«شايف هيدا المفرق، ما تفوت منّو بعد الساعة 6»، يقطع حديث الفتى صوت السيارات المسرعة على أوتوستراد خلدة ـــ الجنوب مقابل مفرق «غولف مارت». لا يجرؤ الفتى على الإشارة بيديه إلى الطرقات التي لا ينبغي سلوكها بعد مغيب الشمس، لكن لو كان العصر عصر جِمَال، لاستأهلت نصيحته «جملاً»، هو ابن المنطقة ويعرف زواريبها شبراً شبراً. لطريق بيروت ــــ صيدا قرص في كلّ عرس. «قرص» على شكل إطار مشتعل يقطّع أوصال الشريط الساحلي، وشبّان غاضبون يقفلون طريقاً دولياً بأمه وأبيه. وحديثاً، مسلّحون منظّمون وآخرون عشوائيون يوقفون الناس على الهويّة. توقيف على الهوية! تبدو الفكرة قديمة للوهلة الأولى، قِدم الحرب الأهلية التي لم تنته. الحرب ليست في المتاريس وحدها، ولا في مهمّات الأخضر الإبراهيمي الذي أكلت طرقات لبنان من رجليه «شقفة» في الربع الأخير من القرن الماضي.
الحرب والخوف في أن يوقفك مراهق، في قدميه حذاء رياضي ويلفّ وجهه بشال ملوّن أو قناعٍ أسود، ليقول: أنت تمرّ، وأنت لا تمرّ. لا شكّ في أن توقّف اللبنانيين عن استعمال إخراج القيد أربك قطّاع الطرق، الطائفيين طبعاً. يمسك بطاقة هويّتك ويبدأ بالتحليل. إذا كنت من منطقة أو محافظة لا يُعرف عنها الصفاء المذهبي، يدقّق في اسمك أكثر، يراقب ملامح وجهك، ويستنبط بأي طريقة تعبد ربّك، وكيف تضع يديك حين تصلّي. هذا ليس في عام 1976 أو 1983 أو أي من حروب ما قبل الطائف. هذا حدث ويحدث على طريق الساحل الجنوبي.
لم تبدأ الحكاية في فورة 14 آذار الأخيرة بعد اغتيال العميد وسام الحسن. منذ أكثر من ثلاثة أشهر بات الطريق «مشبوهاً». فما إن تتجاوز حاجز الجيش اللبناني على مدخل صيدا الشمالي باتجاه بيروت، حتى ترتفع يدك إلى قلبك ويتسلّل الفزع إلى صدرك، إذا كانت البلاد تعيش خضة أمنية، أو حتى كهربائية. أمامك «قطوعات» كثيرة قبل بيروت: جدرا، وادي الزينة، مدخل برجا الجنوبي، جسر الناعمة ومدخل حارة الناعمة، مدخل دوحة الحصّ، مفرق «غولف مارت» في خلدة ومداخل دوحة عرمون وبشامون. من سيوقفني اليوم؟ ولأي سبب سأشعر بأني على حاجز لميليشيا من المراهقين الهائجين؟ لا يمكنك أن تعلم قبل أن تصل بيروت، «والله يستر».
أحداث نهاية الأسبوع الماضي كشفت واقعاً خطيراً على الساحل الجنوبي. سجّل أكثر من 36 اعتداءً على مواطنين قادمين عبر الأوتوستراد إلى بيروت، معظمها بالسكاكين والعصيّ والزجاجات الفارغة. ولم تقتصر الأمور على نهاية الأسبوع وحده. فقد تعرّض ليل أول من أمس شابان يحملان الجنسية السورية للضرب بالسكاكين في خلدة، وقبلهما عند الظهر شابان يسكنان المنطقة للضرب في أحد الزواريب الواصلة بين الخطّ البحري والأوتوستراد الدولي.
