في بلاد جبيل فريسة يسهل الانقضاض عليها عند كل استحقاق انتخابي. يصبح «الصوت الشيعي»، كل أربع سنوات، مادة سجالية، وكأن الجبيليين الشيعة «جَلَب». في غير أوقات الاستحقاقات لا يجدون من يذكرهم. هم دائما متهمون، اما بالسعي الى التغيير الديموغرافي أو بالاعتداء على أراضي المسيحيين. حتى التيار الوطني الحر، ممثل القضاء في مجلس النواب، يعزل نفسه عن انماء مناطقهم. يخشاهم المسيحيون، أو هذا على الأقل ما يوحي به منسق الامانة العامة لقوى 14 آذار نائب جبيل السابق فارس سعيد. أما الحقيقة فهي أن الجميع يأكلون الحصرم وشيعة جبيل يضرسون.
بيبلوس شيعية
تاريخياً، كان الشيعة هم السكان الأصليين في كسروان وجبيل. نحو ثلث قرى جبيل البالغ عددها 45 كان شيعياً، فيما تقاسموا مع المسيحيين قرى بجة وطورزيا وجاج. عانوا من تمييز ضدهم إبان الحكم العثماني، ومن مصادرة أراضيهم تحت الاحتلال الفرنسي. اليوم، لم يعودوا يشكلون أكثرية، ومعظم من بقي منهم يتمركزون في وسط القضاء، وفي الجرد (عائلات مقداد وزعيتر وبرو في مناطق لاسا وأفقا وعين الغويبة). ولا يخلو الساحل من نحو 800 ناخب شيعي صوّت معظمهم ضد اللائحة المدعومة من التيار الوطني الحر في الانتخابات البلدية في 2009. وحتى في قرية رئيس الجمهورية ميشال سليمان، عمشيت، حي شيعي هو «حي كفرسال» الذي يبلغ عدد ناخبيه نحو 450 صوتاً.
لم تتغير كثيرا الطريق التي تربط المناطق الجبيلية الشيعية بعضها ببعض. الزفت وصل الى الطريق الرئيسية فقط، أما الفرعية فقد تعايشت، ولا تزال، مع الحفر. لا انماء ولا من «ينمّون» ولا خدمات ولا من يخدمون، رغم وجود مؤسسات تابعة لحزب الله. يشعر شيعة جبيل بالغبن الانمائي، رغم استلام «الحليف السياسي» معظم الوزارات. أصواتهم «في الجيبة»، لذا لا ضير من تحويل الخدمات الى مناطق اخرى.
يقرّ رئيس بلدية رأس أسطا علي محمد حيدر بوجود مشكلة على صعيد تعبيد الطرقات: «عملت وزارة الاشغال العامة على الطريق في منطقتنا، ولكن قيل لنا ان الاشغال توقفت بطلب من رئيس الجمهورية لاستكمالها عندما يحين موعد الانتخابات النيابية». أكثر ما يحتاج اليه الاهالي هو المياه التي «قلما تصل». كما يعانون من «تقنين الكهرباء». يقول حيدر «ان غياب المؤسسات الحيوية يدفع الشباب الى النزوح باتجاه الضاحية، ما يعيق تطور» هذه المناطق، رغم تأكيده وجود تنسيق تام بين التيار الوطني الحر وحزب الله على مستوى الخدمات.
رئيس بلدية لاسا عصام المقداد يقول متهكماً: «ما في شي بالمناطق الشيعية». أما النقمة الكبرى فهي في الحصون، حيث يقول رئيس بلديتها محمد أبي حيدر إن المياه لا تصل «الا ثماني ساعات كل يومين، أغلقنا الطريق مجبرين وزارة الاشغال على تزفيتها». أما الحرمان فسببه النواب «المتقاعسون عن عملهم وخاصة الحاج عباس الهاشم». يقول المرشح السابق مصطفى الحسيني إن حزب الله يعتبر الناس في جبيل «هامشيين»، ليعود ويستخدم تعبير «شيعة الاطراف». يشرح أن المساعدات لا تصل الى بلاد الحرف، «العز كله للجنوب والبقاع، والضاحية». يقول إن الخدمات قليلة، «والمساعدات صفر، الدفع فقط في زمن الانتخابات». تؤثر هذه النقمة الانمائية على نائبهم هاشم. تنسحب عليه على اعتبار أنهم يعتقدون أنه لم يستطع خدمة أهله كما يجب، وأنه بعيد عن ناسه، ويتعامل معهم بفوقية. ينكر أحد المقربين منه هذا الكلام، «من لا يعرفه يجهله». يقول إن هاشم أصبح «قديماً، أي ما الذي سيقدمه أكثر من ذلك؟».
