أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

حسين عمر العائد بربطة عنق تركية: الخاطفون ظنّوا أننا إيرانيّون

الإثنين 27 آب , 2012 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,787 زائر

حسين عمر العائد بربطة عنق تركية: الخاطفون ظنّوا أننا إيرانيّون

مرتدياً ثياب النوم الصيفية، في المنزل المتواضع في إحدى أشد المناطق بؤساً في لبنان، يجلس أبو علي في الصالون، وإلى جانبه ابنه علي، الرجل الثلاثيني الذي يسند إلى جهوده الشخصية، التي شملت اتصالات سياسية وأمنية، دوراً أساسياً في تحرير والده. 

الأيام التي تلت اليوم الأول من عملية الخطف، والتي سبقت ليلة احتجاز أبي علي الأخيرة، يحاصرها الرجل بعبارة واحدة: «عادي، فطور وغداء وعشاء، قراءة قرآن وأدعية، صلاة، مزاح بين المخطوفين الأحد عشر، غسل ثياب. وهكذا»، يقول وهو يهز كتفيه. 

غير أن تفاصيل اليوم الأول.. والليلة الأخيرة، محفورة في ذاكرة الرجل، إلى جانب إجراءات التنقل من منطقة إلى أخرى، وهو تنقل يعرّج عليه أبو علي من دون ذكر أسماء القرى: «ثمة عشرة مخطوفين لا يزالون هناك، وربما يؤدي كشف بعض التفاصيل إلى أذيتهم»، يوضح الابن بنبرة حذرة. 

في طريق عودتهم من إيران، يتذكر أبو علي، لاحقتهم سيارة مسرعة ما إن اجتازت حافلتهم الحدود السورية - التركية، ثم استقل الحافلة مسلحون، قال أفرادها الخمسة إنهم من «الجيش السوري الحرّ». ولمّا سمع أحدهم لكنة ركاب الحافلة، قال مستغرباً: «هل أنتم لبنانيون؟». 

أوضح الخاطفون لرجال «حملة الصدر» أن المعلومات التي وردتهم، كانت تفيد بأن ركاب الحافلة إيرانيون. مع ذلك، يتذكر حسين عمر، أن الركاب، نسوة ورجالاً، ترجلوا من الحافلة، وجلسوا في منزل صغير في أعزاز، إلى أن ظهر أبو إبراهيم، وطلب مغادرة النسوة. 

بعد مرور نحو أربع ساعات، تخللها تطمين من جانب الخاطفين بأنهم لن يمسّوا أحداً من المخطوفين بسوء، وصل ستة رجال إلى المزرعة، كانوا في «حملة البدر الكبرى»، التي كانت في طريق عودتها من إيران أيضاً. 

يهز عمر رأسه مبتسماً، ويرسم بإحدى يديه إيماءة متحمسة، يقول: «في الصباح، وبعدما كان الخاطفون قد جمعونا في خيمة واحدة، كانت تنتظرنا مائدة فطور غنية: حمص وفول، نعناع، فجل وبصل وغيرها. ثم جلسوا إلى جانبنا، وقالوا لنا ألا نخاف، لأننا ضيوف عندهم، وأهل». 

في اليوم ذاته، نقل الخاطفون الأحد عشر مخطوفاً إلى منزل صغير، في إحدى القرى، مكثوا هناك نحو 15 يوماً. وقد جرى تقسيمهم إلى مجموعتين، فنقل خمسة منهم، ثم لحق بهم ستة أشخاص. وما إن تعرّضت «المنطقة» لقصف، حتى تم نقلهم جميعاً إلى منطقة آمنة. 

واستقر المخطوفون، أكثر أوقاتهم تقريباً، في «فيلا» في منطقة زراعية في أعزاز. لكن عندما تعرّضت المدينة للقصف من جانب القوات النظامية، وشاع نبأ مقتل أربعة من المخطوفين، كان المخطوفون قد نُقلوا، قبل يوم واحد، إلى منطقة متاخمة نجت من القصف. 

الليلة الأخيرة 

كانت الساعة الحادية عشرة ليلاً، عندما طلب الخاطفون من الأحد عشر مخطوفاً جمع أمتعتهم، ليل الجمعة الماضي. وبينما كان المخطوفون يستقلون الحافلة، طلب «نائب» أبي إبراهيم من عمر أن يجلس في المقعد الأمامي. جلس الرجل، وفي باله أنهم متوجهون إلى منطقة أخرى، كإجراء أمني اعتادوه. 

لكن شيئاً فشيئاً، تفاجأ ركاب الحافلة بأن الطريق التي سلكها السائق تدنو إلى الحدود التركية. مع ذلك، لم تكن مفاجأة من العيار الثقيل، لأنه سبق لهم أن تناولوا طعام الإفطار في شهر رمضان، عند «معبر باب السلامة». 

