أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

العتمة... نعمة إلهيّة

الأربعاء 20 حزيران , 2012 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,066 زائر

العتمة... نعمة إلهيّة

لا جديد تحت الظلام ولن تأتي الكهرباء إلى الأبد. هذه قناعة غير خاضعة للنقاش في أوساط معينة من أهل الضواحي. وأبرز الوجوه، التي «تحتل» الشارع، في المساءات الداكنة، أصحابها شباب. أولئك الذين ينتعلون قلوبهم ويفركونها بالسواد، بحثاً عن مروحة، أو «آي فون» يغني لهم «نعيم الشيخ»، أو حتى «كانون فحم» صغير، يضيئون به حلكة العالم. العالم بالنسبة إلى كثيرين منهم هو «الحي» الذي يقطنون فيه، والذين هم «أبناؤه». الحي الأسود الذي لا كهرباء فيه.

في العاصمة، خرج شبان أول من أمس إلى المقاهي لمتابعة كأس الأمم الأوروبيّة، وعبروا عن استيائهم لأنهم اكتشفوا «التكلفة المترتبة على التقنين». في بيروت، يعرفون هذه المصطلحات، لكنها مجرد مصطلحات. وفي الضواحي الفقيرة، هذه المفردات بمثابة الملح: «التقنين»، «التعليق»، «الاشتراك»، «الدواليب»، وعلى هذا المنوال. ربما، لهذه الأسباب، اخترعوا منافذهم الفاتنة في فرادتها. في الشياح يكنّسون «بيروت مول» بعيونهم، ويتجولون فيه طبقة طبقة، نكاية بالحرارة خارجاً. في تحويطة الغدير والأوزاعي والمناطق القريبة من المطار، هناك من يفترش صالات الانتظار ويراقب المسافرين. بعضهم صاروا يأخذون عائلاتهم أيضاً، وينتظرون مسافرين لن يأتوا، ويودعون آخرين لا يعرفونهم. ينتظرون في صالات المطار، وصل الحر إلى هذا الحد. في برج البراجنة يهرعون إلى المجمعات الدينيّة. وفي طريق المطار القديم، حيث لا مهرب من الأبنية الجاثمة فوق بعضها بعضاً، يحرقون الإطارات.

في الأساس، هؤلاء ينقسمون إلى نوعين. الأول راض بالـ«قسمة والنصيب». لا «القسمة» عادلة إذا قورنت بما تناله «العاصمة الإداريّة»، ولا النصيب مقنع بالنسبة إلى هؤلاء، لكنهم يجلسون في بيوتهم تحت رحمة المولدات البديلة. الاشتراكات في الضاحيّة تحظى بأهميّة كبيرة. وعملياً، أصبحت في الأيام الأخيرة الماضيّة، الموزع الرئيسي للكهرباء في المنطقة. «الدولة تفنيصة»، يقول أحد المواطنين، في تعليقه على «كهرباء الدولة». وعن «الوزير الحليف» لحزب الضاحيّة وحركتها، يضرب الرجل كفاً بكف، مردداً بعض العبارات الدينيّة، من قبيل «لا حول ولا قوة إلا بالله». وهذا المواطن الصالح من النوع «البيتوتي». أما النوع الثاني، فيتألف من مجموعة كبيرة من الشبان، الذين ينتهزون انقطاع الكهرباء لتسجيل حضورهم، على قاعدة أن تشعل «دولاباً» خيرٌ من أن تلعن الظلام ألف مرة. وبين «البيتوتيين» و«حارقي الإطارات»، هناك الذين ضاقوا ذرعاً بالحالتين، فخرجوا إلى المجمعات التجاريّة، والمطار، وأينما توافرت المكيّفات العملاقة.

وفي الضاحيّة أيضاً، يفرّ ضحايا الحَر إلى الله. يقصدون «مجمع القائم» قبل موعد الصلاة بساعتين، ويكتظون في «مجمع الكاظم» بلا موعد، بحثاً عن ضوء قليل وما تيسر من هواء. «لا يمكننا أن نقطع الطرقات بالدواليب فهذه عادات الزعران»، يقول أحد «الهاربين» إلى المسجد، مبرراً بلجوئه «المبكر» إلى الصلاة بأنه «فعل خير في النهاية»، وفي جميع الحالات يبقى «أفضل من إشعال الإطارات». في النهاية الكهرباء تنقطع فوق رؤوس الجميع، ولا تميّز بين «آدمي» و«أزعر». يعتقد أن الصلاة ستعود عليه بفائدة في حياة أخرى، وهذا «أضعف الإيمان». في المقابل، تروق الفكرة شخصاً آخر، «يلعن ساعة الكهرباء» و«يلعن أولاد الشوارع»، الذين يتمركزون في الأحياء كلما انقطعت... «والله الجامع فكرة منيحة».

إذاً، انقطاع الكهرباء نعمة إلهيّة على هؤلاء. فهم في هروبهم هذا من قيظ الضواحي إلى المساجد والمجمعات الدينيّة، حيث تكثر نعمة الكهرباء، وتفيض الجدران برحمة المكيّفات، وتسع الأرض جموع «المبوردين»، يكتشفون مجدداً «النبوءة». والقصد هنا، «نبوءة» زياد الرحباني، الذي يقول في أغنيته الشهيرة، المهداة إلى «الزعيم الوطني»... «والعالم رجعت لله رجعت للعيشة بتقواه». أما بالنسبة إلى «الزعيم الوطني»، فمن غير الممكن اكتشاف حدث آخر، سوى أن أغنيّة الرحباني «بهنّيك» ما زالت على مقاس «الزعيم الوطني»، وخاصةً حين «يدندن» الرحباني قائلاً... «يعني حط حالك محلها ما انتا لي سايقها كلها».


Script executed in 0.18362188339233