أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

عتبي.. وأحلامي أودعها أمانة

السبت 15 أيلول , 2012 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,910 زائر

عتبي.. وأحلامي أودعها أمانة

شفيق جرادي

بسم الله الرحمن الرحيم وباسم الله ضابط الكلّ.

قداسة البابا بنديكتوس السادس عشر

تحيّة طيّبة، وبعد..

أسرّني أنّكم ستطؤون أرض بلادي وأجدادي وعنوانكم في مسيركم «السلام».

ذلك أنّي من جهةٍ أنتمي إلى أمّة وديانة وشعب تحيّتهم حين اللقاء أو التوديع «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته»، ومن جهةٍ أخرى لكوني مسلمًا يعشق قيم المحبّة في المسيحيّة ومعجبًا بكتابات لكم في اللاهوت المسيحيّ إلى حدّ جعلني أقترح على بعض أصدقائي المسيحيّين إقامة مؤتمر خاصّ تحت عنوان «اللاهوت السياسيّ بين الإمام الخامنئي والبابا بنيديكتوس السادس عشر»، لكنّ الفكرة، برغم ترحيبهم بها، لم تنتقل إلى مرحلة التنفيذ ككثير من المشاريع التي نصفّق لها في هذه البلاد. لا يهم..

الأصل أنّك ستأتينا وسنراك، عفوًا، سنسعى ونعمل للقياك برجاء أن نوفّق لذلك..

قد تسألني عن السبب، وأجيب نيافتكم، صادقًا إيّاكم القول، إنّ السبب لا يكمن في كوني أطلب بركاتكم لأنّي أؤمن بأنّ الفرد منّا لا يتوسّط علاقته بالله ومع الله أحد من العالمين.. أحبّ يا سيادة الحبر الأعظم أن أنقل إليكم بعض العتب وأن أودع عندكم بعضًا من آلامي وأحزاني وأمانة دموعي وهي قليل من دموع شعبي العربيّ وأحزانه ودرب الأمّة الطويل.

أتعرف لماذا أرغب بذلك؟

لأنّك صاحب لاهوت قام على معنى الألم، وتماهي وجع الإنسان بعطف الإله. ولأنّي، والحقّ أقول، أرى في وجوه كثير من أعزّتي من أهل المسيحيّة رأفة سيّدتي مريم المقدّسة الممهور بوجه إخوتي، أو بعضهم، المسلمين الموسومين برحمة سيّدتي ومولاتي وشفيعتي فاطمة الزهراء.

أمّا ألمي ووجعي، فهما الاستبداد العالميّ الذي ما زال ينفث فينا حقدًا وقيدًا وإصرًا.. إنّه الشرذمة والتفتيت الذي شرذم عالمنا العربيّ إلى دويلات قبليّة لا تعرف أن تقاتل إلا القبيلة التي تجاورها إلى طوائف وأحزاب هي عشائر ثأر وأحقاد لا تعرف أن تثأر إلا من أعضاء جسد الوطن الواحد، وغابت حميّتها عن قتال من اغتصب أرضها في فلسطين، وبعضٍ من لبنان والأردن وسوريا ومصر.

هل تصدّق يا صاحب النيافة أنّ بعض هذه القبائل العشائريّة ينبذ مقاومة المحتلّ، ويتّهم أهل الحميّة بالمغامرين، ويوسم من يتحدّث عن النصر بعد تحرير الأرض بالمذهبيّين وأعوان الأجنبيّ؟

نعم. هذا هو الواقع، ومن حقّك أن تستهجن أو أن لا تصدّق أنّ هناك من يجرؤ على قتل شهادة المسيح كلّ يوم ألف مرّة.. لأنّ شهداء بلادي شهود على شهادة المسيح الذي أراد أن يثير عواصف المحبّة والسلام في هيكل الفتنة والأحقاد، وأن يزرع الأرض بدمه المنسكب لتزهر إخاءً وأمنًا ورحمةً، وهو قبل هذا وذاك أراد للإنسان أن يكون هو «العزيز».

