أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

الإمبراطور يرحل «منتصراً»

الثلاثاء 31 تموز , 2012 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,294 زائر

الإمبراطور يرحل «منتصراً»

سيستمتع أخيراً بسيجاره الكوبي بعيداً عن زحمة الأوراق. سعيد ميرزا سيصبح اليوم قاضياً سابقاً. بعد 45 عاماً من العمل القضائي، والتنقل بين المراكز، سيكون له أن يلعب الطاولة بهدوء عند بحر بيروت. يغادر النائب العام لدى محكمة التمييز العدلية اليوم، كأحد أكثر القضاة إثارة للجدل في تاريخ الجمهورية، وعلى لسانه عبارة: «ليس لأي جهة فضل عليّ... أنا صنعت نفسي بنفسي». هكذا إذاً، يخرج وهو ليس «تابعاً لتيار المستقبل» ولا «ميقاتياً» ولا «حزبياً». هكذا يحب أن يصف نفسه. لكن، في الواقع، هو يعلم، كما كل العدلية، أنه مع كل هؤلاء، وليس مع أي منهم، في لحظة واحدة. ليس لميرزا لون «حصري» وهو في الوقت عينه «قوس قزح».

 

هو أحد «أدهى» القضاة، كما يصفه صديق له، إذ عرف كيف يسير في «حقل الألغام» السياسي، فحفظ نفسه وخرج من «اللعبة» كابن شرعي للنظام اللبناني. سعيد ميرزا الرجل الذي حمى السياسة واحتمى بها، لسنوات طويلة، يغادر الطبقة الرابعة من قصر العدل، اليوم، قائلاً: «لا أحمل أي طموح سياسي، أعوذ بالله، أنا لا أملك عقلاً سياسياً. الآن أنا ذاهب لأخذ قسط من الراحة، الراحة فقط ولا أريد سواها، ولاحقاً قد أفكر في أي شيء باستثناء السياسة».

بارد الأعصاب إلى حدّ الاستفزاز. يحدّثك بصوت لا يكاد يُسمع. قليل الكلام في الظروف العادية. يبدو كمن يريد دوماً إقناع جليسه بأنه إنسان «بسيط». سنوات القضاء الطويلة علمته الكثير. يناور ماكراً، لسحب الكلمات التي يريد سحبها من محدثيه. هذه صفاته التي علقت في أذهان عارفيه، من مؤيدين ومعارضين. في أوساط العدلية تسري عبارة تقول إن ميرزا خرج من القضاء «من دون أن يترك لأحد فرصة، ولو بحجم قشة، لإدانته أو محاسبته». في لبنان يقال لأمثال هؤلاء الرجال: «صحتين على قلبه» و«الشاطر ما يموت». أما لو كان ميرزا في دولة، فطبعاً كان سيكون الحديث غير هذا والخروج غير الخروج.

يقال إن الرئيس الراحل رفيق الحريري رشحه، عام 1995، لتولي منصب المدّعي العام لدى محكمة التمييز، غير أن وزير العدل آنذاك بهيج طبارة كان له رأي آخر. السوريون آنذاك كانوا على وئام مع القاضي عدنان عضوم، وطبعاً كانوا على وئام مع الحريري أيضاً، فنال عضوم ذاك المنصب الذي يعتبر من عدّة الشغل لكل فريق سياسي يتولى الحكم. يذكر النائب نهاد المشنوق، قبل سنوات، أن ميرزا قصد في ذاك العام قصر قريطم، ليشكر الحريري على ترشيحه، فاستذكرا معاً «أنهما كانا رفاق تظاهرات، وأيام العمل في حركة القوميين العرب عام 1963». اليوم يتذكر ميرزا تلك الأيام أيضاً، لكنه يوضح أنه لم ينضم يوماً رسمياً إلى «حركة القوميين العرب». كان مقرّباً لا أكثر، والحريري كان زميلاً له في السنة الأولى من دراسته في الجامعة العربية. غاب أحدهما عن الآخر سنوات طويلة، ليعود ميرزا ويحمل ملف الحريري بعد اغتياله، الأمر الذي أدخله في أتون الانقسام السياسي، إلى حد وصفه البعض بـ«قاضي شهود الزور». خلال السنوات الماضية كان صعباً ذكر اسم اللواء الركن جميل السيد من دون ذكر ميرزا. فالأول لا يرى في الثاني سوى «أبرز مفبركي شهود الزور، الذين سببوا سجنه، ومعه 3 ضباط، ظلماً، وذلك لكي يرضي ميرزا الجهة التي حسب عليها سياسياً، وهي تيار المستقبل ومن يدور في هذا الفلك».

هذه الحقبة لا يحب ميرزا التحدث عنها اليوم. الرجل «عنيد». عندما يقرر الامتناع عن أمر لا تنفع معه المحاولات. اللافت أن ثمة جهات سياسية وحزبية، من خارج تيار المستقبل وقوى 14 آذار، تربطها به علاقات طيبة. قد يفاجأ البعض عندما يعلم أن لميرزا «أيادي بيضاء» على حزب الله وحركة أمل.