أديب علام: المكتب الثاني
لا يمر اسم القاضي أديب علام مرور الكرام في جبيل، وخاصة في القرى الشيعية. يتذكرونه جيدا، وفي كل منزل لا بد من الرجوع اليه قبل البدء بأي حديث سياسي. هو الذي كان يجمع العائلات الصغيرة تحت جناحيه، ويحركها كالدومينو كما يرتئي. جمعت علام بالسوريين علاقة جيدة جدا، فكان عمله يشبه الى حد بعيد عمل الاستخبارات لدرجة أطلق عليه لقب «المكتب الثاني». في العام 1992، زمن المقاطعة للانتخابات النيابية، قام علام بتزكية النائب السابق محمود عواد، الذي فاز وقتها بدعم من السوريين مستفيدا من مقاطعة شريحة كبيرة من المقترعين. اختلف الوضع في العام 1996. وقعت القطيعة بين الثنائي عواد ـــ علام، فتخلى الاخير عن طبيب التجميل مزكيا النائب عباس هاشم، الذي لم يحالفه الحظ. رشح حزب الله المهندس جهاد حيدر الذي حصل وقتها على قرابة الـ1500 صوت (الامر الذي يدل على ضعف الحزب في حينه). مع اغتيال الرئيس رفيق الحريري وخروج السوريين من لبنان، تحول هاشم الى عوني الهوى، لا بل أصبح ينافس رئيس التيار ميشال عون في هذا الغرام. انقسم يومها الصوت الشيعي. عارضت حركة أمل ترشيح الهاشم، فيما تمسك به الحزب مزكيا اسمه لدى العماد عون. مالت الدفة الشيعية باتجاه اللائحة البرتقالية بسبب الخطاب الطائفي الذي أطلقه النائب السابق فارس سعيد. أجبرهم الاخير على أن يصطفوا بكل قواهم ضده، نظرا لتأجيجه الانقسام الطائفي، ولترهيب شركائهم الجبيليين منهم. أصبح الاصطفاف أكثر حدة في الـ2009. قرابة الـ10000 شيعي «صبوا صبة واحدة» في صناديق الاقتراع، «والحق كلو على فارس». يجمعون على محبة واحترام والدته «الست نهاد»، لكن منسق الأمانة العامة مكروه عند شيعة جبيل على اختلاف توجهاتهم السياسية. نعم، هناك تعددية سياسية في جبيل. ليسوا كلهم منتسبين الى الحزب أو يؤيدون طروحاته، على عكس الاعتقاد السائد، يتوزعون على الاحزاب السياسية كلها. هناك اليساري، والمغرم بزعامة الرئيس نبيه بري، والمؤيد لقوى 14 آذار. ولكن يندر العثور بينهم على من يحبّ سعيد.
حزب الله يمثل الشيعة
يفصل المواطنون بين حزب الله والمقاومة. الجزء الاكبر منهم ليس مع حزب الله كعقيدة، وكمناد بولاية الفقيه، والسبب انفتاحهم وعدم تدينهم بالمطلق. ولكنهم «حتى الرمق الاخير مع المقاومة ومع ممثل وحامي الشيعة في المنطقة خاصة في ظل الخطاب الطائفي والتهويل الذي تعلو نبرته كل فترة»، حسب ما يقول كثر منهم لـ«الأخبار». اذاً، يؤيد الناس سياسة المقاومة، ويرحبون بالتحالف بين أمل والحزب لا لشيء الا لمواجهة من ينكل بهم. لا وجود لأي تحركات انتخابية في القرى، لكن بدأ الطامحون الى كرسي النيابة يتحضرون لمواجهة بعضهم. في صف رئيس الجمهورية يتنافس السيد مصطفى الحسيني والنائب السابق محمود عواد. يرتاح الحسيني في مكتبه، يسخر من كل من يفكر أن باستطاعته تمثيل الشيعة غيره. يؤمن أن الرئيس لن يتركه يصارع وحده، هو الذي لا هوية لعائلته «منذ أيام أحمد الحسيني الا رئاسة الجمهورية». يعول على أن «أكثر من ثلث الشيعة مستقلون، وهم لا ضمانة لهم الا الرئاسة». يتمنى أن تخفف الانتخابات المقبلة من الشرخ الشيعي «الذي تسببت فيه الانتخابات السابقة». بين الفكرة والاخرى يتغنى بدور الرئيس «وبقدرته على المحافظة على علاقة الشيعة مع جيرانهم». كل هذا في ظل توافر معلومات لـ«الأخبار» من زوار قصر بعبدا، أن سليمان قد انتدب عواد ممثلا عنه في بلاد جبيل. يؤكد هذا الاخير ترشحه ولكن «من دون تحديد الجهة». يشدد على أن لا أحد يمكنه اجراء انتخابات من دون الشيعة، «لا بل أكثر، لا أحد يكسب معركة من دونهم». يتهكم من عمل قوى 14 آذار، «لا أحد منهم يشتغل سياسة، يتلطون وراء الـTwitter». يؤكد أنه لا أحد غيره قادر على الحصول على أكثرية أصوات الجبيليين على اختلاف مذاهبهم، تبقى مشكلة «حزب الله الذي يستغل الجو العام عبر زيارات الحج، ومجالس العزاء في عاشوراء، والحس الشيعي عند الناس».
