أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

«فالس مع بشير»

الجمعة 24 آب , 2012 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,585 زائر

«فالس مع بشير»

على يمين المنصة صورتان لبشير الجميّل. الأولى مستطيلة، وتكاد أن تكون الصورة الأشهر لزعيم الميليشيا المسيحيّة. يحمل فيها رشاشاً حربياً، من طراز «أم 16»، واضعاً نظارات شمسيّة أنيقة من تلك الدارجة في الثمانينيات، حيث يبدو أقرب إلى جاك نيكلسون، مما هو عليه إلى أمير حرب، والرئيس المنتخب في 1982. كانت هذه هي المناسبة أمس، في ملاعب العازاريّة في الأشرفيّة: ذكرى انتخاب بشير الجميّل رئيساً للجمهوريّة. والمفارقة، أن الصورة الثانيّة، بدت مستنسخة من فيلم «فالس مع بشير»، الذي يروي فيه المخرج الاسرائيلي، أري فولمان، قصة جندي خلال غزو بيروت، وكيف «نبحت» في ذاكرته كلاب الحرب بعد انتهائها. وعلى ما يبدو، راق الفيلم المنظمين. فجعلوا لرئيسهم صورة عملاقة، كأنها اقتطعت من الفيلم التحريكي (أنيمايشن)، وشاهده اللبنانيون «بالتهريب». لم يتخلّ القواتيون عن هذه الصورة بعد.

 

وفي مقابل صورة بشير الإسرائيليّة، صوره اللبنانيّة. كان الرجل صاحب «كاريزما» على مناصريه، لا جدال في ذلك. اصبعه الشهيرة، بذته الضيقة رغم أنها حربية، وجميع التفاصيل الأخرى. صحيح أن بشير الجميّل لم يكن أصلع، وأنه «تعاون» مع الإسرائيليين، إلا أن الخطابات التي بثت أثناء الاحتفال، على شاشة عملاقة؛ على طريقة «حزب الله»، تظهر شبهاً فظيعاً بينه وبين «الدوتشي».

والجماهير كما القائد. حمل «شبيبة بشير» أعلام «الوحدات العسكريّة» السابقة في القوات اللبنانيّة. «الصدم» في المقدمة. تلك كانت وحدةً «ضاربة»، يتباهى بتاريخها اليوم مناصرو «القوات» من المراهقين المتحمسين والقدامى «النوستالجيين» الذين لم يصدقوا انتهاء الحرب بعد. وقف «شبيبة بشير» وقفة عسكرية، وساروا في «مارش» متعثر قليلاً، إلى المسرح. قرعوا طبول الحرب. رفعوا رؤوسهم فوق «البادج» الذي يزين ثيابهم السوداء، وتشع منه صورة «المارد والخالد»، بشير. ما انفكت الأغنيّة تصدح: «المارد الخالد». وبعد توقفها أخيراً، افتتحت الذكرى بإضاءة الشعلة، من «الدوموازيل» الجميّل، كما سماها عريف الحفل. وفعلت الشعلة فعلها بالنائب نديم الجميّل، الذي كان متحمساً، حاله حال الممثل «الفكاهي» عادل كرم. غنوا كثيراً لذكرى الرئيس «الحلم». وبالنسبة إلى الابن، فرغم أن صوته رقيق، وشعره ناعم، مثل والده، إلا أن النائب نديم الجميّل لا يشبه قائد «القوات اللبنانيّة» بشير الجميّل. ينقصه شيء ما. ربما بندقيّة حربيّة، أو بزة زيتيّة، لكن، بربطة العنق اللامعة تلك، واليد المهتزة، نديم ليس بشيراً. بيد أن ذلك لا يعني شيئاً للجمهور: هذا «الشبل» من ذاك «الأسد». صفقوا كثيراً لقائدهم الجديد، مرددين شعار «بشير حيّ فينا».

واستمرت الأهازيج. النائب نهاد المشنوق نال حصته من تعليقات الجماهير. «تهامس» مناصرون مسنون عليه... «سيفرح المشنوق بهذه كثيراً»، تعليقاً منهم على تحيّة النائب الجميّل للثوار في سوريا. وللمناسبة، لم يكن خطاب نديم حاداً كالعادة، باستثناء انفعاله «المفهوم» خلال ذكره «المقاومة اللبنانيّة» وانجازاتها في «طرد السوريين والفلسطينيين من زحلة وعين الرمانة والأشرفيّة». طالب النائب الشاب بنبذ العنصريّة وأعاد الكلام الرتيب ذاته عن «ثورة الأرز». ثم قفز من «الثورة» إلى «حقوق المرأة في القرن الواحد والعشرين». وفيما طالب بدولةٍ يكون فيها «إبن الناطور» مساوياً لـ«إبن الرئيس»، فاته التذكير أن الرئيس بعد الطائف أصبح بلا صلاحيّات تذكر. رفض وجود «طائفة سوبر وطائفة عاديّة». رفض السلاح خارج اطار الدولة، بينما بثت الشاشة التي خلفه أبشع صور في ذاكرة لبنان المعاصر: صور الحرب الأهليّة. «شيزوفرينيا» حقيقيّة. حتى أن المنظمين لم يجدوا حرجاً في بث نشيد «حزب الوطنيين الأحرار» مثلاً، رغم أن معظم مؤرخي الحرب الأهليّة المعاصرين، أجمعوا على دور «أسود» للرئيس المحتفى بذكراه فيها، في منطقة الصفرا تحديداً.

وخلال الاحتفال، عرضت أناشيد الأحزاب التي تشكلت منها «القوات اللبنانيّة» تدريجاً. وطبعاً، نالت «القوات» الحصة الأكبر من التصفيق، فيما علت صيحات الاستهجان بعد ظهور صور زعيم منظمة التحرير الفلسطينيّة، الراحل ياسر عرفات.

استعيدت الحرب أمس بكل صورها البشعة. عرضت الشاشات صوراً لهويّات تؤخذ من المواطنين ويوقفون على أساسها. إنها صورة جارحة للشعب اللبناني بأسره. عرضت صورة أحد الكهنة وهو يبارك دبابة تنطلق لمعركة أهليّة أخرى، وتطلق نيرانها على مدنيين بلا أدنى شكّ. من المستحيل اقناع لبناني واحد بأن مطالبة «اليمين اللبناني» حزب الله بتسليم سلاحه هدفها بناء «الدولة». لقد عرضت أمس صور «هدم» الدولة بصورة احتفالية، بمعزلٍ عن البحث العقيم عن المسؤولين عن الحرب. كيف تبنى الدولة ويحتفى بهدمها؟ كيف يطلب سلاح «مقاومة» ويبتهج بصور «مقاومة» أخرى يداها ملوثتان بالعنف الأهلي؟

النظر إلى الرجل الستيني، وهو يغني، يفسّر كل شيء. كان متأثراً، مغمض العينين، ينشد «هيا يا فتى الكتائب» بخشوع. كأن كلاب الحرب ما زالت تنبح في ذاكرته هو الآخر.


Script executed in 0.19212293624878