أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

الاتصال الأخير لوسام الحسن بالحريري: أنا في بيروت

الثلاثاء 23 تشرين الأول , 2012 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 3,030 زائر

الاتصال الأخير لوسام الحسن بالحريري: أنا في بيروت

يكفي الجيش اللبناني أن كل عائلة قابعة في دوامة الخوف، كانت تود أن ترمي الجيش بأكثر من وردة وحبة أرز. كانت تود أن تعانق كل عسكري يقتحم فوضى السلاح والمسلحين والطرق المقطوعة، من أجل توفير أمن يضمن إرسال طفل أو طفلة الى مدرسة وبلوغ موظف مركز عمله.

يكفي الجيش اللبناني فخراً أنه ما زال العنوان الجامع والصورة الجميلة. الجيش الذي لا يحتاج الى أكثر من قرار سياسي وهيبة ومعنويات. الجيش الذي لا يحتاج الى طائرات وصواريخ بقدر ما يحتاج الى إرادة وشجاعة، أظهر العسكريون أنهم أهل لها وأن شعبهم يستحق فرصة ومتنفساً، بدل أن يبقى أسير الحوار المفقود والاتهامات الجاهزة وهواة الانتحار السياسي ولو على حساب دماء أبرياء، لن يسأل أحد اليوم وغدا عنهم وعن أحوالهم.

يكفي الجيش اللبناني أنه يعيد بحضوره على الأرض، كل المعنى للعلم والبدلة المرقطة. يعيد للدولة شيئاً من صورتها بعدما كادت تضيع في غياهب دكاكين السلاح والمسلحين والمقنّعين الذين تسللوا واتخذوا من قضية استشهاد اللواء وسام الحسن، عنواناً، لاستباحة أمن لطالما جهدت مؤسسة قوى الأمن مع باقي المؤسسات الأمنية، في السعي الى تحصينه برغم الانقسام السياسي العميق داخليا وحجم الحريق الكبير من حول لبنان.

وبينما كانت الأشرفية تلملم لليوم الرابع على التوالي، آثارالجريمة، كشف مرجع واسع الاطلاع لـ«السفير»، أن فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي وضع يده على «داتا» الاتصالات التي أجراها اللواء الشهيد وسام الحسن، قبيل ساعات من استشهاده، وتحديداً منذ لحظة بلوغه أرض مطار بيروت مساء الخميس الماضي حتى لحظة الانفجار قبيل الثالثة من بعد ظهر يوم الجمعة الماضي.

وقال المرجع إنه بعيد وقوع الانفجار، طلب المدير العام لقوى الامن الداخلي اللواء أشرف ريفي من فرع المعلومات تزويده بالمعلومات تباعاً حول إمكان أن 

يكون هناك أي استهداف لشخصية معينة، وقد جاءته المعلومات أن لا شخصية مستهدفة، وفي الوقت نفسه، حاول ريفي الاتصال باللواء الحسن الذي كان يفترض أنه ما زال موجودا في باريس الى جانب عائلته، بعد عودته من برلين، فتبين له أن خط رئيس فرع المعلومات ما زال مقفلا، وقدر أن يكون في مكان لا يستطيع أن يتواصل معه.

وحوالي الساعة الرابعة، تلقى ريفي اتصالا من الرئيس سعد الحريري، وقال له «هل اطمأننت على وسام»، فأجابه ريفي: «وسام مسافر دولة الرئيس»، وعندها قال له الحريري: «وسام تحدث معي صباحا وطمأنني أنه وصل الى بيروت».

وعلى الفور، أرسل ريفي الفريق الذي يتولى تأمين مواكبة الشهيد الحسن، الى ساحة الانفجار، وعادوا اليه قبيل الخامسة تقريبا بساعة يده، ليدرك الجميع أن المستهدف هو وسام الحسن.

عندها، سارع ريفي الى إبلاغ كل من رئيس الحكومة نجيب ميقاتي والرئيس الحريري بأن وسام مفقود وعلى الأرجح أن يكون هو المستهدف بانفجار الأشرفية.

