أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

انتحار المسنّين: «بعد بتحرز؟»

الأربعاء 08 آب , 2012 03:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,647 زائر

انتحار المسنّين: «بعد بتحرز؟»

لم يبق من ذلك الوجه إلا رسم شمسي مهترئ على قارعة الطريق. عندما مات ملحم التيماني، ابن الثمانية والثمانين عاماً، تلك «الميتة غير الطبيعية»، مات كل أثر له. لكأنها ثمانية وثمانون عابرة. لم يعد أحد يذكر ملحم «الآدمي». حتى جيران منزله البيروتي في «نزلة البطركية» وأصدقاؤه «نسوه» تماماً. وهو أمر عادي؛ فكثيرون من كبار السن يموتون وذكراهم. لكن، في حالة ملحم، ثمة نسيان من نوعٍ آخر.

 

نسيان فائق في السرعة له علاقة بـ«الميتة» بحدّ ذاتها، يقول صديق «المنتحر». رغم أنه لم يكن وحيداً في طريقة موته. فبحسب كتاب «نماذج حيّة لمسائل لم تحسم بعد» (دراسة شاملة حيّة أجراها رئيس جمعية بلاد للدراسات النفسية والاجتماعية الدكتور أحمد عياش عن الانتحار ما بين عامي 1974 و2003)، ثمة أكثر من 6 و7 و8 ملحم في العام نجحوا في انتحارهم بحسب المعطيات الرسمية وما بين 2 و5 فشلوا. فبحسب عياش «المسنون هم أكثر المنتحرين بين جميع الفئات». وتكفي الإشارة إلى نسبة المسنّين المنتحرين الذين ترد أخبارهم في التقارير الأمنية، حتى لا يكاد يمرّ شهر من دون مرور خبر منتحر مسنّ. وبحسب تقرير أمني عن الأربعة أشهر الأولى من العام الجاري، هناك تسعة منتحرين مسنين من أصل 29، أصغرهم في عمر الستين وأكبرهم في الثامنة والثمانين.

ما يختلف فيه هؤلاء عن الآخرين، هو أنهم اختاروا طريقة موتهم، وملحم واحد منهم. ففي إحدى ليالي كانون الثاني الماضي الباردة، قرر التسعيني أن ينهي حياته برصاصة مقصودة في رأسه. يومها، لم يتفهم أحد وحدة ملحم القاتلة التي خلّفها فراغ اشتياقه لزوجته التي كانت قد رحلت قبل بضعة أشهر. أدانه حتى أقرب الأصدقاء، لأنه لم يكن «ثمة شيء يبرّر له قتل نفسه، فهو مغمور بعاطفة أولاده وأحفاده ومرتاح من الناحية المادية وصاحب اسم في بلدته»، يقول ابن بلدته عبيه، وجاره في البطركية وصديق عمره أيضاً. هذا الصديق، الذي يرفض اليوم هذه الصفة؛ لأنه «ما بقاش إلي شغل معو». نسي برصاصة صديقه «عشرة» خمسين عاماً. وحاله كحال كثيرين من أهل البلدة الذين ندموا على حضور مراسم دفنه بعدما عرفوا بقصة انتحاره. لكن، هل يتفهم أحد منهم عجزه وهو يشاهد عن كثب موت زوجته البطيء ووحدته بعد الفراق؟ لم يفهم هذا الصديق ما آلت إليه حال ملحم. وهو، رغم قوله إنه «انطوى على نفسه آخر فترة، وبات يقضي معظم نهاره في محلي وبالشارع ساكت معظم الوقت»، لكنه إلى الآن، لم يبرّر له قتل نفسه؛ لأنه «كان بالإمكان تزويجه. وأنا كنت أقول له بدي إحكي مع ابنك مروان بس ليقطع نحو 6 أشهر على عفّت أو ينتقل ليعيش بمنزل أحد من أولاده». مع ذلك، لن يكون قاسياً كمن قال «ابن 88 انتحر، بعد بتحرز يا عمي؟».

لا أحد سيفهم فعل ملحم إلا «الوحيدون بلا حدا»، تقول آسيا السبعينية التي فقدت زوجها قبل سنوات. هي، وإن كانت لم تتخذ خيار ملحم، إلا أنها تبرّر له شوقه الذي أوصله إلى الرصاصة «بعدني بشتاق لزوجي وهو إلو خمس سنين، وما فيّي إقعد عند ولادي، ما برتاح». هذه كانت حال ملحم أيضاً، الذي كان يرفض العيش مع أولاده. وقد يكون ما زاد الطين بلة، العاملة الأجنبية «الغريبة» التي مكثت معه في المنزل لمساعدته في واجباته.

