أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

... واكتشفوا حيّ السلّم

الخميس 10 كانون الثاني , 2013 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 3,790 زائر

... واكتشفوا حيّ السلّم

راجانا حمية

تسأل الشابة الملفّحة «بتياب الله» (الكثير من الثياب) ذلك المنسي على حافة نهر الغدير «الطايف» في حي السلّم: كيف كانت ليلتك يا عمّ؟

بمَ يفترض أن يجيب المتعبون من الموت على سؤال مماثل؟ ربما، كان يجدر بتلك العابرة ـــ التي يبدو أنها تزور حي السلم للمرّة الأولى ـــ وغيرها ممن لا يزورون المنطقة إلا في حالات الكوارث، أن تنظر إلى القدمين الحافيتين المجبولتين بالوحول لتعرف الإجابة. أن تكتفي بالقول إن الرجل فقد لتوّه غرفة، يسميها بيتاً، بناها «على الأملاك العامة». الفارق بينه وبين غيره أنه بناها في حي «الفقر والتعتير»، فيما بناها غيره في «سوليدير» و«الصيفي».

هناك، في حي السلم ـــ منطقة نهر الغدير الذي أعلن منطقة منكوبة بعد 30 عاماً على النكبة، صار الفقراء بلا مأوى. «بجّ» النهر قبل ثلاثة أيام في بيوتهم، فهجّرهم إلى بيوت الجيران. المضحك في الحي الذي صار يصلح لمشهد فيلم سينمائي أن النهر يطوف كل عام وينكب ناساً كثيرين، إلا أن «الدولة لم تعلنه منكوباً إلا أمس»، تقول سعيدة درّة، السيدة التي «راح تعب» ابنها بالوحل. ورغم هذا الإعلان، لم تلتفت الدولة إلى هذا الحي بعد. مرت ثلاثة أيام «ولم يزرنا أحد من السياسيين»، باستثناء جرافات وزارة الأشغال العامة والنقل التي تنظف الطرقات ومجرى النهر، والكاميرات المتسابقة على صورة «حلوة». وحدهم «جماعة» حزب الله وحركة أمل، «حبتا المسك الشيعية»، كانوا «يساعدوننا في لملمة ما بقي من أغراضنا ومساعدتنا بالمنامة والخبز»، يقول محمد صوان، الرجل الذي كان بيته «أول الطايفين».

من هنا، من معمل سوكلين، تتبين ملامح الحي المنكوب. جرافات وشاحنات تقفل جزءاً من الخط المؤدي إلى الحي. وللمرة الأولى، عند «الباب»، يقف عناصر من شرطة بلدية الشويفات ـــ التي يتبع لها حي السلم عقارياً ـــ ينظمون سير العربات على الطريق الذي يصل الجزء الأعلى من الضاحية بالجزء السفلي منها. من سوكلين إلى عبّارة نهر الغدير، تبدأ الكارثة. أحشاء بيوت بقرت على الطرقات وفي مجرى النهر... والكثير من الغرف المهجورة. وعلى جانبي الطريق، وقف رجال البيوت يترقبون النهر «فكلما طاف بدنا نعزّل المياه من بيوتنا». داخل البيوت المشرّعة على الفقر، بإمكان العابر أن يرى كل شيء، حتى «شكل» الحيوات التي كانت هنا، والتي تشبه تماماً شكل الأثاث الموجود. ثمة قاسم مشترك بين كل هذه البيوت: سقوف «التوتيا»، حيث لا يوجد بيت بسقف باطون من دون زينكو. وعلى «سطوح» التوتيا هذه، طرحت أغراض البيت «كي تغسلها مياه الأمطار من الوحول»، تقول السيدة التي كانت منشغلة بعقد «أكياس النايلون» في قدمي ابنتها كي لا تتسخ من الوحول. تدلّ السيدة على أغراض أخرى مرمية على الأرض قائلة «هذه الأغراض لجيراننا، رموها لأنها لم تعد صالحة». أما الثياب، فلم يعد هناك حبال غسيل تتسع لها. كل شيء طاف هنا. تشير سعيدة صوان إلى حبل غسيل من عدة طبقات «هيدا جهاز عروس جديدة راح كله». و«تزورب» بين البيوت، متنقلة بين غرفة وأخرى «راح» كل شيء فيها هي الأخرى. تقول إنه منذ 20 عاماً «لم يمر مثل هذا الطوفان».

ثلاثة أيام، لم يعد في بيوت الحي «دومري». تهجّروا جميعاً ومن بقي منهم بلا مأوى «نام بسيارته أو باصه أو عند الجيران الذين لم تصل إلى بيوتهم الكثير من المياه». أمس، استطاعت ميادة حمزة أن تعبر إلى الدكان المجاور كي تجلب خبزاً «بعد ما ضلينا عم نركّ على ربطة واحدة اشتريناها من أحد البائعين بعدما علق باصه عند العبارة». أما الأكل، فمن «حواضر البيت، بطاطا وعدس ورز»، تتابع.

كان يمكن كلّ هذا أن لا يحدث لولا الغرفة التي بناها «فلان» (يسمّونه) على حافّة العبّارة منذ سنتين عندما بدأت طفرة العمار. يومها، طلب منه الجيران ألا يبنيها لأن النهر عندما يطوف «كان يمر من محل الغرفة وينزل صوب سوكلين»، يقول علي صوان. لكنه، أصر على ذلك. الآن، يتهم المنكوبون بعيشهم صاحب الغرفة بكل ما حدث. لهذا السبب، «تعاركنا أمس معه ووصلت لحدها وشعل الرصاص»، تقول درة. كان يمكن أن يموت أحدهم وسط الطوفان بسبب غرفة «يمكن لصاحب البيت أن يستغني عن الـ 100 دولار التي يجنيها من ورائها»، يقولون. لكن، لا هو كان سيستغني ولا السياسيون كانوا سيكترثون للموت إن حصل. وبعد أن يهدأ الطوفان، سينسى هؤلاء أن الغدير قد «بج» في بيوت الناس.


Script executed in 0.19242906570435