارتقى إلى مستوى القضية. وهذا أمر إيجابي، لو أن وسائل الإعلام وعت حجم هذه القضية، ولم تتعامل معها على قاعدة «ما يريده الجمهور» من دون أي مسؤولية اجتماعية. لقد تحكّمت الرغبة في تحقيق سبق صحافي مثير، على الوظيفة الإعلامية القائمة على نشر الخبر أولاً، مع مراعاة حساسياته، وعلى الاستفادة منه لاحقاً لأداء دور تربوي وتوعوي.
سمعنا في اليوم الأول عن «وحش في ثياب أستاذ»، بحسب نشرة أخبار المؤسسة اللبنانية للإرسال «أل بي سي»، التي تحفّظت على ذكر اسم المدرسة (ويقال إنها وعدت الإدارة بعدم ذكره). تلقّفت «الجديد» الخبر، وسارعت في اليوم الثاني إلى الإعلان عن اسم المدرسة ضمن برنامج «للنشر»، ما دفع الأخيرة إلى التوضيح. أما في اليوم الرابع، فقد شاهدنا صورة «الأستاذ ــ الوحش» منشورة في جريدة «النهار» وتحتها اسمه الصغير، مع الحرف الأول من اسم العائلة، علماً بأن الخبر المرفق بالصورة يخلو من أي جهد خاص قامت به «النهار»، إذ اقتصر على إعادة نشر ما ورد في المؤتمرات الصحافية التي عقدت يومها لتوضيح القضية. كذلك نشر الصورة موقع «الكلمة أونلاين» (وتناقلتها مواقع إلكترونية أخرى) تحت عنوان «تعرّفوا إلى الأستاذ ب. ش. الذي تحرّش بطالبات مدرسة عينطورة». وفي اليوم الخامس، استنكرت «أم تي في» في برنامجها «أنت حرّ» هذا السلوك الإعلامي، لكنها في معرض دفاعها الشرس عن المدرسة وتعداد الإجراءات التي اتخذتها (ومنها ما وصفته بالتعسفي)، لم تتردد في ذكر أسماء الضحايا والإشارة إلى تحرّش يمارسه أحد الأهالي مع ابنته... في اعتداء جديد عليهنّ.
هذه الممارسة الإعلامية نتج منها أمران أساسيان: بثّ حالة من الذعر والخوف لدى الأهالي من جهة، وخلق حالة من التعاطف مع الأستاذ الذي تحوّل في نظر كثيرين إلى ضحية بعدما كان «وحشاً»، من جهة ثانية. قد يكون ب. ش. الذي لا يزال مشتبهاً فيه قانوناً، ارتكب ما اتهمته به تلميذاته، إلا أن لهذه الجريمة عقوبة محدّدة في القانون اللبناني. وفي القانون الإنساني أيضاً، لا يجوز إدانة جريمة ارتكبت بسبب ضعف بشري، أو مرضي، أو هوس جنسي، مدى الحياة. الإدانة تكون مؤقتة وبحجم الجريمة، خصوصاً أن المشتبه فيه شاب في الثانية والعشرين من العمر، أي إن المستقبل لا يزال أمامه. لكن ما فعلته بعض الوسائل الإعلامية كان أقسى ممّا «يحق» للأهالي القيام به. لقد نفّذت حكماً بـ«الإعدام الاجتماعي»، بحسب أحد كبار الصحافيين اللبنانيين، أضيف إليه أول من أمس اعتداء جديد على الضحايا، من خلال كشف أسمائهن.
الإعلام، الذي لم يتعامل مع هذه القضية بوصفها خبراً قضائياً، لم يحوّله إلى قضية اجتماعية كما يتوقع، بل إلى خبر مثير. بمَ يختلف خبر السرقة أو القتل عن خبر الاغتصاب أو التحرّش؟ لماذا تتحفظ الصحافة على ذكر اسم المشتبه فيه هنا، وتسارع إلى نشره هناك؟ لمَ هذه المسارعة إلى نشر اسم المدرسة، تمسّكاً بـ«السكوب»، فيما مدارس كثيرة في لبنان، وبيوت كثيرة أيضاً، تشهد حوادث مماثلة وربما أفظع منها؟
لا شك في أن إثارة موضوع مماثل، إعلامياً، أمر ضروري. وهي تمثّل فرصة ننطلق منها لخلق وعي لدى المشاهدين، فتشجعهم على الحديث عن الموضوع ومناقشته مع أولادهم. لكن المراقب للشارع اللبناني، لا سيما أهالي التلامذة الصغار، يلاحظ طغيان مشاعر الخوف والقلق وانعدام الثقة. يقول والد طفل في الثامنة إنه بات يخشى على ابنه من حصة السباحة في المدرسة. «لا أعرف ما قد يحصل هناك. من يضمن لي أن أحداً لن يتعرّض له». وتروي والدة فتاة في الخامسة إنها باتت تقلّها بنفسها إلى المدرسة بسبب فقدانها الثقة بسائق الحافلة.
وفي معرض الحديث عن الموضوع، برزت الأحكام الجاهزة. استعاد كثيرون النكات الشهيرة عن المدارس الدينية، واستمتع آخرون بالحديث عن فساد ارتكب في «مدرسة راقية»، في إيحاء إلى أن الفساد المماثل لا يقوم به إلا المترفون، علماً بأن هذه المشكلة عامة، وغير طبقية. تروي فتاة ثلاثينية ما كانت تتعرّض له وزميلاتها في مدرسة القرية «كانوا أربعة أساتذة، يختارون الفتيات الأجمل ويقومون بحركات، عرفنا بعدما كبرنا أنها تسمى تحرّشاً جنسياً». لم تحك هؤلاء الفتيات شيئاً لأهاليهنّ، ولم يذكر الإعلام الأمر، ولا أحد يعرف إلى اليوم تداعيات ما حصل على الفتيات، أو الفتيان الذين يتعرضون بدورهم لاعتداءات مماثلة.
نبيل خوري
يوافق الاختصاصي في علم النفس العيادي الدكتور نبيل خوري على أن الإعلام، من خلال متابعته لهذه القضية، لم يتوخّ الحقيقة ولا الحلّ، بل بحث عن الإثارة. لكنه في المقابل يحرص على المطالبة بعقاب رادع لهذه الجريمة. يذكّر بحادثة حصلت معه، تحوّل فيها هو شخصياً إلى متهم لأنه كشف عن تعرّض أحد الأطفال لاعتداء جنسي من قبل والده، «صار الهم تجريمي وتبرئة الوالد». ينتقد القوانين المطاطة التي أتاحت هروب الوالد من العقاب «الذي يمكن أن يمثّل رادعاً، لكنّ هروب الوالد بالطريقة التي هرب بها، شجّعت الآخرين».
ماذا عن الأستاذ المشتبه فيه؟ هل يعاني من هوس ممارسة الجنس مع الأطفال (pedophilia)؟ وفي حال كان كذلك، هل يمكن أن يعفيه ذلك من العقاب؟
يؤكد خوري أن «البيدوفيليا» مرض نفسي عريق، ولا رادع يمكنه أن يحول دون تحرّش المصاب به بالأطفال. لكن معاناة الفرد من هذا المرض لا تعفيه من العقاب. «هناك مرضى كثيرون مسؤولون عن أفعالهم، فهو يعرف ويعي أنه يقوم بعمل خاطئ وإجرامي». النصيحة التي يقدّمها خوري هي التفكير في كيفية حماية الأطفال، في تنبيه الأهل ومتابعة الموضوع قضائياً بحيث يحصل المجرم على عقابه.