وما إن وصلت الحافلة إلى الحدود التركية، حتى توقفت وأومأ «نائب» أبي إبراهيم إلى عمر بأن يترجل. «ألا تريد أن تسلّم على المسؤول؟»، قال الرجل لعمر، موضحاً: «غداً، يُطلق سراحك»، فرد عليه بسؤال: «لماذا أنا بالتحديد؟». أجابه: «(رئيس الحكومة التركية رجب طيّب) أردوغان طالب بإطلاق سراحك، أنت شخصياً». 

لم يتمكن عمر من إلقاء تحية الوداع على «الأصدقاء العشرة»، وقد أبلغه الخاطفون أنهم سيقومون عنه «بهذا الواجب». كانت الساعة قد تجاوزت الثانية عشرة بقليل، فأرخى الرجل رأسه إلى وسادة سرير وثير، عند الحدود التركية، وظل يقظاً: «كنت أفكر بمصير المخطوفين العشرة، ثم فكرت بعائلتي ولقائي المرتقب بها». 

عند الثامنة من صباح أمس الأول، ولما كان عمر مستيقظاً لم ينم ولو دقيقة واحدة، استقبل خاطفه، أبا إبراهيم، الذي زوّده بثياب جديدة، فارتداها وشذب لحيته استعداداً للمغادرة. بعد ذلك، وصل إلى عنتاب الواقعة في جنوب تركيا، وكان في انتظاره مدير المخابرات التركية وثلاثة ضباط أتراك. 

بحماسة شديدة، يقول عمر مزهواً: «أربعة أشخاص فقط، في طائرة خاصة!»، فيوضح ابنه علي بنبرة مشابهة: «إنها طائرة أردوغان». من عنتاب إلى أنقرة، توجهت بهم الطائرة، ومن هناك إلى مطار بيروت. 

«كذّابون، منافقون!» 

بينما كان أبو علي عمر يتحدث عن أبي إبراهيم ومجموعته، معبراً عن تعاطفه مع قضيتهم «المحقّة»، ومستفيضاً بما كانوا يرددون على مسامعهم، تدخّل عمّه، وهو رجل سبعيني، في مجريات النقاش معترضاً. 

كان عمر يروي أن «الخاطفين أخبرونا عن ثورتهم، وهي ضد الفساد، فقالوا لنا إن المواطن يحتاج إلى وساطات كي يحصل على الطب والتعليم، وإن القبضة الأمنية تهاجم المستضعفين. حدّثونا بأنهم لا يريدون من ثورتهم الحكم، بل القضاء على الفساد». 

إلا أن العمّ السبعيني رفع عكازه عالياً، ملوحاً به وهو يقول بصوت عال فيه لكنة قروية: «كذّابون، منافقون! أقاربنا هناك، ويقولون إن الطب والتعليم بالمجان، وإن أسعار المواد الاستهلاكية، أيضاً، بالمجان. كذّابون، منافقون!». 

بدا أن عمر لم يشأ خوض نقاش مطوّل مع العمّ، فالتقط خيطاً جديداً للحديث: «الخاطفون كانوا يثقون بنا ثقة مطلقة، فذات يوم تركوا بيننا خمسة أسلحة من نوع كلاشنكوف. أي خاطف يفعل ذلك؟ كما أنهم كانوا يهتمون بتأمين طعامنا قبل طعامهم، ويجلبون لنا الثياب الجديدة». 

ويتلمّس محدّث عمر، بين الحديث المقتضب والآخر، أن ثمة إشكالات، يصفها بـ«البسيطة والعادية»، كانت تنشب بين المخطوفين أنفسهم، وهي تفاصيل «تحدث بين أشخاص اجتمعوا، جنباً إلى جنب، نحو 3 أشهر، وتقابلها طبعاً تفاصيل أخرى إيجابية». 

مشدوهاً بتصّرف الخاطفين، يتذكر الرجل أن أبا إبراهيم لم يتعرّض، ولو بضربة كف واحدة، للمخطوف عباس شعيب، بعدما قبضت عليه إحدى المجموعات، اثر ساعات قليلة من هروبه الشهير. وفق عمر، فقد سدد أبو إبراهيم خمسة آلاف دولار للمجموعة التي قبضت على شعيب، ولم يوجه إليه كلمة واحدة غير لائقة. «أي خاطف يفعل ذلك؟»، يسأل عمر، رافعاً حاجبيه. 

يتذكر عمر أن الخاطفين شكّكوا في انتماء المخطوفين إلى «حزب الله»، مرة واحدة، وتحديداً في اليوم الثاني من الاختطاف، عندما فرغوا من التحقيق معهم، ثم فجأة بدأوا استدعاء الجميع، ليطرحوا على كل منهم سؤالاً واحداً: «ما هو اسم خالك؟». 

حدث ذلك بعدما وردت إلى الخاطفين معلومة، لم يُعرف مصدرها، أن أحد المخطوفين «يكون ابن شقيقة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، لكن التحقيقات معنا أثبتت أن المعلومة غير صحيحة، وأن أحداً منا غير منظّم في الحزب». 

