لامست الثلوج أمس شاطئ البحر في البترون. اختلطت الحصى بالوشاح الأبيض الخفيف الذي غمر الشاطئ الشمالي. كانت هذه أدنى نقطة وصلت إليها الثلوج، بعدما غزت كامل المناطق اللبنانية. وفي وقت يتوقع فيه أن تبدأ العاصفة بالانحسار تدريجاً اليوم، يستمرّ هطل الأمطار بشكل خفيف، وتتساقط الثلوج ابتداءً من 200 متر مع انخفاض إضافي بسيط في درجات الحرارة، ليصبح غائماً جزئياً غداً، مع بداية ارتفاع في درجات الحرارة التي تتراوح على الساحل بين 4 إلى 7 درجات، ومن درجة تحت الصفر إلى درجة فوق الجبال.
في ظلّ هذا الجوّ العاصف، حاول اللبنانيون تدبّر أمورهم، لا سيما في القرى الجبلية. منهم من تجرّأ على الخروج للعب بالثلج، فيما فضّل الكثيرون البقاء في منازلهم، قرب وسائل التدفئة التي جهدوا في إشعالها وتحميتها على الحطب أو المازوت، في ظلّ غياب كامل للكهرباء. سجن الأهالي في منازلهم المعتمة، المحرومة من التيار الكهربائي، ولم يجدوا سبيلاً إلى التسلية إلا برامج الإنترنت الهاتفية. حمل كلّ منهم جهازه الخلوي الحديث، وراح يشارك أصدقاءه أخبار الطقس أولاً بأول، بعدما أمنوا «مؤونتهم» من خدمة الـ3G. لم يحل الفقر الذي تعيشه عائلة عواضة في عيترون دون استخدامهم لخدمة «الواتس آب أو الفايسبوك». يشير محمد ( 13 سنة) ممازحاً إلى محاولة والده «ابتكار طريقة لاستخدام الإنترنت على الحطب». تماماً كما أمضى الأيام الأخيرة يبحث عن عيدان الحطب ليستمرّ بإشعال المدفأة. عواضة عمد أيضاً إلى وضع سخان المياه، الذي يستخدم عادة على الطاقة الكهربائية، على صوبا الحطب في زاوية غرفة الجلوس، قائلاً إن «انقطاع التيار الكهربائي المتوقع، وارتفاع أسعار المازوت، جعلاني أبتكر هذه الطريقة التي تدفئ أطفالي في الوقت الذي يجري فيه تسخين المياه على الحطب الذي أجمعه من الحقول».
في البقاع الشمالي، لم يجد السبعيني علي شريف جديداً في هذه العاصفة. يقول مبتسماً وهو يحرّك تلك الجمرات المتوهجة داخل وجاق الحطب القديم: «الله يبعث الخير... هيدا كله خير يا عمي... ما في جديد بهالعاصفة، في مثلها كثير مر علينا قديماً وأقوى وأقسى». فيض الدفء الذي يلف الغرفة الصغيرة يناقض المشهد القارس الذي يتسلل إلى النظر من زجاج النافذة الشفاف، حيث تتساقط «رقع» الثلج بهدوء، فيما يلفّ الغطاء الأبيض الأفق بأكمله. ما يزيد الشعور بالدفء عدم القدرة على الفرار من حسن الضيافة. فشرائح البطاطا المشوية على الوجاق وإلى جانبها وجبة الكشك بقاورما، تكاد تفتك بما تبقى من برودة. ابن بلدة اليمونة أتقن وعائلته الاستعداد لدفء الشتاء، فوضّب منذ الصيف حطب السنديان والتفاح، مشيراً إلى أن دفء الحطب «لا يعلى عليه، ولا يمكن مقارنته بالمازوت، اللي ما بيكفي إنو غالي، كمان عم يغشوه حتى صار ما بيدفي».
يدرك أهالي اليمونة، كما غيرهم من أهالي القرى البقاعية الجبلية، أن العاصفة كما سابقاتها ستحتجزهم وستعزلهم عن محيطهم لأيام، لكنهم في المقابل لا يشعرون بالخطورة، «باستثناء الحالات المرضية الطارئة، والله يبعد السخونة وكله هيّن»، بحسب ما تقول زينب شريف. تشير إلى أن البيوتات البقاعية تستعد نهاية كل صيف لمثل هذه الأيام الصعبة بالمؤونة الشتوية اللازمة وبعض الأدوية الضرورية، خصوصاً أن البلدة محرومة من كل شيء، حتى من مستوصف يوفر العلاج السريع لحالات مرضية عاجلة. تستطرد «الدولة شاطرة بس يطلعونا خارجين عن القانون ومنزرع حشيشة، فيما منطقة غربي بعلبك ما فيها مستشفى. مريضنا بموت ع الطريق قبل ما يوصل».