إنّهم أرادوا العزّة، تصوّر يا صاحب القداسة، فاتّهموهم في أعزّ ما عندهم، اتّهموهم بدينهم ودمهم وحبّهم للناس، وصدّق، بطلبهم للسلام العزيز.

أودِع عندك يا صاحب القداسة حلم أبي وأمّي رحمهما الله، إذ كانا يكرّران على مسامعنا دومًا دعاءً اخترعاه وصنّفاه مع جيرة الحيّ في منطقة فقيرة من مناطق بيروت، كانا، أو كانوا، يقولون: «يا ربّ تحبّب الناس ببعض» و«الله يكتب لكم ايّام أحلى من أيّامنا». إنّه دعاء باللغة العامّيّة. لكنّ الحلم ضاع وبكلّ اللهجات، فلا الناس أحبّوا الناس، ولا الأيّام كانت أحلى... وما زلنا نحمل هذا الحلم ولا ندري ما المصير..

تصوّر يا صاحب القداسة أنّ رجلًا من بلادي اقترح اقتراحًا نابعًا من هذا الحلم العامّيّ اللبنانيّ أن يعقد أهل الطوائف والمذاهب ميثاقًا بينهم، أن لا يسبّ بعضهم بعضًا، ولا يكفّر بعضهم بعضًا، ولا يتناول بعضهم بعضًا بسوء.. فاتّهموه بأنّه يفسد ما عليهم.

وهنا أمانة يا صاحب القداسة، لو تعظ المرجعيّات أن يتعهدوا الله على وضع حدّ لهذا الانحدار اللادينيّ واللاإنسانيّ واللاقيميّ. أن يضعوا حدًّا لسياسة الغرائزيّة المتوحّشة. أخيرًا أودع عندك رجاءً إسلاميًّا بامتياز، أن تتلطّف وتهمس في قلب إخوتي المسيحيّين أن لا أمل ولا مستقبل للمنطقة وللمسلمين من دون الحضور المسيحيّ، الشاهد الأبرز على حضارة وثقافة وروح هذه المنطقة.

قل لهم يا صاحب السيادة انّنا لسنا بحاجة إلى حوار إسلاميّ- مسيحيّ، فنحن نعرف بعضنا. ما يحتاجه الغرب من معرفة بين الديانتَين لا يحتاجه هذا الشرق. شرقنا بحاجة إلى عيش واحد حقيقيّ.. شرقنا بحاجة إلى نظم تحمل قيم محبّة المسيح ورحمة محمّد.. شرقنا بحاجة إلى الإنسان، إلى وطن، إلى مستقبل، إلى شهادة عزّ واستقلال، إلى هواء وماء وعلم وعيش، إلى أحلام، إذحتّى الأحلام ضاقت علينا.. نحتاج إلى نفس محمّد والمسيح، لا إلى كلام ولاهوت ننسبهما كلّ يوم إلى محمّد والمسيح ونبدّلهما حسب مقتضيات المصالح الراهنة والسياسات المنحدرة.

أمّا عتبي، فلن أعلن عن كلّ عتبي.. والعتب في حكمة بلادي على قدر المحبّة..

ما أعلن عنه هنا أنّ وراء كلّ مصائبنا وفقرنا ووجعنا اثنين: أميركا وإسرائيل. فلمَ لا تحمل عصاك، ولا أقول سيفك، أو تلوّح لهما بأن تنكفئا وإلا.. وأنت أدرى بما يمكن أن تقول لهما لترتدعا عنّا، فلقد تعبنا.. وشعبنا لا يريد إلا العزّة التي لن نتخلّى عنها ولو صرنا كلّنا شهداء...

سلام عليك.. يا وجه دعوة السلام ولسانه المسيحيّ الأفصح.

كن لنا فصح ولادة تجمع أهل المحبّة لنتشارك في الدفاع عنّا.. نعم عنّا نحن الناس.. فلقد سئمنا من كلّ الذين يدافعون، أو يظنّون أنّهم يدافعون، عن الله.. والله يقول في محكم تنزيله (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)، لا أن ندافع عنه بل أن ندافع «عنّا» نحن أبناء الله والإنسان...

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


معهد المعارف الحكـميّة


Script executed in 0.19736814498901