أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

553 شــرطيـة إلـى الميـدان بعـد منتصـــف أيلـول

الأربعاء 18 تموز , 2012 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 9,100 زائر

553 شــرطيـة إلـى الميـدان بعـد منتصـــف أيلـول

بين صفوف القوى الأمنية في ثكنة الوروار، فتيات جذّابات أتقنّ رسم حواجبهن وفق الموضة، واحتفظن بابتسامة أنثوية تعلو أجسادهن المنتصبة التي نحتتها رياضة قاسية تعوّدن عليها منذ نيسان الماضي. لم يلتحقن بالسلك لمهمات إدارية، ففي بال أكثر من واحدة منهن الترقي إلى رتبة ضابط. وللوصول إلى ذلك لا تراعي مديرية «قوى الأمن الداخلي» أنوثتهن ولا ترى فيهن ضعفاً. وقد خصصت لهن حصص تدريب عسكرية لا تختلف عن تلك التي يخضع لها الذكور. فإذا بهن يقفزن بحبل عن علو مبنى من سبع طبقات، ويدخلن إطار النار، ويتدربن على الرماية ويستخدمن القنابل في مناورات خاصة.

حتى الساعة، تشكل 553 شرطية حالة فريدة في لبنان، سيخضع المواطن اللبناني «لسلطتهن» بعيد تخرّج عدد منهن غداً الخميس. ولم تتولَّ هؤلاء الفتيات اللواتي لا يتعدى عمرهن السادسة والعشرين، أي مهمة ميدانية حتى الآن، باستثناء نزولهن كمجموعة إلى وسط المدينة والحازمية وشارع الحمرا وجبيل. في تلك المناطق التمسن تشجيع المواطنين، لا سيما النساء منهم، وفق أربع شرطيات التحقن بالسلك وهن ما زلن طالبات في اختصاصات وجامعات مختلفة.

ينادي آمر دورة الإناث الرائد بسام الحافي الملتحقات بـ«بناتي». وقد فاجأنه، كما يقول، بجديتهن وقدرتهن على الصبر والتحمّل حتى أقسى التدريبات. وقد خضعن للمعمودية على غرار زملائهن الذكور لثلاثة أيام، نمن خلالها أقل من أربع ساعات. لذلك، ربما، لا يتهاون معهن في إنزال العقوبات في حقهن، كلما ضبط إحداهن تدخّن، أو تجري اتصالاً عبر هاتفها المحمول. علماً أن عقوبة الجرم الأول هي يوما سجن، بينما عقوبة الجرم الثاني عشرة أيام. وقد يأخذ الحافي قراراً بحجز الملتحقة ومنعها من الافادة من مأذونيتها، أو إخضاعها لرياضة قاسية في حالات أخرى.

في صفوف الملتحقات، فتيات وجدن في السلك سبيلاً جديداً للعيش، ربما بعدما سدّت سبل التوظيف بوجههن. لكن بينهن أيضاً من صممن على اقتناص الفرصة، سواء برضى الأهل أو بعدمه.

هكذا، تحدّت سمر الصايغ من عاليه رفض أهلها الالتحاق بالسلك «لأنه شغلة رجال» و«لأن أهل المنطقة لا يقبلون مثل تلك الوظيفة». وأقنعتهم بأن حمل السلاح والوقوف عند شارات السير، أو العمل في المخافر والسجون لا يسيء إلى أنوثتها. وعلى الرغم من ذاك الإصرار، مرت الأيام الأولى لها في المعسكر وهي تشعر بالندم لحظة بلحظة لبعدها عن أهلها. ثم ما لبثت أن تأقلمت وتأكدت من أن هذا ما تريد فعلاً أن تفعله في الحياة. تتحدث عن فرق بين الحياة المدنية والحياة العسكرية، وتترجم الفارق بينهما باحترام الوقت أو حسن الافادة من كل دقيقة. تشعر سمر بأنها جاهزة لكل المهمات التي ستوكل إليها بعد تخرّجها. وهي ستتخرّج برتبة رقيب في 19 أيلول، أي بعد شهرين، كونها حائزة شهادة البكالوريا القسم الثاني. وستكمل دراستها في علوم الكومبيوتر في جامعة «أم. يو. بي.أس» التي أنهت فيها سنتي اختصاص. 

