أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

«أبو مازن» كان يعرف أنه مستهدف

السبت 20 تشرين الأول , 2012 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 3,773 زائر

«أبو مازن» كان يعرف أنه مستهدف

غادر وسام الحسن ولن يأتي بعد اليوم الى الطبقة السادسة في المديرية العامة لقوى الامن الداخلي، حيث كان مكتب من يعتبر الشخصية الأمنية الأقوى في لبنان. وهنا كان يوصل فيه نهاره بليله. ولطالما احتضن هذا المكتب، وحتى الأمس القريب جداً، شخصيات وسياسيين من كلّ الاشكال والألوان على ضفتي 8 و14 آذار وما بينهما. 

كان يدرك أنه ليس ضابطاً عادياً، وهذا ما يتطلبه موقعه على رأس ما كان يعتبره اهم جهاز أمني كان يصرّ على تسميته «شعبة المعلومات»، وليس «فرع المعلومات»، فهذه التسمية مزعجة له، وخطأ كبير، كان يسارع عند الوقوع فيه الى مقاطعة محدثه لتصحيح هذا الخطأ قبل إكمال الكلام: «إنها «شعبة المعلومات» وليس فرع المعلومات». 

لم يعتقد وسام الحسن يوماً من الأيام أن موقعه محل إجماع، وذلك بسبب الدعاية التحريضية التي كان ينظمها بعض السياسيين، ومع ذلك كان يردد امام بعض محادثيه: «أنا أدرك اكثر من غيري اهمية شعبة المعلومات، وحساسية الدور الذي تقوم به على كل الصعد، وليقولوا ما يريدون، وسواء اعجبهم ما نقوم به ام لم يعجبهم سنستمر فيه طالما نحن مقتنعون اننا نقوم بما يخدم مصلحة البلد»، ولعل اسعد ايام حياته كان توقيف فايز كرم بعد كشف تعامله مع الاسرائيليين. وأما إنجازه الأكـبر فكان توقيف ميشال سماحة. 

في الآونة الاخيرة، لم ينف أمام محدثيه أن اسمه مدرج على لائحة الاغتيال، هو وغيره، ولقد وزع نصائحه بتوخي الحيطة على كثير من السياسيين من وليد جنبلاط، الى سامي الجميل، الى فؤاد السنيورة، كما انه هو واحد من الذين نصحوا الرئيس سعد الحريري بمغادرة لبنان واتخاذ الاحتياطات اللازمة، وأما هو فكان مسكوناً بالحذر واليقظة وأعاد برمجة تحركاته بعيداً عن الأعين وأخفى مكان إقامته. وقد اسرّ منذ مدة الى بعض زواره وبجدية «هناك من أهدر دمنا، أنا و«اللواء» مستهدفان، ونحن كجهاز امني مستهدفون معنوياً وسياسياً وجسدياً وقد استهدفونا وقتلوا الرائد وسام عيد وآخرين، ليس لأننا لم ننفذ عملاً مسيساً منذ بدء مهمتنا، بل لأننا اخذنا دوراً أمنياً حقيقياً وحجماً أمنياً حقيقياً في البلد، كان ممنوعاً علينا من قبل.. هم يريدون قتلنا ونحن من جهتنا نأخذ احتياطاتنا، فهل نتركهم يقتلوننا». في تلك الفترة اعلنت قوى الامن عن إحباط محاولتي اغتيال كانتا تستهدفان اللواء ريفي والعميد الحسن. 

ولأنه كان يعرف انه شخصية غير محبوبة في 8 آذار وحلفاء سوريا، لم يتوقف كثيراً عند الهجمات الشخصية والاتهامات التي كانت تطاله «مهما قالوا فإن الحقيقة مش هيك.. ولننتظر المحكمة الدولية». وأما السوريون فهم برأيه أخطأوا كثيراً وهم أوصلوا الأمور الى ما وصلت اليه، لقد غلطوا مع الرئيس الشهيد وغلطوا كثيراً مع الرئيس سعد وهم من أقفلوا العلاقة معه، وأنا شخصياً التقاني الرئيس بشار الأسد ساعتين وكنا على وشك أن نفتح الصفحة، وهم أقفلوها وأنهوها بممارساتهم».. 

في احد اللقاءات الأخيرة معه منذ فترة قصيرة، قيل لوسام الحسن لماذا ترسلون السلاح الى المعارضة السورية فأجاب: ألا تلاحظ معي انهم يلصقون بنا كل الأعمال، ويتهموننا حتى باغتيال انفسنا، هم يجعلونني اصدق نفسي الى هذا الحد أنا قوي وقادر على إنجاز كل هذه المهمات؟. 

