كانت مأساة مدينة صيدا حاضرة في وجدان غالبيّة اللبنانيين، وعمل خطاب النكد السياسي على إفساد المتعة وتأجيج القلق على صيدا ومن الأسير واعتصامه، وبالرغم من ذلك كان ثمة ضحك. وباستثناء اعتداء الأسير وبعض أنصاره على المواطنين والصحافيين، استطاع الأسير أن يضحكنا. وكان الضحك خالصاً لا يشبه الضحك على الكوميديا السوداء. ضحك كأنّه بلا سبب. ضحك عارٍ توأم انكشاف البؤس الذي نعيشه وينحدر إليه البلد.
وللأمانة، فجّر أحمد الأسير مواهب عديدة مما تحبّه اللعبة الإعلاميّة، وتهواه وسائل التواصل الاجتماعي، وتتعطّش إليه السياسة.. ومعها المجتمع المرهون لها ولبؤسها اليومي المتكرّر.
ففجأة اكتشفنا بيننا شخصاً مهضوماً، «إسلاميّاً» كول، يقود دراجة هوائيّة، يسبح، يلهو مع الأصدقاء، يغنّي... الخ. باختصار، هو شيخ مختلف عن ذوي اللحى الذين يراهم اللبنانيّون عبر الشاشة، سواء أكانوا هنا أم في البلاد الأخرى، وفي هذه الأيام أم في الأزمان الأخرى، السابقة طبعاً. هو مودرن، شفّاف وحيوي يخفي خلف لحيته وعباءته مفاجآت كثيرة. وهو سموح.. نوعاً ما. أسمح لنفسي بقول ذلك بالرغم من العصبيّة التي يؤدّيها على المنابر، والمخاوف التي يدبّها في الأنفس أثناء ذلك، لا سيما في أوساط الصغار.
بصراحة، غرت من السياسة التي يسعى الأسير إلى أن يكون لاعباً فيها. قلت: نحن كمواطنين أولى به. أولى بأن يكون شخص مثله بيننا. وهو أثبت أنّه يحب أن يبقى بيننا، لكنّه، في الوقت نفسه، يطمح لأن يكون سياسيّاً. وفرحت حين سمعت من فتيات زرن الأسير واعتصامه، يروين قصص بنات وعروض زواج وهدايا. وبالرغم من نبذي العقليّة الذكوريّة الشرقيّة وسلوك «الإسلاميين» عموماً والشيوخ منهم خصوصاً إزاء المرأة، قلت ها هو الأسير رجل نشيط ومخلص لمبادئه، لا سيما تعدد الزوجات. وفوق هذا هو صريح. وتذكّرت أنّه كان في الاعتصام كأنّه في عرس. وفّقه الله، مع تحفّظ شديد اللهجة على ما يظهر من إفادته من نِعم المشيخة والسياسة في آن واحد.
أدخلَ الأسير البهجة إلى قلوبنا. وهذه نادرة تُسجّل له على زملائه «الإسلاميين» الذين تناقض هيئاتهم البهجة. فهي، أي هيئاتهم، بمثابة إنذار ضد الفرح والمرح، وآلة قمع له وتعقيم من «وبائه». ويمكن القول الآن، بعد فك اعتصامه، إن البهجة وازنت القلق في صيدا وعليها. بل إنّه كثيراً ما أنسانا مأساة صيدا وما كُرر عن مخاوف انفجار الحرب الأهلية هناك، أو من هناك. أحمد الأسير صاحب سر. فهو وإن اعتبره البعض متسبّباً بمأساة اقتصاديّة وسياسيّة في عاصمة الجنوب، سلّط الضوء على صيدا ومأساتها. له الشكر، أكيد. وإذ رأى البعض أنّه يقسّم صيدا ومجتمعها بين فسطاطين، ظهّر الغنى والتنوّع السياسيين والاجتماعيين في المدينة. وساهم في غلبة الحكمة في الموقف المحوري لصيدا وعلاقاتها بالجنوب عموماً. ويمكن القول إن الأسير واعتصامه الشهير كانا دعاية «مجانيّة» لصيدا لا كسوق مهمّة في الجنوب ولبنان وحسب، وإنّما كضامن للمدينة وللتنوّع والمدينة.
أحببت الأسير. أعترف بذلك. أبهجني. واستأت من السياسة لكونها حاصرته ثم فكّكت اعتصامه، ولم تصرح عن السبب. وهذا سبب إضافي لكرهها. أكرهها لأنّها تحرمنا من البهجة. وقد فعلت ذلك مع الأسير أثناء تعرّي بؤسها. وعتبي على الأسير أنّه تزوّجها.