وجدت سمر أن المواطنين اللبنانيين مرحبون بوجود إناث في صفوف «قوى الأمن الداخلي»، وهي أيضاً التمست تشجيعاً من النساء تحديداً.

وعلى عكسها اصطحب والد مروى السـكافي، من صيدا، ابنته إلى حيث تقديم طلبـات الالتحاق بالسـلك. فهو يحـب العسـكر على ما تقـول، وهي أيضاً.

أنهت مروى سنتها الثانية في الأدب الإنكليزي في كلية الآداب في «الجامعة اللبنانية». فبين تعليم الأولاد أو العمل في السلك اختارت الثانية، ولو أن نعومتها تليق بصفوف المدارس أكثر من صفوف العسكر.

تشير إلى أن لا مشكلة لديها إذا طلب منها مساندة رفاقها في حماية أو ردع أي اعتصام. وأنها لن تتهاون في تطبيق القانون حتى لأبسط مخالفة سير. وحتى الساعة، لا تشعر مروى بالندم لاختيارها هذا المسار، لا سيما أنها تلقى تشجيعاً من الجيران والأصحاب.

لا شك في أن الحياة العسكرية طبعت شخصيات هؤلاء الفتيات فأضحين أكثر جرأة وحزماً واحتراماً للوقت وللمهمات. لكن، بتن يعرفن أكثر قيمة أنوثتهن، كما تقول جويل جبّور، لأنها تحرم من التبرّج طيلة أيام الأسبوع، فيكون أول ما تقوم به خلال مأذونيتها وضع طلاء الأظافر والاهتمام بتصفيف شعرها المرفوع دائماً خلال فترة التدريبات، «ما يدحض الأقاويل التي تشير إلى فقدان أنوثتنا لأننا نريد أن نكون شرطيات». مع ذلك، تدرك أنه ليس من السهل أن يتقبّل كل الشباب فكرة الارتباط بشرطية تدرّبت على حمل السلاح وفكّه، لكنّها لن تتنازل عن فكرة الارتباط وإنجاب الأولاد.

تعود مروى أيام مأذونيتها إلى قريتها عين الجديدة في بحمدون، وقد تقدّمت بطلب للالتحاق بالسلك منذ أن فتح المجال للإناث، أي منذ سنتين «لكنهم عادوا وعدلوا عن الفكرة فعملت في شركة قبل أن أبلغ بقبولي في الدورة التي بدأت منذ أشهر». اللافت أن مروى لم تحاول وحدها الالتحاق بالسلك بل هي وصديقات أخريات لم يوفقن في الامتحان الأولي. تلفت إلى أنها لن تهمل دراستها الجامعية وهي تتخصص في مجال الأعمال والمال في «جامعة الحكمة».

لم يكن السلاح غريباً عن إبنة زغرتا جويا مقدسي، لكنها كانت تهابه مثلها مثل أي شخص سمع المثل القائل «الشيطان بدّك السلاح». فتعلّمت في المعسكر أن الإنسان هو من يتحكم بالأسلحة وباتت تتقن استخدامها في الرماية والتصويب على الأهداف.

تفتخر بأن دورة الإناث أثبتت أن قدرة تحمّل المرأة أكبر من قدرة تحمّل الرجل في أحيان كثيرة، وأنها تستطيع أن تقوم بكل المهمات التي يمكن أن يوكل بها أي رجل عسكري. وتنوي أن تترقى إلى ضابطة في يوم من الأيام وأن تجد فارس أحلامها الذي يجب أن يحترم وظيفتها.

لا شكّ في أن كل من يخدم في ثكنة الوروار سمع باسم جيلبرت قليعاني، فهي الأنثى التي أبت معاملتها بشكل مختلف عن زملائها الذكور، فقررت حلق شعرها «على الرقم 2» كما تقول، في إشارة منها إلى قبولها بأن تعامل كما يعاملون لناحية التدريبات وبالتالي المهمات.

تتحدى ملامحها الأنثوية الشعر القصير، وتفصح أنها تدرّبت على الرماية قبل الالتحاق بالمعسكر. ولعلّ أكثر ما يفرحها في تجربتها استفزاز زملائها الذكور المصرّين على اكتساب لياقة بدنية تفوق تلك التي تتمتع هي وزميلاتها بها.

