أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

وسام الحسن ودّع بيته الثاني و«نام» قرب رفيق الحريري وجورجيت رحلت بصمت

الإثنين 22 تشرين الأول , 2012 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 4,160 زائر

وسام الحسن ودّع بيته الثاني و«نام» قرب رفيق الحريري وجورجيت رحلت بصمت

 

فارغة كانت ساحة الشهداء عند الساعة الحادية عشرة قبل الظهر، إلا من بعض المجموعات الشمالية التي وصلت باكراً، والتي كانت العصب الأساسي في تشييع الشهيدين اللواء وسام الحسن والمؤهل أول أحمد صهيوني. باعة الكعك يتصبّبون عرقاً. وجوههم تعبة وتجاعيدهم ترسم في طياتها حكايات من الزمن الغابر، ولكنهم يأبون الراحة، فهم ينتظرون مناسبات كهذه لتأمين قوتهم. وقفت القوى الأمنية حاجزاً بين المواطنين وضريح الرئيس رفيق الحريري. منعت الدخول الا لأفراد العائلة «المغدورة». دخول خطيبة أحد أقرباء اللواء أثار استياء البعض «نحن كلنا عائلته». وما زاد من التشنّج منع الناس من الدخول إلى المسجد للصلاة. لحظات ويصل خمسة شبان يحملون علماً لـ«الثورة السورية». وقفوا في الوسط ليكونوا قبلة للكاميرات «ليصورنا العالم ويظهر أننا ضد بشار ومع الثورة».

على الأرض جلس ابن عكار إلى جانب ابن الطريق الجديدة. جمع بينهما أمر حزبي. تبادلا القهوة والسيجارة، من دون أن يتكلما في السياسة. فجأة يعلو صوت المعتصمين، تنتقل الأجساد من رقعة الى أخرى لاعتقادها بأن سياسياً ما تواضع ليشاركهم وقفتهم، قبل أن يكتشفوا أن شباناً استغلوا وجود مراسلة أجنبية حولهم ليهيّصوا «يا ميقاتي نزال نزال هيدي الكرسي بدها رجال». يتحمس محمد للمشهد، هو أيضاً يريد التحدث الى «الأجنبية». لا شيء محدداً يقوله: «المهم أن تصورنا». بالقرب منه، لم تفهم سيدة سبب توزيع البعض أعلام دولة البرازيل: «هل لها علاقة بالثورة السورية؟ هل اتخذت مواقف داعمة لنا؟ ربما هم مغتربون أتوا ليقفوا الى جانب أهلهم في ظروف كهذه». تظل تطرح الأسئلة وتحللها. راحت وأتت مرات عدة، من دون أن تدرك لماذا رُفِعَ علم البرازيل في الساحة. على بعد أمتار يجلس رجل أضناه العمر. يهمه ألا يتضرر الموجودون من حرارة الشمس. يراقب من بعيد مجريات النهار. هو لا يبقى حتى إسدال الستارة، يكتفي بأن يرى الساحة قد امتلأت ليعود الى منزله في سن الفيل، «هكذا تعوّدت خلال مشاركتي في الاعتصامات كافة». على الحائط اتكأ شباب لا يريدون المشاركة في إطلاق الشعارات المطالبة بإسقاط نصرالله. همّهم الوحيد أن تلتفت إحدى النسوة ناحيتهم عند «التصفير» لها. منهم من «ضاع» عند رؤيته سائحات أجنبيات، أراد التقاط الصور الى جانبهنّ «من أجل أمه». يقول له رفيقه: «لا تحدثهنّ كثيراً، ربما كن مخابرات إسرائيلية». تلهّى «المتظاهرون» بأحاديثهم الخاصة، فلم يسمعوا المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي في كلمته التكريمية للحسن. رثا ريفي صديقه، تذكر يوم تعارفا، وودعه قائلاً: «كنت أرى كيف كنت تعمل على حافة الهاوية ولا وجود عندك للخوف، أما الخطوط الحمر عندك فهي حماية الوطن». صفّقوا له عند انتهاء كلمته، وأكملوا يتأففون من الحر. تأسفوا في ما بينهم للحشد القليل «إذا ما قيس بالتجمعات السابقة». ولكنهم ظلوا يتأملون خيراً أن يزيد العدد مع وصول النعشين. قبيل وصول الأخيرين، ساد هرج ومرج في الساحة. إنه الشيخ أحمد الأسير يصل من صيدا الى بيروت. يمرّ على المنصة، يدخل مباشرة الى مسجد محمد الأمين. غصّت المنصة بسياسيي المعارضة، إلا إدي أبي اللمع الذي فضّل الوقوف بعيداً مع دانيال سبيرو للثرثرة. تأهبت فرقة الموسيقى في الدرك، أقفلت القوى الأمنية جميع المنافذ. فعند الساعة الثالثة وصل جثمانا اللواء ومرافقه ليواريا في الثرى في مثواهما الأخير، إلى جانب الرئيس رفيق الحريري. أمّ المصلين مفتي طرابلس والشمال الشيخ مالك الشعار. فنادر الحريري، بحسب معلومات من داخل تيار المستقبل، اتصل بمفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني، وتمنّى عليه ألا يشارك في التشييع. الشعار قال بعد الصلاة على جثماني الشهيدين إن «شأن الأبطال أن يستشهدوا من أجل دولتهم». وتساءل عمّا إذا كان «الظالمون» يبغون خراب لبنان. قلّة ممن كانوا في الساحة شاركوا في الصلاة. الآخرون كان يسودهم هرج ومرج، والسبب، ما نقلته قناة «أم تي في» عن وصول الرئيس سعد الحريري إلى بيروت. تعزز «الخبر» بشائعة في الساحة تفيد بأن مرافقي الحريري موجودون خلف المسجد. «الشيخ سعد هنا... الله حريري طريق الجديدة... لبيك سعد الدين». خارج المسجد، ألقى النائب فؤاد السنيورة كلمة أكد فيها أن لا حديث قبل سقوط الحكومة الحالية. وتوجه الى الرئيس نجيب ميقاتي مطالباً إياه «بالخروج الى حيث يريدك اللبنانيون، وإلا فأنت متهم بالتغطية على المجرمين». الأدوار تبدلت، فالسنيورة الذي وقعت في عهده معظم الاغتيالات السياسية، وأقامت المعارضة السابقة اعتصامها الشهير لإسقاطه، يطالب اليوم باستقالة حليفه السابق. كل هذا الكلام السياسي كان محمولاً، فقلة من الناس التي تركز على المضمون. بقيت الأنفس هادئة، حتى اعتلى الإعلامي نديم قطيش المنصة وبدأ عملية التحريض. فتح فمه، ظناً منه أنه يملك القرار، فزحفت الجماهير إلى السرايا، قبل أن تقفل خائبة.

قبل ذلك، كان المحتشدون في الساحة، ينادون لنصرة السنّة. يريدون إلغاء «الشيعية»، يشتمون الأسد، ويتوعدون بأن يدخلوا سوريا «مرفوعي الرأس». بين هذه الحماسة كلها، لا وجود لوسام الحسن. لم يذكره أحد بكلمة. البعض حمل صورته ليتفيّأ بها، والبعض الآخر أراد أن يلفت نظر الكاميرات.


Script executed in 0.20083904266357