تختلف الصورة في قاعة السرايا الحكوميّة عن الصور التقليديّة التي تجمع في العادة رجال السياسة والأمن والدين. يتسرّب ضوء الثريّات الخضراء ولوحات الزخرفة الزرقاء إلى عمق الصورة ليضيء وجوه وزراء وسفراء ورؤساء جامعات ومراكز بحثيّة وباحثين علميّين لبنانيّين. تتردّد كلمة «البحث العلمي» آلاف المرّات على لسان المتحدّثين، يتّسع الأفق ليشمل الصناعة والزراعة والبيئة والهندسة والطبّ والتربيّة وغيرها، ويتعرّف الحضور إلى أسماء ووجوه عملت لسنوات في المختبرات العلميّة، تجرّب وتبحث وتسافر من دون أن تهاجر، وتنشر نتائج البحوث في المجلات العالميّة لتساهم في إغناء المعرفة وكشف المجهول.
ففي مناسبة الاحتفال بيوبيله الذهبي، أعلن «المجلس الوطني للبحوث العلميّة»، أمس، منح خمسة عشر باحثاً لبنانيّاً جائزة التميّز في البحث العلمي التي أطلقها في شهر آذار الماضي. بلغ عدد المرشّحين سبعين باحثاً والتزمت اللجان المتخصّصة معايير التقويم العالميّة في دراسة الملّفات التي تتضمّن مقالات الباحث المنشورة ومشاريعه البحثيّة التي يجب أن تكون منجزة في إحدى المؤسّسات البحثيّة والأكاديميّة اللبنانيّة بين عامي 2001 و2011. وفاز بالجائزة الباحثون: حسان أرطيل، ماريان أبي فاضل، علي بازرباشي، كارمن بستاني، عزة شرارة بيضون، نهلا حولا، طلال درويش، علاء شرارة، أمين شعبان، داني عازار، نسرين غدار، معتصم الفاضل، بلال قعفراني، أندره مكربنه، بلال نصولي.
حدّدت الباحثّة الدكتورة ماريان أبي فاضل من كليّة الصيدلة في «جامعة القديس يوسف» وبالتعاون مع» المعهد الوطني الفرنسي للبحوث الصحيّة والطبيّة» طفرات في جِين وبروتينات جديدة مسؤولة عن ارتفاع معدّل الكوليسترول الوراثي «familial hypercholesterolemia»، مما يساعد في إيجاد علاجات جديدة لهذا المرض.
أجرى الباحث الدكتور علاء شرارة من «الجامعة الأميركيّة» في بيروت خلال الأعوام العشرة الماضيّة بحوثاً سريريّة عدّة حول أمراض الجهاز الهضمي مثل إلتهابات المعدة والقولون. ناقش شرارة نتائج بحوثه في الجمعيات الأميركيّة المتخصّصة في أمراض الجهاز الهضمي والكبد في محاولة لتطوير وسائل التشخيص والعلاج.
وركّز الباحث الدكتور داني عازار من «الجامعة اللبنانيّة» على تطوّر الحشرات والتنوّع البيئي منذ 135 مليون عام، من خلال دراسة الحشرات المتحجرّة في العنبر أو الصمغ المتحجّر. فوفق عازار، يملك لبنان عيّنات غنيّة لأنواع كثيرة من الحشرات من فرشات وعناكب وبعوض.
يقوم الباحث الدكتور اندريه مكربنه من «جامعة القديس يوسف» في معظم أعماله البحثيّة في المختبرات اللبنانيّة ويركّز على الأمراض الجينيّة النادرة. تصيب هذه الأمراض شخصاً واحداً من كلّ عشرين شخصاً ويساهم تحديد أسباب هذه الأمراض بإيجاد علاجات متطوّرة لمواجهتها.
يهتّم الباحث الدكتور بلال قعفراني من «الأميركيّة» في بيروت باستخدام المواد العضويّة في تطبيقات الأجهزة الإلكترونيّة وأجهزة التحسّس.
ويعمل الباحث الدكتور طلال درويش من «المجلس الوطني للبحوث العلميّة» على استخدام تقنيات الاستشعار عن بُعد لدراسة نظم المعلومات الجغرافية، والتربة الزراعيّة، والتدهور البيئي.