وكشف المرجع أن الحسن كان موضع مراقبة على الأرجح، ليس في بيروت وحدها، بل ربما تعرّض للمراقبة في برلين ومن بعدها في باريس، وحاليا، يجري التركيز على كل الأشخاص الذين تواصل معهم هاتفياً بعد عودته الى بيروت، وخاصة في يوم الانفجار، وهم أشخاص لا يتعدّون أصابع اليد الواحدة، وعلى الأرجح أنه كان سيلتقي أحدهم في مكتب سري كان يستخدمه في منطقة قريبة من مركز عمله في مقر المديرية العامة في أوتيل ديو.

في السياق نفسه، كشف اللواء ريفي عن الإمساك ببعض الخيوط «التي يمكن أن تقود الى كشف الجريمة»، مشيرا أمام وفد من نقابة المحررين أمس الى «ان السيارة المفخخة التي تم تفجيرها هي من طراز «تويوتا راف 4» مسروقة من أكثر من سنة وان الشهيد الحسن ومرافقه أحمد صهيوني كانا يستقلان سيارة عادية (مستأجرة) غير مصفحة من طراز «هوندا اكورد» للتمويه. 

وقال ان اللواء الشهيد كان عائدا من أحد المكاتب السرية في المنطقة، الذي كان يجتمع فيه مع بعض الاشخاص الذين يتعاونون معنا في مجال الامن أو إعطاء المعلومات، مشيرا الى انه شخصيا وبعض الضباط الامنيين القادة لديهم مكاتب سرية لكنها إجمالا تكون قريبة من مقر القيادة لسهولة الانتقال منها واليها، ويتم تغييرها كل فترة، ولا يدخلــها في العــادة إلا قلة قليلة من الاشخــاص المهمين بالنسبة الى عملــنا ونحن لا نزور هذه المكاتب كل يــوم بل كل أسبوعين أو ثلاثة، والشهيد وسام كان عنده موعد في هذا المكتـب ويبدو أنه كان مرصودا قبل تغيير المكتب.

ونفى ريفي صحة ما تردد عن حصول انفجارين، مشيرا الى حصول انفجار واحد، وان السيارة المفخخة كانت مركونة الى جانب الطريق وتم تفجيرها في لحظة قاتلة عند مرور السيارة بمحاذاتها تماما لأن الطريق فرعية وضيقة ولا يمكن القيادة بسرعة فيها.

من جهة ثانية، قال ريفي إنه بعد الاتفاق بين رئيس الحكومة ووزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون على تقديم مساعدة تقنية في التحقيق باغتيال الحسن، يصل وفد من مكتب التحقيقات الفدرالي الأميركي (اف بي آي) الى بيروت في غضون يومين أو ثلاثة أيام من أجل تقديم مساعدة في مجال الادلة الجنائية.

وأشار ريفي الى ان لقاء عقد، أمس، بينه وبين مسؤولين أمنيين في السفارة الاميركية في بيروت تم خلاله الاتفاق على تقديم هذه المساعدة «وقد نلنا موافقة المدعي العام التمييزي القاضي حاتم ماضي، بوصفه مشرفا على التحقيقات للشروع في ذلك».

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الاميركية مارك تونر ان فريقا من مكتب التحقيق الفيدرالي الاميركي سيتوجه الى لبنان لتقديم المساعدة في ما يتعلق  بالتحقيق في اغتيال اللواء الحسن.

وقال تونر في مؤتمر صحافي امس ان واشنطن تشعر بالقلق من تداعيات الصراع في سوريا على الأوضاع في لبنان. 

وحول التقارير التي أفادت بتشجيع الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا ميقاتي على البقاء في القيام بمهامه، قال تونر «إن ما تؤيده الولايات المتحدة هو عمل جميع القادة السياسيين في لبنان معا ومعالجة الشواغل المثارة بشأن هذا الهجوم»، مشيرا إلى أن هناك تحقيقات جارية، وأعرب عن تطلعه لإعلان النتائج واستعادة الهدوء في لبنان.

ولفت تونر الانتباه إلى أن كلينتون أكدت لميقاتي التزام الولايات المتحدة الثابت باستقرار لبنان واستقلاله وسيادته وأمنه. كما أكدت أهمية عمل القادة السياسيين معا في هذه المرحلة الحساسة لضمان أن يسود الهدوء لبنان وجلب المسؤولين عن الهجوم الذى أودى بحياة الحسن إلى العدالة.