من يعرف وسام الحسن عن كثب، يعرف انّ الجديّة التي تبدو عنوانه الكامل، تخفي تحتها شخصية مجبولة بالبساطة والهدوء، ولأنّ الرتب تذهب وتجيء، كان يفضّل أن تناديه «ابو مازن» باسم ابنه البكر مازن، ابن السبع عشرة سنة، الذي يكبر ابنه الثاني «مجد» بقليل. فللعائلة الأولوية، ولذلك كان يسرق زيارات خاطفة الى مقر إقامة العائلة في فرنسا لقضاء بعض الوقت مع زوجته التي هي ابنة عمه «انّـا» وولديه الذين اضطرته الظروف الامنية الى إخراجهم من لبنان وإبعادهم عن دائرة الخطر. وكثيرا ما تمنى لو انه يعيش كغيره حياة طبيعية بلا إجراءات او تخفٍ او مخاطر. 

لم ينف يوماً ميله الى فريقه السياسي، بل لطالما قدم نفسه على انه من ضمن الحلقة الضيقة القريبة من الرئيس سعد الحريري: «أنا لا يمكن ان انسى فضل بيت الحريري علي». ولعل صورة الرئيس الشهيد رفيق الحريري في صدر مكتبه تعبر عن هذا الاتجاه، والتي تعلو صورة للرائد وسام عيد وضعها وسام الحسن على طاولة مواجهة له. وكثيراً ما استشهد امام محادثيه بـ«العمل الكبير» الذي قام به الرائد عيد، «ولهذا قتلوه». 

من قابله في الآونة الاخيرة أدرك أنه دخل منذ مدة في نظام تنحيف، إلا أن هذا النظام كان ليكون انفع وافعل لو تسنى له ارفاقه بممارسة هواية الصيد التي يحبها، وكثيرا ما مارسها مع صديقه القديم سليمان فرنجية، وبكثير من الفخر كان يتحدث عن حصيلة الصيد، ليس صيد العصافير بل صيد الوحوش ومنها الأسد الضخم المحنط الذي يضعه الى يمين مكتبه، والفهد المحنط الذي يضعه الى يساره. 

وسام الحسن ابن الـ47 عاماً، من مواليد بلدة بتوراتيج – الكورة، برز بداية كمدير للمراسم في رئاسة الحكومة في عهد حكومات الرئيس الراحل رفيق الحريري، وبعد استشهاد الرئيس الذي اكتشف قدراته عُين رئيساً لفرع المعلومات في العام 2006 وكان برتبة مقدم آنذاك، اوكلت اليه مهمة توقيف الضباط الاربعة، كذلك تولى توقيف مجـموعة مسلحة تنتمي إلى تنظيم «القاعدة»، وفي العام (2007) نال المقدم وسام الحسن قِدماً استثنائياً لعام واحد، بعد توقيف المشتبه في ارتكابهم جريمة عين علق وتمت ترقيته إلى رتبة عقيد. ومن ثم تم ترفيعه الى عميد نظراً الى الانجازات التي حققها، ولا سيما في موضوع توقيف شبكات التجسس الاسرائيلية والجماعات الارهابية وكشف العديد من الجرائم التي تخص الشأن الداخلي اللبناني. 

وقد اعتبر وسام الحسن، بعد ترفيعه الى رتبة عميد، من أبرز الشخصيات المرشحة لتولي منصب المدير العام لقوى الأمن الداخلي خلفاً للمدير الحالي اللواء اشرف ريفي بعد إحالته إلى سن التقاعد عام (2013). 

آخر ما تلقاه وسام الحسن، منذ مدة قصيرة، تنويهاً من اللواء اشرف ريفي جاء فيه: «الحسن ضابط عام ذكي ومقدام، ثابر منذ توليه رئاسة الشعبة على بذل الجهود الحثيثة وإعطاء الأوامر والتوجيهات المناسبة لمرؤوسيه، والإشراف على تنفيذها بالدقة المطلوبة وبشكل احترافي، لا سيما في مجال مكافحة الجرائم الارهابية، وقد أدى ذلك الى تفكيك اكثر من ست وثلاثين شبكة تجسس تعمل لمصلحة العدو الاسرائيلي، بالإضافة الى كشف هويات عدد من المخططين لارتكاب اعمال ارهابية بهدف زعزعة الامن والاستقرار في البلاد، كان آخرها كشف مخطط خطير لزرع المتفجرات وتنفيذ الاغتيالات في منطقة لبنان الشمالي، وتوقيف الرأس المدبر وإقامة الدليل على تورطه، وضبط كمية كبيرة من المتفجرات والعبوات الناسفة، ومبلغ كبير من المال كان مخصصاً لتسهيل عملية التنفيذ، مما أدى الى إحباط هذا المخطط الارهابي وتجنيب البلاد خطر الانزلاق في فتنة طائفية ومذهبية، فأعطى عمله صورة إيجابية ومشرفة عن قوى الامن الداخلي في مجال تأدية مهماتها، لا سيما في مجال مكافحة الجرائم الارهابية، وراكم من انجازات الشعبة وتضحياتها ما جعلها محط تقدير واحترام لدى الرأي العام والرؤسـاء على المستويات كافة، مدللا عن نهجه سلوك شجاع وحكيم وتمتعه برؤية استراتيجية في أدائه لمهماته، فاستحق التقدير».


Script executed in 0.18949484825134