وتساهم بحوث الدكتور معتصم الفاضل من «الأميركيّة» بتطوير مجالات الهندسة البيئيّة ومعالجة النفايات الصلبة.
ويقوم الباحث الدكتور بلال نصولي من «المجلس الوطني للبحوث العلميّة» بتحليل المواد الصلبة بوساطة التقنيات النوويّة.
وترتكز أعمال الباحث الدكتور حسان أرطيل من «الأميركيّة» على علوم الحاسوب.
وتتميّز بحوث الدكتور علي بازرباشي من «الأميركيّة» في تطوير علاجات سرطان الدم.
ويختصّ الباحث الدكتور أمين شعبان من المجلس في بحوث الموارد المائيّة الجوفيّة وتقنيات الاستشعار عن بعد.
وتتميّز الباحثة الدكتورة نسرين غدار من «الأميركيّة» بأعمالها في مجال حفظ الطاقة وترشيد استخدامها.
وتشتهر الباحثة الدكتورة نهلا حولا من «الأميركيّة» في دراساتها العلميّة في شأن السلوكيات الغذائيّة وارتباطها بالأمراض غير الساريّة.
نالت الدكتورة كارمن بستاني من «اللبنانيّة» جائزة التميّز في حقل الآداب لكتاباتها الغنيّة عن المرأة ولمساهماتها في الإنتاج الأدبي الفرنكوفوني.
وفي حقل العلوم الاجتماعيّة، تميّزت الدكتورة الباحثة عزة شرارة بيضون في مقاربتها قضايا المرأة والجندر.
اليوبيل الذهبي
في العام 1962 تأسّس «المجلس الوطني للبحوث العلميّة» مؤّسسة عامة مرتبطة برئيس مجلس الوزراء. وكلفّ المجلس، وفق أمينه العام الدكتور معين حمزة، بمهمات استشاريّة وتنفيذيّة في وضع السياسات العلميّة والبرامج البحثيّة الوطنيّة. توسّعت مهمات المجلس في العام 2006 لتشمل علوم الإنسان والمجتمع، والإقتصاد والإدارة والقانون. وأنشأ المركز أربعة مراكز بحثيّة:
يشكّل «مركز الجيوفيزياء» الهيئة الوطنيّة المسؤولة عن متابعة نشاط الزلازل ورصده، وعن درء الكوارث الطبيعيّة ووضع خرائط قعر البحر.
يلتزم «مركز علوم البحار» بدراسة التلوّث البيئي على طول الشاطئ اللبناني وبالكشف عن الثروات البحريّة.
يستفيد «مركز الاستشعار عن بعد» من تقنيات الصور الفضائيّة ويقوم بدراسة الأثر البيئي لمشاريع استثمار الموارد الطبيعيّة.
وتتحمّل «الهيئة اللبنانية للطاقة الذريّة» مسؤوليّة الرقابة الإشعاعيّة والحماية من المخاطر.
ووفق تقرير المجلس بين العامين 2007 و2011، توزّع دعم المجلس للأعمال البحثيّة بنسبة 35.57 في المئة على المشاريع البحثيّة المرتبطة بالعلوم الأساسيّة والهندسة والكمبيوتر، وبنسبة 31.75 في المئة للعلوم الطبيّة والصحة العامة والبيولوجيا، و14.7 في المئة للبيئة والمصادر الطبيعيّة، و10.45 في المئة في الزراعة وتكنولوجيا الغذاء، و4.53 في المئة على العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة.
وحصلت «الجامعة الأميركيّة» على نسبة 44.6 في المئة من الدعم، و«الجامعة اللبنانيّة» على 27.6 في المئة، والجامعات الخاصة الأخرى على نسب مختلفة.
ويلفت حمزة إلى أن «العلم يزدهر بالإنفاق»، إذ تجاوز الإنفاق العالمي على البحث العلمي في العام 2011 الألف مليار دولار، أي نحو 2.15 في المئة من إجمالي الدخل العالمي، بينما لم يتجاوز الإنفاق في الدول العربيّة 0.3 في المئة من الناتج الإجمالي لهذه الدول.