بدوره، رأى الرئيس ميقاتي أن الهدف من عملية اغتيال الحسن هو زعزعة الاستقرار وضرب السلم الأهلي، مؤكدا متابعة التحقيقات في انفجار الأشرفية حتى النهاية كي تتجلى الحقيقة واضحة للعيان، وقال عبر حسابه على موقع «تويتر» ان «الوصول الى معرفة الحقيقة بتفجير الأشرفية هدفنا في أي موقع كنا فيه، فحياة الناس أمانة في أعناقنا».

وأضاف «القاصي والداني يعلم الصداقة الشخصية والمؤسساتية التي كانت تربطني بالمرحوم الشهيد اللواء الحسن»، معتبرا ان «التصرفات غير المسؤولة في الشارع تخدم مخطط المجرمين لإدخال البلد في دائرة الفوضى وجره الى الفتنة».

رسالة الجيش:

 الأمن خط أحمر

ميدانيا، ليس أبلغ من الرسالة التي وجهها الجيش، أمس، في تأكيده «أن الأمن خط أحمر»، وذلك في مواجهة عبث أمني ضرب في الساعات الثماني والأربعين الأخيرة، العاصمة بيروت ومناطق لبنانية أخرى أبرزها عاصمة الشمال.

هذه المرة اقترن قول الجيش بفعله، فتمكن من إعادة الهدوء إلى الأماكن التي كانت مسرحاً للاشتباكات، ولا سيما في محلة الطريق الجديدة، وفرض على المجموعات المسلحة الاختفاء من الشوارع في العاصمة ومعظم المناطق باستثناء الشمال.

وإذا كانت قيادة الجيش تدرك حساسية المهمة الملقاة على عاتقها، فإن إجماع القوى السياسية، وخاصة «تيار المستقبل» على رفع الغطاء عن أي مسلح على الأرض، أعطى المؤسسة العسكرية مساحة سارعت الى ترجمتها، أمس الأول، أمام السرايا الكبيرة، وفي الساعات الأخيرة، عبر تدابير حازمة، خاصة «في المناطق التي تشهد احتكاكات طائفية ومذهبية متصاعدة».

ولعل مسارعة الوحدات العسكرية إلى فرض الأمن، بالإضافة الى ما أكده قائد الجيش العماد جان قهوجي أمام العسكريين في بيروت بوجوب التصدي للفتنة وتشديده على الحفاظ على أرواح المدنيين وعلى عدم التساهل مع المخلّين بالأمن، قد طمأن المواطنين وساهم في خفض منسوب القلق والخوف لديهم، خاصة بعدما وجدوا أنفسهم فجأة ضحية مجموعة من العابثين بالأمن ومفتعلي الشغب والفوضى، وأهدافا للسلاح المتفلت، وللقناصة الذين أخذوا يصطادون المواطنين عشوائياً ودونما تفريق في ما بينهم. 

وفيما يواجه مجلس الأمن لحظة انقسام غير مسبوقة منذ انتهاء «الحرب الباردة» في مطلع التسعينيات، فإن لبنان تلقى أمس، جرعة دعم دولية، تبدت في «أبهى» حللها، عندما اجتمع ممثلو الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، في موكب واحد وصورة واحدة في القصر الجمهوري، دعماً للمؤسسات الشرعية وفي طليعتها حكومة ميقاتي، فضلا عن توجيه رسالة واضحة برفض وقوع لبنان في الفراغ وأن لا مانع من البحث عن صيغة حكومية جديدة، ولكن شرط أن يتم ذلك في إطار التشاور والتفاهم وضمن المؤسسات. 

وكان الوضع الأمني في بيروت قد هدأ، أمس، حيث تمكنت وحدات الجيش من فرض سيطرتها على أماكن التوتر في الطريق الجديدة وحرج بيروت. فيما شهد الطريق الساحلي في اتجاهي الجنوب والبقاع، بدءا من عصر أمس، حركة سير عادية.

أما في طرابلس، فقد استمرت المناوشات في بعض محاور التبانة وجبل محسن والقبة والريفا، فيما وسع الجيش دائرة انتشاره وأعاد تمركزه في العديد من النقاط الساخنة في محاولة لتبريدها، وبلغ عدد الضحايا الذين سقطوا في المواجهات العسكرية الضارية التي اندلعت في الأيام الأخيرة ثمانية قتلى و38 جريحا.


Script executed in 0.18509817123413