لولا ضيق وقت المخطوف المحرر، والحصار القسري الموقت المفروض على ذاكرته فجراً، فثمة أسئلة تجابهها أجوبة تتسع لعشرات الصفحات، عن يوميات مخطوف عاش 95 يوماً، لدى خاطفين «أخطأوا» في هوية عصافيرهم، ثم احتجزوهم في قفص وثير، وما إن يخرج منه أحدهم حتى يتذكر خاطفه بأنه «كان ودوداً وطيّب القلب». 

وهي ذكرى، كما يقول صاحبها، لا تتستر خلف دواع أمنية أو سياسية، بل إنها حقيقة رُسمت في ذاكرته، التي وإن بدت محاصرة فجر أمس الأول، إلا أن سراحها ربما يغدو يسيراً مع مرور الأيام. 

«ذات يوم من أيام الاختطاف، حدث أن...»، سيقول حسين عمر، ربما، مستفيضاً في ذكريات قصص لا تزال نائمة الآن، لأحد ركاب سيارة الأجرة التي يملكها، والتي ينتظر تلمّس مقودها اليوم قبل الغد. 

انتظار وتكتّم 

لم تخفف اللافتة العملاقة، المثبتة على جدار مدخل منزل عمر في حيّ السلّم، والموسومة بعبارة «لن تكتمل الفرحة إلا بعودة المخطوفين الباقين»، من وطأة المعاناة التي يعيشها ذوو المخطوفين العشرة منذ 95 يوماً. 

غير أن القلق الذي عاشوه سابقاً، من نبأ سارّ إلى آخر مفجع، تحوّل، أمس الأول، إلى قلق خفتت زوبعته وانحصرت في معلومات مؤكدة: «إنهم بخير، وبدأت انفراجات جدّية تلوح في الأفق»، فأدركوا أن القضية أضحت مسألة وقت. 

كانت حفيدة المخطوف جميل صالح، الذي يبلغ من العمر 64 عاماً، تراقب ترجل عمر من الطائرة، عندما سألت ذويها: «لماذا جدّي ليس معه؟»، فأجابوها: «لأن هذا الرجل (عمر) كبير في السنّ». إلا أن الطفلة التي تبلغ من العمر ستة أعوام، ردّت باستغراب: «لكنكم قلتم لي إن جدّي هو أكبرهم سناً». 

وبينما كان ذووها يحاولون تفسير غياب جدّها بحجة أخرى مناسبة، كانت الطفلة نور، ابنة المخطوف عباس شعيب، تطالب ذويها بأن يبتاعوا لها ولاعة (قدّاحة): «سبق وطلب مني بابا، على التلفزيون، أن أحرق طريق المطار، لكني اليوم أريد إحراق المطار». 

ولمّا تيقن ذوو المخطوفين العشرة، بعد إطلاق سراح عمر، من أن انتظارهم لن يطول، لم يكن ثمة مفر من لجوء البعض إلى تحليلات سياسية، يختلط فيها الحابل بالنابل، تتهم تارة الدولة الفلانية وتارة أخرى السياسي الفلاني. 

مع ذلك، فهم يدركون أنها تحليلات مردها السأم من الانتظار، والتعب من المفاجآت: «إننا أُسعدنا بعودة عمر، وننتظر عودة أبنائنا في أقرب وقت»، يقولون، بينما تتكتم مصادر أمنية عن «تحليل أي حدث في الوقت الراهن، سوى القول إن الأتراك يساهمون، منذ البداية، في حلّ قضية المخطوفين». 

 

اتصالات مهنئة 

عند الخامسة والنصف من عصر أمس الأول، ترجل حسين عمر من الطائرة التركية في «مطار رفيق الحريري الدولي»، وكان في استقباله وزير الداخلية مروان شربل والمدير العام لـ«الأمن العام» اللواء عباس إبراهيم. وقد وصل عبر مطار أنقرة، بعدما سلمه الخاطفون للسلطات التركية عند المعبر الحدودي باب السلامة. 

وبعد مكوثه في صالون الشرف، متمنياً على الدولة التركية المساهمة في إطلاق سراح المخطوفين العشرة الباقين، توجه إلى منزله في حيّ السلم، في موكب ضم ذويه والنائب غازي زعيتر، ثم استقبل على الأكتاف ودويّ المفرقعات النارية أمام المنزل. 

وتلقى عمر سيلاً من الاتصالات المهنئة بالإفراج عنه، أبرزها من رئيس الجمهورية ميشال سليمان، رئيس مجلس النواب نبيه بري، رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي، الرئيس سعد الحريري، وزير الخارجية عدنان منصور، والأمين العام لـ«تيار المستقبل» أحمد الحريري. 

ورحّبت «هيئة علماء المسلمين» بالإفراج عن عمر، وجدّدت مطالبتها بإطلاق سراح سائر المحتجزين اللبنانيين في سوريا، وإعادتهم إلى ذويهم سالمين. 

وكان شربل قد أعرب، أمس، عن تفاؤله بتصورات إيجابية «ستتضح في الأيام القليلة المقبلة».


Script executed in 0.19077801704407