وإذا كانت بعض العائلات البقاعية قد استعدت لدفء شتائها، فإن بعضها الآخر اعتمد مبدأ التدفئة بالتقسيط وبطريقة الغالون البلاستيكي الصغير (10 ليترات). أبو أحمد المقيم في بعلبك من هؤلاء. يضطر إلى توفير مازوت التدفئة بالغالون «كل ما توفر شي قرشين معنا ويسّرها ربك، والإيام البقية على شوية أغصان وحطب أحصل عليهم». يشكو الرجل من نوعية المازوت الأخضر المتوافر حالياً في محطات البقاع، كاشفاً عن استغلال بعض أصحاب المحطات للعاصفة وزيادة سعر التنكة بألف ليرة عن سعر جدول الأسعار.
وكانت الثلوج الكثيفة التي تساقطت على البقاع سبّبت أمس عزل عشرات القرى، وخصوصاً التي ترتفع عن سطح البحر ما فوق الألف متر، فيما سبّبت شللاً تاماً في الاسواق التجارية، وتراجعت حركة السير من دمشق الى البقاع عبر منطقة المصنع الى حدود الصفر، وغطّت الثلوج تجمعات للاجئين السوريين في المرج وعرب الفاعور.
وسبّبت الثلوج وموجة الصقيع مقتل المواطن اللبناني محمد قعدان (43 عاماً) داخل خيمة في بلدة تعلبايا. وألحقت خسائر فادحة في شبكة التيار الكهربائي حيث تعاني عشرات القرى البقاعية من انقطاع تام في التغذية الكهربائية.
لم تغب العاصفة عن جلسة مجلس الوزراء الذي قرّر إعطاء الهيئة العليا للإغاثة 3 مليارات ليرة لضحايا الأضرار جراء العاصفة. وقد أشاد رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي بالإجراءات المتخذة من قبل الوزارات المعنية في مواكبة العاصفة، خصوصاً أن مثل هذه العواصف تحصل في بلدان أخرى وما زلنا في أول الموسم، ما يعني إمكانية عودة مثل هذه العواصف في وقت لاحق»، مؤكداً أنه «ستكون هناك سلسلة من الإجراءات لإحصاء الأضرار الناجمة عن العاصفة».
شارك في التغطية:
داني الأمين، رامح حمية، عفيف دياب
خسائر العطلة
مدّد وزير التربية والتعليم العالي حسان دياب (حسان دياب) فترة إقفال المدارس الرسمية والخاصة على اختلاف أنواعها ومراحلها إلى اليوم بسبب استمرار العاصفة الثلجية.
القرار الذي أثنى عليه الكثيرون، لم يمرّ من دون تعليقات اختلط فيها المزح بالجد، لا سيما في أوساط الأساتذة المتعاقدين. يقول أحدهم «صحيح أن الطقس عاصف، لكن هذا يحدث كل عام. لقد حرمنا لأربعة أيام من العمل. لن تسجّل ساعاتنا، وهذا ما يحرم كلّ مدرّس حوالى 300 دولار أميركي». يضيف بجدية «كما أن بقاء الأولاد في المنزل يعني تأمين المازوت طيلة النهار والليل، لذلك نطالب الوزير بالتعويض».
خسائر العطلة
مدّد وزير التربية والتعليم العالي حسان دياب (حسان دياب) فترة إقفال المدارس الرسمية والخاصة على اختلاف أنواعها ومراحلها إلى اليوم بسبب استمرار العاصفة الثلجية.
القرار الذي أثنى عليه الكثيرون، لم يمرّ من دون تعليقات اختلط فيها المزح بالجد، لا سيما في أوساط الأساتذة المتعاقدين. يقول أحدهم «صحيح أن الطقس عاصف، لكن هذا يحدث كل عام. لقد حرمنا لأربعة أيام من العمل. لن تسجّل ساعاتنا، وهذا ما يحرم كلّ مدرّس حوالى 300 دولار أميركي». يضيف بجدية «كما أن بقاء الأولاد في المنزل يعني تأمين المازوت طيلة النهار والليل، لذلك نطالب الوزير بالتعويض».