أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

جنبلاط والمقاومة: تفاهم بالإكراه

الأربعاء 29 آب , 2012 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,390 زائر

جنبلاط والمقاومة: تفاهم بالإكراه

قطع النائب وليد جنبلاط شوطاً كبيراً في موقفه المعادي لنظام الرئيس السوري بشار الأسد. كان حزب الله محيّداً في بداية الاستدارة الأخيرة من الهجوم الجنبلاطي. اليوم تغيّرت المعادلة، وبدا واضحاً أن إعادة تموضع رئيس جبهة النضال الوطني لا تشمل الموقف من سوريا فحسب، بل من حزب الله أيضاً. لكنّ القنص الآتي من المختارة لم يبلغ بعد ذلك الوضوح الذي وصل إليه قبل مرحلة السابع من أيار 2008. يومها، شنّ جنبلاط أعنف هجوماته على الحزب، مطلقاً مصطلحه الشهير «سلاح الغدر»، ثمّ ساهم في إصدار قرارات الخامس من أيار وإعلان الحرب على سلاح الإشارة التابع للمقاومة. وبحسب العارفين، لم تكن قوى 14 آذار ـــ وجنبلاط تحديداً ـــ تقدّر موقف حزب الله، فلم تكن مقتنعة بأن الحزب قد يستعمل سلاحه في الداخل دفاعاً عن سلاح إشارته.

قبل أيار 2008، أوحى الدعم الأميركي لقوى 14 آذار بأن الغرب قد يفعل ما يستطيع لمنع سيطرة حزب الله على لبنان. ومن ضمن «ما يستطيع»، وقفت البارجة الحربية الأميركية «كول» قرب الساحل اللبناني لإدخال الطمأنينة في نفوس أفرقاء 14 آذار، والإيحاء بأن أميركا ستزجّ بجنودها دفاعاً عنهم. ساعات على ردّ فعل حزب الله، خرجت وزيرة الخارجية الأميركية في ذاك الوقت كوندوليزا رايس، لتقول إن أميركا تتعامل مع قوى الأمر الواقع، فذهبت الطمأنينة أدراج الريح.

مما لا شك فيه أن المرحلة تغيرت. وبحسب عارفين بتوجهات جنبلاط، يحافظ البيك على العلاقة مع حزب الله، مكرهاً لأسباب عدة. أولها حرصه على عدم تكرار تجربة السابع من أيار بأي شكل من الأشكال، وثانيها اقتناعه بأن الفوضى قد تطيح كل شيء. وسيكون الخاسر الأكبر فيها، الفريق الذي لا يملك إمكانات عسكرية كبيرة وتنظيماً متماسكاً ومناطق مغلقة كحزب الله.

لا تأخذ قوى 8 آذار القصف الإعلامي المتزايد لجنبلاط على حزب الله بجدية. يقول أحد هؤلاء إن الاختبار الحقيقي لجنبلاط هو في الدور الذي يؤديه في الواقع السياسي، وتحديداً في الحفاظ على بقاء الحكومة والتوازنات الداخلية الحالية، لا بتصريحات إعلامية. وما الهجوم وانتقاد الحزب المتكرر أخيراً سوى فاتورة من فواتير كسب الرضى السعودي ووسيلة للوصول إلى صالون الملك السعودي عبد الله بن العزيز في موعدٍ يبدو مؤجلاً إلى أجلٍ غير مسمى. يشير مصدرٌ آخر في 8 آذار إلى أن البيك يدرك تماماً أن الأولوية بالنسبة إلى السعودية هي المعركة في سوريا، وبالتالي تحتاج إلى لبنان في المرحلة الحالية فقط للحفاظ على ميزان الربح والخسارة في ما يحدث على أرض الشام. وتدرك السعودية تماماً أن أي اهتزاز كبير على الساحة اللبنانية سيقضي على آخر مساحة لنفوذها في لبنان، وسيضرب مصالحها الاقتصادية، رغم رغبتها القوية في عودة الرئيس سعد الحريري وتيار المستقبل إلى سدة الحكم.

وتذهب هذه المصادر بعيداً في اتهام البيك باتخاذ مواقف متطرفة من النظام السوري لأسباب انتخابية بحتة، عبر الظهور كرأس حربة في الحرب على الأسد لاستمالة الناخبين السنّة في إقليم الخروب على وجه الخصوص.

