أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

صفقة خارج الحسابات

الجمعة 13 تموز , 2012 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,046 زائر

صفقة خارج الحسابات

في عام 2018 سيرتفع أسطول الطائرات لدى شركة «ميدل إيست» من 17 طائرة إلى 27 طائرة. في ذلك الوقت ستتسلّم الشركة 10 طائرات اشترتها أمس من «إيرباص»، فيما هي تملك اليوم 10 طائرات وتستأجر 7. تحوم الكثير من الأسئلة حول الصفقة. فهي تعني أن الشركة تتوسع في سوق يسيطر عليه «عمالقة» يطحن بعضهم بعضاً وكل منافس آخر. فهل رسمت الشركة استراتيجية معينة للنقل الجوي؟ أم هي تمضي من دون رؤى؟

 

محمد وهبة

جاء إعلان شركة طيران الشرق الأوسط «ميدل إيست» شراء 10 طائرات جديدة من طرازي A320neo و A321neo ليثير الكثير من علامات الاستفهام بشأن 3 نقاط أساسية: توقيت الصفقة، عدد الطائرات، نوع الطائرات. فهذه العناصر الثلاثة يفترض أن تكون منسجمة مع خطّة شاملة للشركة مبنية على توجّهات وطنية للسياسات العامة في لبنان، وتأخذ في الاعتبار كل المعطيات والمؤشرات السياسية والاقتصادية والتجارية المرتقبة للسنوات المقبلة فضلاً عن ظروف السوق ونتائج التوسّع فيها.

 

قبل 10 أيام كشف رئيس مجلس الإدارة ــ المدير العام لشركة طيران الشرق الأوسط محمد الحوت، في احتفال متصل بالشركة، عن شراء 10 طائرات جديدة. وقد أعلن أمس إنجاز الصفقة، فوقّع الطرفان، أي «ميدل إيست» وشركة «إيرباص»، مذكرة تفاهم تنص على تسلّم الشركة اللبنانية الطائرات العشر في عام 2018 على النحو الآتي: 5 طائرات A320neo و5 طائرات A321neo. أما بالنسبة إلى خيارات المزايا مثل نوع المحرّك، فقد أعلنت «ميدل إيست» أنها ستكشف عنها في وقت لاحق.

الخبر كان مفاجئاً لكل المتابعين والخبراء في النقل الجوي. لكلّ منهم أسبابه. بعضهم كان يفكّر في اهتمامات «ميدل إيست» وأهدافها السوقيّة وقدرتها على التوسّع والمنافسة، فيما قسم آخر استبق كل المعطيات والتحاليل ليؤكد أن الحوت يسعى إلى تمديد حصرية الشركة ليسجّل انتصاراً يوظّفه في تلميع صورة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة المسؤول فعلياً عن إدارة الشركة. غير أن بعض هؤلاء المتابعين سواء كانوا موظفين في ميدل إيست أو في شركات طيران أخرى، كانوا يجرون نقاشات جانبية في ما إذا كان القانون الأوروبي يفرض، كالقانون الأميركي، على الشركات أن تصرّح عن العمولات التي تدفع للوسطاء في مثل هذه الصفقات، لكن تبيّن أن هذا الأمر مكتوم في أوروبا، حيث أنجزت صفقة الـ«ميدل إيست».

مهما كانت طبيعة النقاشات الجارية، فإن الصفقة كما يعبّر عنها رئيس مجلس إدارة شركة طيران الشرق الأوسط محمد الحوت لـ«الأخبار»، تأتي في إطار تحديث شركة طيران الشرق الأوسط وتوسيع عملها، لا بل إن الحوت يؤكد أن الهدف هو زيادة عدد الخطوط التي تعمل عليها الشركة، لا سيما أن الطائرات الجديدة، أي A320neo وA321neo، هي ذات قدرة متوسطة، ويمكنها أن تطير لمدة تصل إلى 7 ساعات، فيما تعمل بمحرّك يوفّر الوقود بمعدل 15%. وفي تصريح نقلته وكالة «رويترز»، يؤكد الحوت أن هذه الصفقة تأتي فيما تركّز شركة طيران الشرق الأوسط على تحقيق نموّ مطّرد يعزّز أرباحها، بالتناغم مع تقديم خدمة فاخرة إلى المسافرين. ويبرّر هذا الكلام بالإشارة إلى أن هذين النوعين من طائرات «إيرباص» يتيحان تحقيق هذه الأهداف مع تعزيز الفعالية لناحية الكلفة والحد من استهلاك الوقود.