ليل الأحد، كانت الفوضى سيّدة الموقف في معظم النقاط الرئيسة على الساحل. بدأ قطع الطريق في خلدة عفويّاً عند نقطة «الكانتاكي» ولم يسجّل أي اعتداء. هذا ما لا يسري على جدرا أو الناعمة، إذ يؤكّد شهود عيان وأكثر من ضحيّة أن الطريق قطعت في جدرا بطريقة جدّ منظّمة، حيث عمد الغاضبون إلى وضع شاحنة في منتصف الطريق لإجبار المارة على التوقّف إلى جانب عددٍ من الإطارات المشتعلة. وبعد تجميع عددٍ من السيارات خلف الشاحنة، عمدوا إلى محاصرتهم من الخلف بشاحنة أخرى ليبدأ التدقيق في الهويّات. ينزلك غاضب من السيارة أنت وزوجتك وأولادك، ينهمر الزجاج على مقاعد السيّارة بعد ضربة عصا من غاضب آخر، يحاول قراءة هويّتك مرّة ثانية، لا يعجبه صمتك، وفجأة تخطر على باله فكرة: خمسين ألف وتمرّ، وإلا سنضربكم جميعاً. مهلاً، هذا الرجل من صيدا، دعه يمرّ. ولو كنت من صيدا، في أحسن الأحوال ستحصل على حسم. عشرون ألف ليرة تنجيك من ضربة على الرأس أو ربّما سكّين، وتنجي زوجتك من نزع حجابها عن رأسها. يقول معنيّون إن «العصابة» لم تفتح الطريق إلا بعد أن هدّدها الحزب التقدمي الاشتراكي بالتدخّل وإجبارها على فتح الطريق.
لم يسمع أحد بمحمّد د. وأحمد ر. الملقّب بعبّود أو أحمد س. وأمين س. ومحمد ز.، لا أحد يتبنّاهم. هم نزلوا «بالبراشوت» على خطّ الساحل ليعتدوا على المواطنين من دون أن يوقفهم أحد، تماماً كهشام هـ. الملقّب بهشام «سكّينة» في الناعمة. فاعليات منطقة الناعمة تتبرأ ممّن اعتدى على الأبرياء في البلدة. تيّار المستقبل لا يعرفهم! وإمام البلدة الشيخ طارق مزهر يرى أن الدولة وحدها المسؤولة عن ضبط الأمن، «نحن ضدّ قطع الطرقات بالإطارات المشتعلة، فكيف بالتوقيف على الهويّة وأخذ الخوّات؟».
هذا لا يعني عدم وجود السلاح. ليل الأحد ــــ الاثنين، جاب المسلّحون الملثّمون خطّ الساحل بطوله وعرضه على درّاجاتهم الناريّة مطلقين الرصاص العبثي في الهواء في أكثر من نقطة في الناعمة ودوحة الحص. من أين يأتي المسلّحون؟ لا أحد يعرف أيضاً، أو قل لا أحد يريد الاعتراف.
يشير أكثر من مصدر أمني إلى أن منسوب التوتّر في منطقة الساحل الجنوبي يرتفع بوتيرة لا تنبئ بالخير. بعد أحداث السابع من أيار، انهارت ميليشيا «سيكيور بلاس» من دون ضربة كفّ في خلدة ودوحة عرمون ودوحة الحص والناعمة، بعد أن كان تيّار المستقبل قد فرّغ في الشركة الأمنية أكثر من 400 شاب في المنطقة لمواجهة حزب الله، معظمهم لم يحصل على التدريب والتسليح الجيّدين. لكنّ تسارع الأحداث السوريّة وازدياد الاحتقان المذهبي فتحا باباً واسعاً للتسلح في منطقة ذات تداخل سكّاني مذهبي كبير.
