السيارات المركونة في وسط الطريق تبدو كما لو أن سائقيها تركوها فجأة، تخلّوا عنها ولاذوا بالفرار في متاهات حيّ السلّم. يقف شاب عشريني يرتدي ثياباً مدنية، فوق حجارة ربما كانت، ذات يوم، رصيفاً. يتولى الشاب مهمة إنسانية: «انتبهوا، الطوفان يبدأ هناك»، يقول لسائقي السيارات وهو يلوّح بيديه.
تسير سيارة الأجرة، ببطء شديد، نحو الطوفان. ثمة سجادة خضراء تسبح في المستنقع، تتقاذفها أمواجٌ ترابية خفيفة. تتوقف الغيوم عن رمي الأمطار، وتعود الشمس للظهور يرافقها قوس قزح. تبدو ألوانه البديعة كاذبة: هنا بيوت مكدسة جنباً إلى جنب، تغمرها مياه باردة. في البيوت حزنٌ لا تشبه ألوانه تلك الألوان الجميلة.
عند مداخل منازل، جدرانها عارية من الطلاء، تحت شمس دافئة ستختفي بعد قليل، تتجمّع عائلات تراقب، بذهول، مشهد الطوفان. أبو نضال رجل خمسيني، يقف متوكئاً على عصا خشبية.
يقول بسخط: «شعبنا مجرّد من الأخلاق. النهر الملعون (يقصد ما يُعرف بنهر الغدير) أصبح مكاناً للنفايات. كل شخص يريد التخلص من خزانة، براد مهترئ، زوجة، ثياب، يقوم برميها في النهر. وها هي تطوف علينا!».
تستكمل سيارة الأجرة سيرها بالبطء ذاته. تختفي الشمس بهدوء، وتعود الغيوم الملبدة إلى الظهور فترمي أمطارها. يهرع رجل ثلاثيني، يعتمر كيساً من النايلون يثبته بيديه، إلى ركن مسقوف. يشتدّ دويّ المطر فينتزع الرجل الكيس ويرميه بغضب. يصل إلى الزاوية مستحماً بمياه نتنة. يحدّث نفسه، يشتم الهواء ربما.
موقف حيّ السلّم الشهير نجا من الطوفان. في الأيام العادية، كان يزدحم برتل من السيارات والحافلات المدرسية والعمومية، التي تنطلق من الساحة التي تقابله إلى أزقة حي السلم المتفرعة، والمشتتة في تيه مخيف.
لكن أمس، بدا الموقف، في ساعات بعد الظهر، وحيداً: أبنية متصدّعة تحاصره يميناً ويساراً، وهواء سريع يقتحمه قبل أن يتحوّل عواصف مجلجلة.
يشدّ رجل خمسيني المعطف على كتفيه، ويجلس على رصيف متكسرّ. يفرك يديه ويقول: «في كل عام، تتعامل الدولة مع العاصفة كما لو أنها تزورنا للمرة الأولى. ونلجأ نحن إلى تدابير منزلية ندرك سلفاً أنها لا تجدي نفعاً. تجتاحنا المياه في منازلنا، وتقفل الطرق وتطوف المياه، ثم ننتظر الزيارة الثانية».
يقف ويشير بأحد أصابعه إلى الشارع المقفر. يقول إن ساعات الصباح كانت أشبه بـ«جحيم. ربما يكون يوم القيامة مشابهاً: كانت السيارات متوقفة لساعات. ترجل ركابها وهم ضائعون. حافلات مدرسية وأطفال خائفون. عتمٌ. الزمن توقف في مكانه. إنها المرة الأولى، ربما، التي أشعر فيها بالخوف من وقوع بناية أو طيران سيارة في الهواء. يقولون إن عاصفة الغد (اليوم) أشدّ وأقوى».
تتداخل الأزقة في بعضها، وتبدو البيوت متشابهة، فتزيدُ من التيه. ثمة جرافة تابعة لـ«الدفاع المدني» تحاول إبعاد صخرة عملاقة. خلف الجرافة دورية تابعة لقوى الأمن الداخلي. عناصر الدورية موزّعون في الأزقة. يختفي الطوفان لبرهة، ويظهر جيشٌ من عمّال «سوكلين» في شارع موارب.
تستر المستنقعات الترابية عورات الشوارع وعيوبها: حفرٌ متفسخة تختبئ في الأسفل، تضرب السيارات وتباغت سائقيها. في حيّ السلّم الآلاف من الناس الفقراء. عاصفة الأمس أسكنتهم بيوتهم، والطوفان تجسّد لهم مثل إنسان يدبّ على قدمين. خافوه ولعنوا الدولة التي لم تحمهم منه قبل وصوله. دولة لا تجد من يستر عورتها.