الكلمة للقضاء

أكد وكيل أهالي الفتيات المحامي مارون أبو شرف أنه اتخذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق محطة «أم تي في» التي أذاعت أمس أسماء الفتيات اللواتي تعرّضن لاعتداء جنسي ضمن برنامج «أنت حر». يقول: «أعلمت المدعي العام التمييزي بالأمر، واتخذنا إجراءاتنا القانونية. ما حصل يعدّ خرقاً كبيراً لحرمة الطفولة. ألا يكفي أن الأهالي تشجعوا ورفعوا دعاوى؟ عوض أن نشجّع الآخرين (إن وجدوا) على القيام بهذه الخطوة نبادر إلى إخافتهم؟».
لا يخفي أبو شرف انزعاجه من الطريقة التي تعامل بها الإعلام مع الموضوع، «القضية باتت في يد القضاء، وكلما حاولنا وضعها في سياقها تبرز وسيلة إعلامية لإثارتها مجدداً».
وعلى الرغم من كونه محامياً عن الفتيات المعتدى عليهنّ، ووعيه لمشاعر الأهالي الذين يكتشفون أن أولادهم تعرّضوا لحادثة مماثلة، يرفض أبو شرف نشر صورة الأستاذ المشتبه فيه، أو التشهير به، «فنحن لا نرضى الذلّ لأيّ كان، خصوصاً أن القضاء لم يقل كلمته بعد، فهذا أمر له ثمنه الاجتماعي. فننتظر الحكم القضائي».


Script executed in 0.1732439994812