كلام الحوت لا يقنع الخبراء الى حدّ ما. فبرأي أحدهم «يجب أن نعلم الأهداف التجارية الكامنة وراء هذه الصفقة لنقدّر أهميتها». وآخر يعتقد «أن استراتيجية الناقل الوطني يجب ألا تخرج عن الخطوط العامة التي تحدّدها استراتيجية الطيران المدني في لبنان، والتي تندرج في إطار السياسات العامة للدولة، بعدما ترصد هذه الأخيرة المؤشرات الاقتصادية للبنان وتضع التوقعات، فيعمل الناقل الوطني على أساسها لتلبية حاجات لبنان واللبنانيين». وبما أن الحالة الراهنة ليست كذلك، أو غير ثابتة في هذا الاتجاه، فإن ما يحصل فعلياً هو أن الشركة تعمل «وفق مصالحها أو مصالح بعض المسؤولين فيها»، يستنتج الخبير.

ويضيف الخبير أن خيار شراء الطائرات هو خاطئ في المرحلة الحالية، لأن استئجارها هو أرخص على المدى المتوسط، فإذا لم تكن لدى الشركة رؤية للمنافسة على المدى البعيد، فإن هذا الخيار سيكون مكلفاً عليها. كذلك يجب أن يكون هذا الخيار منسجماً مع نوع الطائرات وقدرتها على الطيران في كل رحلة، فإذا كان الهدف تشغيل هذه الطائرات على الخطوط المعروفة حالياً، أي دول الخليج وبعض دول أوروبا، فمن غير المجدي زيادة عدد الطائرات على الخطوط نفسها حيث المنافسة قوية بين «عمالقة الطيران». أما إذا كان الهدف توسيع الخطوط، فهذه الطائرات، بحسب عدد من الطيارين الذين يملكون خبرة واسعة، لا يمكنها أن تذهب إلى أفريقيا ولا إلى دول آسيا... وبالتالي إن شراء طائرات يمكنها أن تطير 7 ساعات حدّاً أقصى يجب أن يتزامن مع رؤية واضحة إلى السوق، فهذا الوقت لا يسمح لها بالطيران إلى وجهات كثيرة، ما يرتّب عليها مواجهة المنافسة نفسها على الخطوط التقليدية لشركة طيران الشرق الأوسط، لا سيما دول الخليج وبعض المحطات الأوروبية، فضلاً عن أن هذه الطائرات يفترض أن تؤدي دورها في الشركة التي تعدّ «الناقل الوطني»، وتستمدّ حصريتها اعتماداً على هذا الدور، أي يجب أن تلبّي مصالح اللبنانيين المقيمين أو في دول الاغتراب. وهذا الأمر نفسه ينسحب على أسطول الشركة وحجمه الذي يخضع لعدد الخطوط أيضاً.

هكذا يرى المتابعون للسوق والطيارون أن صفقة «ميدل إيست» غير مبرّرة تجارياً، فهناك الكثير من الأجوبة التي يجب على الحوت تقديمها بوصفه رأس الهرم. فهل يمكن شركة طيران الشرق الأوسط أن تنافس الشركات الخليجية المدعومة؟ وإذا كانت الشركة تستعمل أوروبا كوسيط لنقل الركاب إلى مسافات بعيدة، فهل يمكنها أن تنافس على هذه الخطوط أيضاً؟ هل تراهن «ميدل إيست» على أن تستحوذ على حصّة سوقية أكبر من حصّتها الحالية التي تراوحت خلال السنوات العشر الماضية بين 30% و38% من عدد ركاب مطار بيروت الدولي؟ وكيف ستحصل عليها في ظل المنافسة الطاحنة الدائرة بين شركات النقل الجوي العالمية؟

 

1.5 مليار دولار

 

هي قيمة الطائرات العشر التي اشترتها شركة طيران الشرق الأوسط بحسب الأسعار المعلنة. ويعتقد العارفون في عالم النقل الجوي أن الصفقة اتفق عليها في فرنسا قبل فترة حين تلقى رئيس الميدل إيست «محمد الحوت» دعوة لمدّة 15 يوماً من شركة «إيرباص».

 

الدولة الراعية

 

رغم أن رئيس مجلس إدارة شركة طيران الشرق الأوسط محمد الحوت يؤكد أن الطائرات الجديدة ستضاف إلى أسطول الشركة البالغ عدده حالياً 17 طائرة، يؤكد الخبراء والمطلعون على عالم النقل الجوي أنه لا يمكن أي شركة، ولا سيما في المنطقة، أن تنافس مثيلاتها بعيداً عن دعم الدولة. وبالتالي، فإن قدرة «ميدل إيست» على المنافسة يجب أن تستند إلى دعم الدولة التي تضع سياسات عامة اقتصادية وسياسية فتسير الشركة باتجاه ترجمتها عملياً... وهذا ما ليس واقعاً في لبنان.


Script executed in 0.19223499298096