إن كان أحد في مثل موقع ملحم، فهل كان سيقدم على الفعل نفسه؟ «ربما»، يقول أبو محمد، المشارف على الثمانين من عمره. فبحسب هذا الأخير «من يفقد رفيق عمره، يصبح مجنوناً، والمجنون إما بيتزوج أو بينتحر. وملحم اختار الانتحار». أما لماذا؟ فهنا، يقول الطبيب عياش إن الأرجح في هذا الموت هو «حالة اكتئاب معلنة أو مستترة، وقد تكون نتيجة حالة نفسية قديمة واكبت هؤلاء بالأصل في حياتهم». ليس الاكتئاب وحده قاتلاً. هناك «شعور المسنّ بأن الآخرين من حوله صاروا يتمنون رحيله باللاوعي أو عبر إيحاءات ما، والحالات المرضية المزمنة التي يواكبها ألم غير محتمل والتي تتطلب مالاً غير متوافر وشعوره بأنه بات عبئاً على أبنائه أو أقربائه»، يتابع الطبيب.

قد تكون هذه حال حافظ زيادة، الذي أنهى حياته في الثالثة والستين. هذا الرجل، الذي قضى سنواته عازباً كادحاً في عمله، وصل إلى المكان الذي لا رجوع عنه. شعر بأنه بات «عبئاً»، يقول ابن شقيقه ريمون زيادة. كان يقول دائماً: «ما بدي كون هم على غيري، يا ليتني تزوجت بنت عن الطريق ولم أعش وحيداً». كان يشعر بثقل عمره على المحيطين به، لهذا هيأ لموته. ففي إحدى الليالي، لبس ثياب النوم، ركن إلى زاويته وأفرغ الرصاصة في رأسه ونام نومته الأبدية. لم يأبه لما سيقوله الناس عن فعله «المخزي»، المهم أنه لم يعد ثقيلاً على أحد.

لم يترك ورقة على طريقة منتحري الأفلام. مات بهدوء، فلم يعلم أحد بموته إلا عقب مرور ثماني ساعات. مات حافظ، ولم يفهمه الناس كما أنطوان الدلباني، المنتحر الثاني في عائلته. أنطوان وشقيقه انتحرا بالطريقة نفسها وللأسباب نفسها، ولم يكن الفارق بين موتيهما إلا بضعة أشهر. كان سهلاً على أنطوان اتخاذ خيارٍ ينهي صراخه المفجع من مرضه المؤلم، كما فعل أخوه تماماً. يروي صديقه مختار الدكوانة حنا عساكر قصة انتحار أنطوان، من دون أن يحكم عليه بالسوء. فهو يعرف أنه عندما تحلّ «ساعة التخلّي»، يمكن أن يختار أيٌّ منا طريقة موته قبل الأوان الطبيعي. يقول عساكر إن «مرض أنطوان كان شديداً ولا يمكن احتماله، وقد اتخذ القرار بعدما أخبره الطبيب أنه ما في نوى، ولهذا استيقظ صباحاً وانتحر في بيته، فيما كانت زوجته وولداه نائمين». خيار «حسبه» أنطوان بدقة، فقد حدد ساعة موته والمكان. وكان على يقين بأن البعض قد «لا يفهم إقدامه على هذا الأمر»، يقول صديقه حنا. وقد تكون عائلته، فيكفي أن «تكون ابن منتحر». لكن، ألا تكفي وحدة ملحم وألم أنطوان لتبرير هذا الفعل؟ ومن قال إنهم اتخذوا الخيار بسهولة؟ فبحسب الطبيب عياش لا أحد يستسهل عملية التدمير الذاتي، وخصوصاً المسنّ «وهو العارف أن رحلة العمر أشرفت على الانتهاء»، إلا أنه يحاول «بفعله هذا في أيامه الأخيرة توجيه رسالة أدبية وأخلاقية قاسية جداً لمن حوله، متحمّلاً وزر ذلك إن كان مؤمناً، علماً بأنّ الإحباط واليأس يزينان له عملية إنتاج فكرة الموت الإرادي واقتناعه بمغفرة الربّ».


Script executed in 0.19912505149841