أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

المحكمة الدولية تحاكم نفسها اليوم

الأربعاء 13 حزيران , 2012 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,603 زائر

المحكمة الدولية تحاكم نفسها اليوم

محرّر الشؤون القضائية 
تنعقد المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري في الساعة 9:30 من صباح اليوم في مقرّها في لاهاي للنظر في شرعية إنشائها. وستستكمل الجلسة غداً بعد الاستماع الى كلّ من المحامين الأربعة، أنطوان قرقماز ويوجين اوسوليفان وفينسان كورسيل لابروس ودايفد يونغ، المكلفين الدفاع عن مصطفى بدر الدين وسليم عياش وحسين عنيسي وأسد صبرا، والى المدعي العام نورمان فاريل والى وكلاء الضحايا المحامين بيتر هاينز وندى عبد الساتر ابو سمرا ومحمد مطر.

وكان كلّ من هؤلاء قد أحال على غرفة الدرجة الاولى التي تضمّ القاضية اللبنانية ميشلين بريدي والقاضي الاسترالي دايفد ري ويترأسها القاضي السويسري روبرت روث، مذكرات شرح فيها موقفه من شرعية إنشاء المحكمة وقانونية اختصاصها القضائي المحدد في أنظمتها.
المدعي العام فاريل الذي تعاونه القاضية اللبنانية جوسلين تابت، كان قد استعان في مذكرته بما كان قد صدر عن محاكم اسرائيلية، معتبراً اياها مرجعاً يحتذى به في المحكمة الخاصة بلبنان. وبعدما أشارت «الأخبار» الى ذلك (عدد يوم السبت 9 حزيران) أكّد مسؤول في الأمم المتحدة من نيويورك عبر الهاتف أن «المدعي العام يتمسّك بكلّ ما ورد في نصّ المذكرة». ولدى سؤاله عن الاشارة الى «المرجع الاسرائيلي»، قال «ان المدعي العام يعمل وفق المعايير القانونية». جاء هذا الكلام وسط صمت المسؤولين اللبنانيين، وكأن الاستشهاد بالمحاكم الاسرائيلية في محكمة «خاصة بلبنان» أمر عادي لا يستحق التوقف عنده.
وكان فاريل قد أودع المحكمة ملحقاً بعنوان «بيان بالوقائع المتعلّقة بانشاء المحكمة الخاصة بلبنان»، تضمّن مغالطات وتفسيراً ملتوياً للدستور اللبناني، وتجاهلاً لمعلومات أساسية لتكوين صورة متكاملة لمسار الأمور. فقد ادعى فاريل في هذا الملحق أن لمجلس الوزراء، بموجب المادة 56 من الدستور اللبناني، الحق في اقرار القانون الذي تنشأ المحكمة الدولية بموجبه رغم رفض رئيس الجمهورية التوقيع عليه (الفقرة 20)، لكن ذلك يجافي الحقيقة. إذ إن المادة 56 تقول إن لرئيس الجمهورية «حق الطلب إلى مجلس الوزراء إعادة النظر في أي قرار من القرارات التي يتخذها المجلس خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ إيداعه رئاسة الجمهورية. وإذا أصر مجلس الوزراء على القرار المتخذ أو انقضت المهلة من دون إصدار المرسوم أو إعادته يعتبر القرار أو المرسوم نافذاً حكماً ووجب نشره»، غير ان ذلك لا ينطبق على قرار أو مرسوم غير قانوني. ولا شك أن القانون الذي يتضمّن الاتفاقية الدولية بين لبنان والامم المتحدة غير قانوني، لأنه ينتهك المادة 52 من الدستور. فبحسب الدستور يتولى رئيس الجمهورية «المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة»، لكن ذلك لم يحصل، وعلى الرغم من اشارة فاريل الى عدم اعتراض الرئيس اميل لحود يومها على تكليف مجلس الوزراء مفاوضين لبنانيين للبحث في صياغة الاتفاقية (الفقرة 15)، فان ذلك لا يعني أن الرئيس «تولى المفاوضة» كما جاء في نصّ الدستور. ولم يتوقف فاريل عند هذا الحدّ من التفسير الملتوي للدستور اللبناني، بل تابع بالقول إن «الامم المتحدة قدمت النسخة الاولى من الاتفاقية (الاتفاقية الدولية لانشاء المحكمة) ونظامها الى رئيس مجلس الوزراء ووزير العدل، وفي 13 تشرين الثاني 2006 وافق مجلس الوزراء عليها على نحو غير رسمي» (الفقرة 16). وبالتالي فان فاريل يعترف بأن الامم المتحدة تعمّدت تجاوز المادة 52 من الدستور اللبناني، عبر تسليم نصّ الاتفاقية الى رئيس مجلس الوزراء ووزير العدل لا الى رئيس الجمهورية، الذي يعدّ المرجع الاول والأساسي في المفاوضة بشأنها. وفي 21 تشرين الثاني 2006، بحسب فاريل، طلب رئيس مجلس الامن من حكومة فؤاد السنيورة «اتخاذ الخطوات النهائية لاقرار الاتفاقية بما يتناسب مع الدستور اللبناني» مع اشارة مبطنة للمادة 56 منه.