ترتسم على وجه ميرزا ملامح غريبة، فجأة، عندما تحدّثه عن هذا الأمر. مزيج من الابتسام والعبوس: «لقد تعبت. فعلاً تعبت. لم تكن تلك مهمة سهلة. عموماً أنا معتاد التعب. كان عمري 12 سنة عندما بدأت العمل. خليني ساكت أفضل». الكلمة الأخيرة تشي بشيء «دسم» ينام عليه القاضي العتيق، ولكن عبثاً تحاول معرفته. ربما في يوم من الأيام يبوح بما لديه. بعد كل بضع كلمات، يعود ليداعب سيجاره الكوبي بأصابعه، فيدوّر جمره على حافة المنفضة، ثم يرفع رأسه وينفث الدخان. يرن هاتفه الخلوي، فتصدح في المكتب صدى موسيقى فيلم «العراب». هكذا، تتناسب موسيقى هاتفه مع لقب «الإمبراطور» الذي يطلقه عليه أحد القضاة من غير محبيه.

في اليوم الذي أصبح فيه شكيب قرطباوي وزيراً للعدل، خلفاً لإبراهيم نجار، كان ميرزا أول شخص يأخذه قرطباوي على انفراد ويحدّثه على مرأى من نجار. عرف كيف «يسيسر» أموره في كلا العهدين، رغم أن لكل وزير مرجعية سياسية مختلفة، فقرطباوي «عوني» ونجار «قواتي». قبل ذلك، عرف ميرزا كيف «يلعب» مع وزير العدل الأسبق شارل رزق. في تلك المرحلة ذاع صيت ميرزا على نحو لافت. آنذاك كانت «تطبخ» الملفات بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري التي أدخلت لبنان في أكبر منعطف بعد الحرب الأهلية، فغيّرت الوجه السياسي للدولة والإدارات. مع خروج الرئيس سعد الحريري من الحكومة، ومجيء ميقاتي، ظن كثيرون أن ميرزا «سوف يطير». خابت ظنون هؤلاء. هو لم يكن بعيداً من ميقاتي الذي عيّنه عام 2005، قبل أن يتعهد بعدم السماح لأحد بالمس به عام 2011. هكذا هو رجل المراحل والعهود. عندما أراد «تبييض الصفحة» مع رئيس الجمهورية ميشال سليمان، ذهب إلى «فايسبوك» قبل سنتين، و«نكش» منه ثلاثة شبّان «قدحوا وذموا» الرئيس، فأمر بتوقيفهم وأوقفوا فعلاً. لاحقاً، «نكش» ميرزا أغنية هزلية، مضى حوالى سنتين على إصدارها، يطالب صاحبها الرئيس بالرحيل، فأوقفه «دفاعاً عن هيبة الرئيس».

القاضي البيروتي الذي لطالما قضى مساءاته في أحد مسابح العاصمة، كان محققاً عدلياً في قضية اغتيال الرئيس بشير الجميّل، وأصدر قراره الاتهامي بـ150 صفحة. كذلك كان محققاً عدلياً في قضية اغتيال الرئيس رينيه معوّض، التي لم تنته التحقيقات فيها، وبالتالي لم يصدر قراره. هو أيضاً كان المحقق في قضية «النفايات السامة» الشهيرة: «ليش في شي قضية صعبة إلا ما رموها عليّ وحمّلوني يّاها؟»، يقول ميرزا متنهداً، خاتماً حديثه، وفي وجهه ما يشي بشيء من «نشوة» الانتصار أو العبور. لقد عبر ميرزا، رغم كل ما قيل عنه، ها هو يتقاعد «سالماً غانماً». ثمة قضاة تنسى أسماؤهم بمجرد تقاعدهم. ميرزا ليس من هؤلاء. لقد ارتبط اسم الرجل بقضايا كبرى. سيمر وقت طويل قبل أن يتوارى اسم سعيد ميرزا.

 

«الله يسامح»

 

فيما كان البعض يسعى إلى عزل القاضي سعيد ميرزا، بصفته أحد رموز فريق 14 آذار في القضاء، كان ميرزا يرتقي في المناصب من حيث قصد أو لم يقصد. فبعد سنوات على توليه منصب المدّعي العام لدى محكمة التمييز، أصبح، قبل نحو عامين، رئيساً لمجلس القضاء الأعلى بالوكالة، إثر إحالة الأصيل (الماروني) على التقاعد. وبهذا، يكون ميرزا القاضي السنّي الوحيد الذي شغل هذين المنصبين لهذه المدّة. هكذا، أصبحت كل مفاصل القضاء تحت إمرته تقريباً، من دون وجود معارضين له في العلن، ليطلق عليه البعض حينذاك لقب «الإمبراطور». أحد القضاة المعارضين له، ذكر في مجلس خاص إثر ولادة حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، قبل أكثر من عام، أنه إذا أرادت الحكومة تفعيل العمل القضائي وإصلاحه، فلا بد من سحب الصلاحيات من ميرزا.

اليوم يغادر ميرزا القضاء، وهو يعلم أن هذه «السلطة» ليست في أحسن أحوالها. يقول: «منشكر الله إنو عملنا واجباتنا، ويمكن ببعض المطارح غلطنا أو قصرنا. عموماً، ما حدا معصوم، وبيبقى الله بسامح».


Script executed in 0.17279887199402