مرة جديدة يكون قاضي التحقيق العسكري، عماد الزين، على موعد مع طلب الإعدام لأحد عملاء العدو. ففي قرار ظني، أصدره أول من أمس، طلب عقوبة الإعدام للمقدم الفارّ من الجيش اللبناني ض. ج. (64 عاماً). المتهم فارّ إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، منذ عام 2009، وذلك أثناء الحقبة التي شهدت تهاوي شبكات العملاء لإسرائيل.
وبحسب ما علمت «الأخبار»، فإن المتهم كان على تواصل مع الاستخبارات الإسرائيلية (الموساد) منذ عام 2004، وكان لديه تواصل مع مشغليه أثناء العدوان على لبنان عام 2006. وبعد فراره من الخدمة، خوفاً من توقيفه، قامت الأجهزة الأمنية بالتحرّي عن حركة اتصالاته، ليتبيّن أنه كان يتواصل مع «الموساد» عبر هاتفه الخلوي، وأحياناً عبر الهاتف الثابت. أخذت التحقيقات مدّة طويلة نسبياً لتكتمل المعطيات، قبل أن تُحال القضية على القضاء العسكري. وبحسب ما أظهرت التحقيقات، فإن المتهم التقى بمشغّليه الإسرائيليين في منطقة حدودية جنوبية، وكذلك التقى بهم مرّة أخرى في إحدى مناطق الشمال. يُشار إلى أن الضابط المتهم، قبل فراره، كان يتواصل مع قوات الطوارئ (اليونيفيل) في الجنوب بحكم عمله، ويُرجّح أن يكون استفاد من هذا العمل لتواصله مع الإسرائيليين، خاصة في المرّة التي التقى فيها مشغليه في المنطقة الحدودية.
بعد إحالة ملفه على القضاء العسكري، أصدر القاضي الزين مذكرة توقيف بحقه، ليصدر بعدها قراره الظني. إذاً، أحيل المتهم على المحكمة العسكرية الدائمة لمحاكمته، وذلك سنداً للمواد 274 / 275 / 278 من قانون العقوبات. هذه المواد تصل عقوبتها إلى الإعدام. أحد المسؤولين القضائيين لفت إلى أن هذه العقوبة «هي أقسى ما يمكن أن ينزل بمتهم بالعمالة لإسرائيل، إذ لا يجوز أن يكون هناك أي تساهل في هذا الأمر، لأنه لا يوجد، ومن وحي الدستور، موضوع يجب التشدّد فيه كموضوع التعامل مع إسرائيل، من منطق المصلحة الوطنية العليا». ويلفت المصدر نفسه إلى أن «قسماً كبيراً من المواطنين ضعفت ثقتهم بقضاء دولتهم، في الآونة الأخيرة تحديداً، مع إخلاء سبيل المحكوم بالعمالة شربل قزي، وسواه من العملاء، وبالتالي لا بد اليوم من استعادة ثقة الناس بالقضاء... على الجميع، وكل من موقعه، وعدم السماح بأن تمر عبارات من قبيل أن القضاء يشرعن العمالة، ففي هذا التعميم الكثير من الظلم لكثير من القضاة».
مسؤول قضائي آخر يلفت إلى ما تقوم به فرنسا هذه الأيام، لجهة تعاملها مع المناضل جورج عبدالله حيث «لم تسمح له بعد بمغادرة أراضيها رغم موافقة القضاء، وذلك بحسب اقتناع هذه الدولة، يتعلق بمراعاة مصلحتها العليا». يعطي المسؤول نموذج فرنسا تحديداً، لكون القضاة اللبنانيين على صلة بقوانين تلك الدولة التي استوحيت من قوانينها أكثر القوانين اللبنانية، وبالتالي «على قضاتنا أخذ العبرة بأن ثمة فكرة أصيلة اسمها المصلحة العليا، ولا بد من مراعاتها، وفي لبنان لا تجد مصداقاً لها أكثر من موضوع الخطر الإسرائيلي». بالنسبة إلى فرنسا يمكن الاستفادة من مبرر «مصلحة الدولة العليا» للتدخل عسكرياً في مالي، ولتنفيذ عمليات كومندوس في الصومال، وطبعاً قتل أبرياء «عن طريق الخطأ».
يُذكر أن ثمة قضايا لعدد من المشتبه فيهم بالتعامل مع العدو ما زالت عالقة لدى القضاء العسكري من دون قرارات ظنية، غير أن أحد المعنيين يؤكد لـ«الأخبار» أن «هذه القضايا ستكون لها الأولوية، وستشهد المرحلة المقبلة العديد من القرارات الظنية، وستكون العقوبات المطلوبة مشددة».
إلى ذلك، يُشار إلى أنه بعد صدور قرار القاضي الزين بالإعدام لقتلة المقاوم غالب عوالي، مطلع الشهر الجاري، شهدت مواقع التواصل الاجتماعي على الإنترنت حملة تأييد له. إحدى الممتعضات من قرار رئيسة محكمة التمييز العسكرية، القاضية أليس شبطيني، بإخلاء سبيل العميل شربل قزي، كتبت على صفتحها الفايسبوكية الآتي: «أليس شبطيني تمثّلكم وعماد الزين يمثّلنا». كثرت الكتابات المشابهة على أكثر من صفحة، إلى درجة أصبح القارئ يخال أن القضاء في لبنان أصبح قضاءين، قضاء متساهل مع العملاء وقضاء متشدد معهم. هكذا، يظهر الموضوع الإسرائيلي، مرة جديدة، على أنه ليس كمواضيع تعاطي المخدرات أو سرقة الدراجات النارية. هذا الموضوع الذي لطالما كان أحد عوامل انقسام اللبنانيين، يحطّ رحاله اليوم داخل الجسم القضائي.