وسعى فاريل في نصّ الملحق الى تبرير انتهاك فقرة أخرى من الدستور تعني صلاحيات مجلس النواب، حيث عدّ اقرار مجلس الوزراء للاتفاقية الدولية في 25 تشرين الثاني 2006 قانونياً، وبالتالي فان عدم دعوة رئيس مجلس النواب الى الانعقاد لبحثها بموجب الجزء الثاني من المادة 52 مخالف للقانون، إذ جاء في الجزء الثاني من المادة 52 أن «المعاهدات التي تنطوي على شروط تتعلق بمالية الدولة والمعاهدات التجارية وسائر المعاهدات التي لا يجوز فسخها سنة فسنة، لا يمكن إبرامها إلا بعد موافقة مجلس النواب»، لكن فاريل لم يتطرق لا من بعيد ولا من قريب الى أن استقالة جميع الوزراء الشيعة من الحكومة يجعلها غير دستورية بموجب الفقرة «ي» من مقدمة الدستور، التي جاء فيها: «لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك».
تبنى فاريل في الفقرة الثالثة من الملحق المواقف السياسية للولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا في جلسة مجلس الأمن الدولي (30 أيار 2007) حيث ادعى أن انشاء المحكمة الدولية من دون موافقة مجلس النواب اللبناني لا يعدّ انتهاكاً لسيادة لبنان، أو تدخلاً في شؤونه الداخلية، بل «استجابة لطلب الحكومة اللبنانية بتجاوز الطريق المقطوع للإجراءات الداخلية اللبنانية». وتجاهل المدعي العام ومعاونته اللبنانية ما صدر عن المندوب العربي الوحيد في مجلس الأمن، أي مندوب دولة قطر يومها السفير عبد العزيز النصر الذي قال معلّقاً على مشروع القرار 1757 الذي أنشئت المحكمة بموجبه «إننا نرى أن الأسلوب الذي ينتهجه مشروع القرار المعروض على المجلس الآن ينطوي على تجاوزات قانونية معروفة للجميع، وقد لا يكون مشجعاً للتوافق الوطني، ويزيد من تعقيد الوضع في بلد هو في أمس الحاجة حالياً إلى التلاحم الوطني والاستقرار السياسي». فاريل وتابت اختارا كذلك إغفال ما صدر عن مندوب أكبر دولة اسلامية في العالم، أي سفير إندونيسيا حسن كليب، الذي قال انه «اذا اعتمد مشروع القرار، فإنه سيتجاوز الإجراء الدستوري والعمليات الوطنية. ليست هناك أسس قانونية تجيز لمجلس الأمن أن يتناول مسألة داخلية. فالفقرة 7 من المادة 2 من ميثاق الأمم المتحدة تشدد على أنه ما من شيء في الميثاق يسوِّغ للأمم المتحدة أن تتدخل في الشؤون التي تكون أساسًا من صميم السلطان الداخلي لدولة ما». وأضاف: «ينبغي ألا يتدخل مجلس الأمن في مسألة تفسير المقتضيات الدستورية التي ينبغي لدولة ما أن تمتثل لها في ممارستها لسلطاتها، فضلاً عن توليه أمرها».
مندوب روسيا فيتالي تشوركين أسف خلال الجلسة «لأن قراراً يشوبه الكثير من أوجه القصور القانونية سيطرح للتصويت بهذه الطريقة المتعجلة». وشرح «أن الترتيبات التي اختارها مقدمو مشروع القرار تحوم حولها الشبهات من وجهة نظر القانون الدولي. فالمعاهدة بين كيانين ــــ لبنان والأمم المتحدة ــــ بطبيعتها لا يمكن بدء نفاذها على أساس مجرد قرار من طرف واحد من الطرفين. ووثائق النظام الأساسي للمحكمة المفروضة بقرار من طرف واحد لهيئة تابعة للأمم المتحدة، أي قرار مجلس الأمن، تمثل أساساً مساساً بسيادة لبنان».
مندوب جنوب افريقيا دوميساني كومالو شدّد على انه «من غير المناسب لمجلس الأمن أن يفرض هذه المحكمة (...) ولا نعتقد أن للمجلس الحق في تجاوز الإجراءات التي يقتضيها الدستور اللبناني، لدخول اتفاق ما حيز النفاذ مع الأمم المتحدة. وبتجاوز الدستور اللبناني يخالف مجلس الأمن قراره بضرورة احترام سيادة لبنان وسلامته الإقليمية ووحدته واستقلاله السياسي. إن مجلس الأمن مفوض بالعمل بنزاهة وبلا انحياز. ولا يمكن أن يُرى وهو ينحاز إلى طرف دون الآخر في سياسات لبنانية داخلية. وثمة خطر من أن يؤدي فرض المحكمة الخاصة على لبنان من دون موافقة جميع الأطراف المعنية إلى المساس بالاستقرار السياسي في الدولة اللبنانية الضعيفة أصلاً، كما أنه سيؤدي إلى تسييس القانون الجنائي الدولي، مما يقوض أسس القانون الدولي بالذات».
أخيراً قال مندوب الصين الشعبية السفير وانغ غوانغيا يومها «ان مشروع القرار المستند إلى الفصل السابع من الميثاق سيلغي أجهزة لبنان التشريعية، من خلال اتخاذ قرار تعسفي بشأن نفاذ مشروع النظام الأساسي. وهذا إجراء سيؤدي إلى ظهور سلسلة من المشاكل السياسية والقانونية، التي يمكن أن تزيد من الغموض الذي يحيط بالحالة السياسية والأمنية المضطربة في لبنان، وتخلق سابقة لتدخل مجلس الأمن في الشؤون الداخلية والاستقلال التشريعي لدولة ذات سيادة. ومن المحتمل أن تقوض مثل هذه الإجراءات سلطة المجلس لأنها لا تتوافق مع المصالح الطويلة الأجل لأي من الطرفين».