على المقلب الآخر، مصادر جنبلاط تحاول دائماً التأكيد أن البيك حريصٌ على العلاقة مع الحزب. لكنّ جنبلاط استطاع، بحسب هؤلاء، انتزاع مساحة من حزب الله بحرية التعبير عن موقفه من سوريا وعدائه لنظام الأسد، «هذا رأيه السياسي في القضايا الخارجية وله حقّ التعبير عنه». كذلك إن انتقاد موقف الحزب من الأزمة السورية هو أيضاً محط نقاش للحفاظ على صدقية البيك كما تقول المصادر «أمام الشارع السني الذي يعتبر الأسد قاتلاً للسنة».

وبالنسبة إلى تصريحاته بشأن فوضى السلاح، تؤكّد المصادر أن لا علاقة لهذا الخطاب بسلاح المقاومة المعدّ لقتال إسرائيل؛ فالبيك «مقتنع بالحفاظ على السلاح لتحرير الأرض المحتلة، رغم اقتناعه بضرورة بقاء إمرة السلاح في عهدة الدولة والجيش». ولا يعدو الانتقاد أكثر من إشارة إلى الحزب بضرورة ضبط هذا السلاح الذي لا يمكن أن يكون في خدمة المقاومة ولا في خدمة معادلة الجيش والشعب والمقاومة، انطلاقاً من بيروت والشمال والجبل، «فهل يقنعنا حزب الله بأن سلاح زهير جعيد وزاهر الخطيب في إقليم الخروب لقتال إسرائيل؟».

الرد الوحيد الذي أظهره حزب الله تجاه جنبلاط كان تصريح الوزير محمّد فنيش قبل أسبوعين، مشيراً إلى اعتياد الحزب «التغيّر والتلوّن في المواقف» الجنبلاطية. حين يُسأل الحزب عن موقفه من جنبلاط يتحفّظ عن الردّ. لكن الأمر الأكيد أنه يتعاطى مع الزعيم الاشتراكي بمنطق المداراة. يعضّ على إصبعه ولا يحاسب على ما يرشح عبر شاشات التلفزة وصفحات الجرائد، بل يقدّم ما فيه المصلحة العامّة على المهاترات الإعلامية «لأن الغرق في تفاصيل القال والقيل لا يناسب من يعمل على قتال إسرائيل ويترفّع عن الصغائر».

وفي تفاصيل العلاقة اليومية، لم تنقطع طرق التواصل يوماً بين الحزب وجنبلاط. قناة الحاج وفيق صفا مفتوحة دائماً للتواصل مع البيك، كما وزراء الحزب التقدمي الاشتراكي في الحكومة، والنائب أكرم شهيب في التفاصيل الأمنية. وللوزراء في الحكومة أيضاً هامش التواصل، وينقل وزراء الاشتراكي أن فنيش يحاول دائماً إيجاد مخارج للأزمات حول القضايا الخلافيّة، و«هذا ما يريحنا».

التواصل على الأرض لا ينقطع أيضاً. اللجان الأمنية المشتركة في بعض المناطق تعمل على إطفاء شرارات تصريحات البيك حتى لا تسري في هشيم الشارع. غير أن أكثر المناطق توتّراً تبقى الشويفات ودير قوبل والقرى المحيطة ببلدتي كيفون والقماطية في منطقة غرب عاليه، التي تحتاج دائماً إلى التبريد بعد كلّ موقف. ويحرص المنسّقون مع حزب الله من الاشتراكي، دائماً، على نفي أي نية لأي عمل معادٍ لحزب الله يعدّ له الاشتراكي أو يسمح بوجوده. ويؤكد هؤلاء أن حالة مشايخ الداعية عمار التي تطلق شعاراتٍ معادية للحزب هي خارج إطار الحزب التقدمي الاشتراكي وبيئته الحاضنة، لا بل إنها على ضفة الخصومة مع هذه البيئة كما هي حالها مع حزب الله.

البيك يمسك الحزب من اليد التي توجعه، والحزب يصبر حرصاً على الاستقرار. وحتى ينجلي الغبار على أرض المعركة السورية، ستبقى العلاقة هدوءاً بالإكراه.


Script executed in 0.23112487792969