يقتنع عدد ممن اضطر إلى تسليم سلاحه بأن أي معركة مقبلة في المنطقة لن تكون بالسهولة ذاتها، «لأن الطريق الساحلي منطقة ليست لحزب الله، ونحن نشعر بالظلم». في نظر هؤلاء، المستقبل استعملهم و«باعهم» عند أول فرصة، «ولا نضمن ألا يبيعنا مرة أخرى»، على أن عند هؤلاء أيضاً حظوة كبيرة للشيخ أحمد الأسير.
وبحسب المصادر الأمنية، فإن ما أمكن رصده وإحصاؤه من المسلحين الذين يتحرّكون بنحو دائم على الخط الساحلي في الآونة الأخيرة، يمكن تصنيفه ضمن ثلاث فئات: الفئة الأولى تحضن بقايا «سيكيور بلاس» وميليشيا المستقبل، وهي ما زالت ترتبط بالمستقبل وتخضع لأوامره، وهي فئة قليلة، تسليحها أقلّ من عادي، ولا تملك كفاءات قتاليّة. الفئة الثانية هي فئة جديدة بدأت تتطوّر مع تطوّر حالة الأسير، إذ يقوم شقيقه أمجد بتنظيم عددٍ من المجموعات الحديثة العهد في دوحة عرمون ودوحة الحص وحارة الناعمة، وهؤلاء مقاتلون عقائديّون يملكون تسليحاً جيّداً وتدريباً عالياً، حيث زار بعضهم سوريا في السنة الأخيرة وقاتل ضد الجيش السوري إلى جانب المعارضة. أما الفئة الثالثة، فهي فئة غير منظّمة، تحرّكها الفوضى، وتتحرك عفوياً عند كلّ تطوّر، وهي الفئة الأكثر انتشاراً، حيث تعتمد على السلاح الشخصي في حركتها. وجديد خطّ الساحل، ملاحظة جهات أمنية وجوداً حديثاً لمجموعة أو اثنتين على أكثر تقدير من «الجيش السوري الحرّ»، يقودها ضابط منشقّ برتبة نقيب، تتحرّك بين السعديّات والناعمة، ويتولّى أحمد د. الملقّب بـ«حدقّة» (سوري الجنسيّة) تنظيم حركتها وتأمين مستلزماتها، في حين دهم الجيش اللبناني، قبل أقل من شهر، أحد الأماكن في دوحة عرمون وصادر منه كمية من الأعتدة والبذلات العسكريّة التي تحمل شارات الجيش السوري الحرّ.
خطفوه وأعطوه 5000 ليرة
ليل الأحد الفائت، «عبّوني مسلحين بسيّارة من قدام البيت»، يقول الفتى بلال الفارس. بلال هو ابن محمد الفارس المعروف بأبو فراس. وأبو فراس يشارك كـ«ممثل للتيار السلفي» في اجتماع دوري تعقده بلديّة الشويفات بالتعاون مع استخبارات الجيش اللبناني لمختلف القوى الحزبية في الشويفات وخلدة. لا تبدو ملامح السلفيّة على أبو فراس، حتى إنه بلحيته الطويلة لم ينزع شاربيه، وسيجارة «الفايسروي» في يده ليست سلفيّة حتماً. وسبب اختيار الفارس ليمثّل السلفيين هو «أنني بمون على الشباب بالمنطقة».
في تفاصيل خطف بلال، يقول الشاب إن الخاطفين تعرّضوا له بالضرب والإهانة لأكثر من ساعة، ثمّ رموه في بقعة ما من منطقة الشويفات، وأعطوه خمسة آلاف ليرة ليعود إلى بيته. لجأت العائلة إلى القوى الأمنية. وإن كان الفاعل مجهولاً بالنسبة إلى الدولة، فهو ليس مجهولاً بالنسبة إليها: «إنّه حزب الله أو سرايا المقاومة اللبنانية». وفي رواية أخرى، أن مناصرين لحزب الله وجدوا بلال مرميّاً في صحراء الشويفات، فأعطوه المال ليعود إلى بيته.