فاريل يجدّد هجومه على برّي

أودع أمس المدعي العام في المحكمة الدولية الكندي نورمان فاريل مذكرة الى غرفة الدرجة الاولى يصحح فيها ما ورد في مذكرته السابقة بأن رئيس مجلس النواب نبيه بري انتهك المادة 62 من النظام الداخلي لمجلس النواب اللبناني عبر عدم دعوته المجلس الى الانعقاد لمناقشة الاتفاقية الدولية لانشاء المحكمة والتصويت عليها. وبدل أن يكون التصحيح بمثابة تراجع عن ادانة إحدى أرفع السلطات في الجمهورية اللبنانية، جدّد فاريل هجومه، معتبراً ان الرئيس برّي انتهك المادتين 54 و106 من النظام الداخلي لمجلس النواب. يذكر ان المادة 54 تنصّ على الآتي «يعين الرئيس أو نائبه، عند تعذر قيام الرئيس بمهامه، مواعيد الجلسات ويطبق جدول الأعمال ويضبط إدارة الجلسات ويدير المناقشات». بينما تنصّ المادة 16 على أن «رئيس المجلس يحيل المشروع المعجل فور وروده على اللجنة أو اللجان المختصة، التي يجب عليها درسه ووضع تقرير بشأنه خلال مهلة أقصاها خمسة عشر يوماً، تبدأ من تاريخ طرح المشروع على المجلس».


Script executed in 0.17266297340393