لجيلبرت شقيق سيرتسم كاهناً عما قريب، لم يرث عن والدهما مهنة العسكر كما تفعل هي اليوم.

تأخرت عملية ضمّ إناث إلى صفوف الأمن الداخلي أسوة بعدد كبير من الدول، لا سيما العربية منها، سنوات كثيرة، بالنسبة إلى قائد معهد «قوى الأمن الداخلي» العميد إبراهيم بصبوص. وقد أعاقت ذلك سنوات الحرب.

لكن بعد 152 سنة، توزعت 553 فتاة على ثلاث ثكنات للتدريب ليتخرّجن منها كعسكر ورتباء. علماً أن في صفوف قوى الأمن ضابطتي اختصاص برتبة نقيب ورائد.

وقد وجدت مديريتها العامة ضرورة في ضمّ إناث إلى صفوفها، بعدما أطلقت ثقافة الشرطة المجتمعية التي تقوم على إشراك المواطنين في ردع الجريمة. إذ تبيّن أن للإناث قدرة أهم على التواصل مع المجتمع الأهلي.

بناء عليه، قررت المديرية تنظيم دورة تنشئة خاصة بالإناث، وإخضاعهن للتدريبات نفسها التي يخضع لها الذكور، سواء من الناحية العسكرية أو المسلكية أو القانونية. ليضاف إلى الحائزات شهادة البكالوريا القسم الثاني تدريب على أصول التحقيق الجنائي الفني، ودورات في شأن حقوق الإنسان والقيم والأخلاقيات وقواعد التصرّف مع المواطنين.

يشير بصبوص إلى أن الشرطيات سيتوكلن المهمات مع الذكور، بمعنى أنهن سيعملن كشرطيات سير أو في المخافر أو في السجون أو كمدربات لأفواج جديدة من الشرطيات. ولا شكّ، يضيف، «أنهن سيعملن في الأماكن التي تتطلب وجودهن كأماكن الكشف على المغتصبات أو اللواتي عانين من تحرّش جنسي أو عنف أو غيره. كما أنهن في المقابل سيتواجدن خلال الاعتصامات حتى تلك التي تنظمها نساء». 

بحسب المقرر لا أماكن محظورة على الشرطيات الإناث، لكن تشكيلهن بداية سيرتبط بمدى أهلية المكان لعمل أنثى فيه. وبالتالي يكشف بصبوص أنهن سيتولين مهمات نهارية لأن ما من غرف في المخافر معدة لنوم الإناث، وقريبة من أماكن سكنهن. أما إذا كانت المناطق المعروفة بالبؤر الأمنية محظورة عليهن؟ فيصرّ بصبوص أن لا مكان محظورا عليهن، ليستدرك أن أعدادهن غير كافية لتغطية كافة المناطق اللبنانية.

ويفصح أن قوى الأمن استعانت بمدنيات لمراقبة غرف وحمامات الشرطيات في المعسكر لأنه ممنوع دخول الرجال إليها، الا في حال طلبت المراقبات ذلك من الضابط المختص.

غداً ستتخرج 70 شرطية ممن لا يحملن شهادة البكالوريا القسم الثاني، وقد خضعن لدورة من أربعة أشهر. بينما تتخرج 483 شرطية في 19 أيلول برتبة رقيب لحصولهن على الشهادة الثانوية فما فوق.

حتى الساعة لا يمكن الشرطيات الالتحاق بالمدرسة الحربية، وبالتالي فإن مجال الارتقاء حتى رتبة ضابط يفتح لهن من باب الاختصاص على غرار 25 واحدة منهن ممن ينتظرن توقيع المرسوم بعد نجاحهن في الامتحان الخاص.

التمس قائد المعهد شغفاً لدى بعض الملتحقات بوظيفة الشرطة، لكنه يعرف أيضاً أن سبل العيش دفعت بعدد آخر منهن إلى تلك الثكنة. في جميع الأحوال بدت الشرطيات الجديدات سعيدات، وإلا لما عدلت عن الفكرة عشرة منهن فقط.

ويشير بصبوص إلى أن عدد المسيحيات بين الشرطيات منخفض جداً نسبة لعدد الملتحقات من طوائف أخرى على غرار النسب التي يتشكل منها الذكور.

 

 

مادونا سمعان


Script executed in 0.1926600933075