رأى رئيس الحكومة نجيب ميقاتي في إدخال ملف النازحين من سوريا في دائرة التجاذب السياسي «تحاملا غير مبرر وتجنيا غير مقبول، من شأنه أن يترك انعكاسات سلبية على ملف النازحين». كلام ميقاتي جاء قبل الاجتماع الوزاري الذي عقد أمس في السرايا وشارك فيه وزراء التربية والتعليم العالي والدفاع الوطني والداخلية والبلديات والصحة العامة والشؤون الاجتماعية.
ميقاتي أكد على خطورة هذا الملف من خلال القول إن «فداحة الظرف تتطلب العمل الجدي والسريع للحصول على التمويل اللازم لاستمرار الأعمال الاغاثية واتخاذ القرارات المناسبة لمواجهة أي مستجدات محتملة قد ترغم الجهات المعنية على اتخاذ قرارات صعبة تتطلب إمكانات تفوق القدرة البشرية والمؤسساتية والمالية المتاحة للحكومة اللبنانية». ويأتي هذا الكلام قبل ساعات من انعقاد مجلس الوزراء الذي سيخصص لهذا الموضوع تحديداً.
في السياق نفسه، كان مقرّ «الأونروا» في صور أمس قبلة الاعتصام الذي نفذه عدد من سكان مخيمات منطقة صور والنازحين الفلسطينيين إليها، لمطالبتها ببذل واجباتها تجاههم وإطلاق خطة طوارئ. وبحسب مسؤول اللجان الأهلية في صور محمد الشولي، «على الأونروا تأمين إيواء للنازحين أو دفع بدلات الإيجار المرتفعة وتوزيع مواد إغاثة غذائية واستيعاب الطلاب منهم وتسهيل مرورهم والتمديد لإقاماتهم بالتنسيق مع الأمن العام». ففيما يقدّر عدد النازحين الفلسطينيين بسبب الأزمة السورية في لبنان بـ13 ألفاً، فإنهم يقدرون في مخيمات وتجمعات صور بحوالى 700 عائلة. علماً بأن الهيئات المحلية والدولية التي انبرت لدعم النازحين السوريين، لم تشمل في خططها الدخول إلى المخيمات ودعم النازحين الفلسطينيين.
المطالب ذاتها ترتفع من أهالي القرى التي تستقبل النازحين، كما هي الحال في قرى بنت جبيل التي يرتفع فيها العدد يوماً بعد يوم. مئات العائلات السورية باتت تعيش هناك، في ظلّ استيعاب عام من قبل الأهالي، والعمل على تقديم «يد العون اللازم لهذه العائلات المنكوبة» كما يجمع أبناء المنطقة. لكن هذا الاستيعاب لا يخفي علامات القلق من أن تخرج الأمور عن سيطرتهم «لا سيما في غياب الدولة عن تقديم يد العون، بالإضافة إلى غياب الرقابة الأمنية التي تحمي النازحين كما تحمي اللبنانيين على السواء».
هذه الهواجس بات كثيرون يعبّرون عنها. ويشرح محمد شري بأن السبب هو «العدد الكبير لهذه العائلات التي تسكن بيننا، الذي لا يمكن استيعاب المزيد منه على الإطلاق». وفي حين يسأل عن «إحصاء حقيقي لواقع هؤلاء المعيشي والسياسي» يؤكد على الشعور بالمسؤولية وضرورة تقديم المساعدات اللازمة لهم «في رعاية الدولة الغائبة بالمطلق».
تشير تقديرات المؤسسات العاملة مع النازحين إلى وجود ما يزيد على 1000 أسرة سورية تقيم اليوم في قرى قضاء بنت جبيل. وهو عدد قد يشكل كارثة اجتماعية على حد قول مسؤولة مركز الشؤون الاجتماعية في بنت جبيل ندى بزي لأن «معظم هذه العائلات فقيرة جداً وتحتاج إلى مساعدات مختلفة في منطقة تعاني أصلاً من الفقر والحرمان». توضح بزي أنه جرى اعتماد مركز الشؤون الاجتماعية في بنت جبيل، مع مركزي صور والنبطية، لإحصاء عدد العائلات السورية المقيمة، وملء استمارات خاصة بأحوالهم الاجتماعية والاقتصادية.
وأحصت هذه المراكز إلى ما قبل أسبوعين وجود 130 عائلة في بنت جبيل وحدها، و37 في بلدة عين إبل، و18 في رميش، ويزيد العدد في شقرا على الـ40 أسرة، ومثله في صفد البطيخ، وحوالى 70 عائلة في الطيبة في قضاء مرجعيون. تضاف إليها أعداد العمّال السوريين الموجودين أصلاً في المنطقة. واللافت أنه، في بعض القرى الصغيرة، زاد عدد المقيمين السوريين على عدد أبناء القرية نفسها. وتعتمد الإحصاءات التي تقوم بها مراكز الشؤون الاجتماعية بشكل شبه كلّي على إحصاءات المجالس البلدية، بهدف تقديمها لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، التي ستوزّع بطاقات مساعدة للعائلات المحتاجة، ومنها مساعدات عينية وأخرى تتعلق ببدل مازوت للتدفئة ومعاشات شهرية متواضعة، لا تزيد على 200 ألف ليرة. لكن المشكلة بحسب بزي تكمن في «وجود مركز واحد لمفوضية اللاجئين في بلدة الغازية، وهو الذي سيتابع أوضاع كلّ فرد من أفراد الأسر على حدة، الأمر الذي سيستغرق وقتاً طويلاً لإتمامه ومن ثم تقديم المساعدات المطلوبة، إن وجدت».
والمثير للاهتمام، برأي الأهالي، أنه رغم زيادة عدد العائلات السورية الى هذا الحد في القرى الحدودية، إلا أن لا أحداً من السوريين تعرّض للأذى، رغم انتماءات معظمهم السياسية المعارضة للجو السياسي الذي ينتمي إليه معظم أبناء هذه القرى. بل إن المشكلات المتنقلة التي تحصل في المنطقة، تنشب غالباً بين السوريين أنفسهم، لأسباب سياسية، كما يشير علي زين الدين (صفد البطيخ). يؤكد الرجل أن «البلدة تشهد كل فترة معارك طاحنة بالعصي والأيدي بين العمال السوريين لأسباب سياسية، حتى أن هذه المشكلات تحصل في الشوارع العامة، من دون أن يتدخل أحد من أبناء البلدة».
يشار إلى أن المدارس الرسمية الابتدائية هي من أوائل المستفيدين من وجود السوريين، كون الطلاب السوريين تسجلوا فيها، ما سمح باعادة الاعتبار لهذه المدارس التي نقص عدد طلابها سابقاً إلى حد إقفال عدد كبير منها. في المقابل، عمد مركز بنت جبيل إلى إقامة دورات في اللغة الانكليزية للطلاب السوريين المسجلين في مدارس بنت جبيل، وأقام نادياً للأطفال يؤمن التدريب على المهارات الفنية والتربوية والأشغال اليدوية.
شارك في التغطية:
داني الأمين وآمال خليل