على الضفة الأخرى، تعاني قوى 14 آذار من معضلة ايجاد مرشح، بعدما حرمها «زعيم قرطبا» هذا الشرف. لم يعد أحد يجرؤ على طرح نفسه ممثلا لهذا الخط. أما عونياً، فهاشم واثق بنفسه جدا: «أنا أشكل حالة توافق بين العائلات الشيعية، والدليل على ذلك الاصوات التي صبت بأكثريتها معي رغم أن الحزب وقف في العام 2000 ضدي، وكذلك الرئيس اميل لحود والحسيني. وأيضاً يوم وقفت حركة أمل ضدي في العام 2009». يتحفظ عن الكلام عن الخلاف بينه وبين النائب سيمون أبي رميا: «لن أتحدث قبل العام 2013». بيد أنه يؤكد أن الدعايات السلبية التي يحيكها «رجال» هذا الاخير ضده «تؤذيهم هم». متسائلا ان كان لهذا السبب توقفت الحملات ضده منذ فترة.
هذه الاسماء وغيرها بدأت تطرح نفسها على الساحة، معتبرة أنها هي الوجه الذي يجب أن يطل به الشيعة على المجتمع الجبيلي، لكن من يمثل الشيعة في جبيل؟ يقول أحد السياسيين المعارضين لخط قوى الثامن من آذار، إن «الذي يرشحه تحالف أمل ــ حزب الله يمثل الشيعة». يؤكد أنه رغم كل شيء: «الحزب لن يتخلى عن هاشم لعدة أسباب»: في السياسة «لم يخطئ، بقي وفيا لهذا الخط». في الاعمال، معظم مصالح الحاج في الضاحية وبالتالي «هناك تعاون بين الطرفين». أما دينياً، فهاشم ملتزم «ودائما ما يؤدي فروضه». لم تؤكد قيادة الحزب في جبيل هذا الكلام أو تنفه، فقد تعذر الاتصال بالمهندس حسن المقداد بعد أن تخلف أكثر من مرة عن موعده مع «الأخبار».
هاشم والوقف الشيعي
غالباً ما يُربط اسم النائب عباس هاشم في منطقة جبيل بقضية استئجار أرض الوقف الشيعي لقاء مبالغ زهيدة. يُقال إنه نسج شبكة من المصالح والعلاقات مع نافذين في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، مكنته من الحصول على عقود إيجار بدلاتها لا تُذكر. ينفي هاشم هذا الأمر. يقول إن جل ما في القضية مرتبط بعقار في بلدة الحصون، أرض لوقف المجلس الاسلامي الشيعي. استأجرها محمد هاشم، شقيق النائب هاشم، في العام 2009 من المجلس الشيعي بمبلغ 75 مليون ليرة ولمدة 75 سنة. «كان الهدف بالاساس اقامة مسجد على الارض». سجل الايجار باسم ورثة علي الهاشم في حين أن ملكية الارض باسم المجلس الاسلامي الشيعي. الارض قريبة من منزل رئيس بلدية الحصون، «وكان يشغلها لاغراض خاصة» كما قال هاشم.
رفض حيدر اعطاءه الترخيص باعتبار أن قطعة الارض تعود الى «جدي ونحن نريد استعادتها لاستعمالها». بعدما تضخمت الامور بين الطرفين، عقد اجتماع عند الشيخ عبد الامير قبلان اتفق في نهايته على المباشرة ببناء المسجد الذي وضعت له خرائط نموذجية وعصرية. يقول هاشم إن الاعمال ستستكمل. هذا الكلام ينكره رئيس البلدية الذي يقول إنه لن يسمح لأي كان باستكمال الاعمال «وذلك بعد الحصول على بركة المفتي قبلان»، في حين يقول أحد المقربين من الاثنين والذي رفض الكشف عن اسمه أنه «بفعل عدة تدخلات من قبل قيادة حركة أمل المحلية منع محمد من وضع الاثاث. أما اسم النائب هاشم فقد زُج في الموضوع بفعل الاستغلال السياسي».