أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

28 عاماً على محاولة اغتيال مصطفى سعد: ملف قضائي عالق في الأدراج

الإثنين 21 كانون الثاني , 2013 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,820 زائر

28 عاماً على محاولة اغتيال مصطفى سعد: ملف قضائي عالق في الأدراج

قبل شهر، عقد المدعي العام للتمييز، القاضي حاتم ماضي، اجتماعاً مع القضاة العدليين المكلفين متابعة الاغتيالات السياسية التي وقعت في لبنان في السنوات الماضية. واتُّفق على «تفعيل العمل في الملفات العالقة لديهم وتسطير استنابات جديدة إلى الأجهزة الامنية، وتعيين الجلسات التي تستوجب ذلك، وتسطير كتب أو مراسلات إلى المحكمة الدولية الخاصة بلبنان في القضايا التي شارك فيها محققون عدليون. كذلك اتُّفق على عقد اجتماعات دورية لمتابعة تنفيذ ما اتفق عليه».

 

ومن بين القضايا العالقة، محاولة اغتيال النائب الراحل مصطفى سعد، التي جرت في مساء مثل هذا اليوم من عام 1985، بسيارة مفخخة ركنت تحت شرفة منزله في مدينته صيدا، وأدت إلى إصابته بجروح بالغة وأفقدته بصره، فيما استشهدت ابنته ناتاشا وجاره المهندس محمد طالب. كذلك جرحت زوجته لوبا وابنه معروف ونجا طفله نديم. إثر الاغتيال، استطاع عناصر من «التنظيم الشعبي الناصري» كشف عدد من المتورطين. أوقفوهم وأخذوا منهم اعترافات مسجلة بالصوت والصورة عن ارتباطهم بالإعداد للجريمة وتنفيذها. من بين هؤلاء عناصر أمنيون رسميون، وجنود في الجيش اللبناني، وضابطان في مخابرات الجيش التي كانت حينها برئاسة جوني عبدو. إلى جانب عملاء للعدو الإسرائيلي الذي كان لا يزال حينها يحتل صيدا ومنطقته، وعناصر ينتمون إلى الأحزاب والجماعات التي تعاملت معها حينها. ولأن الدولة كانت غائبة يومها، قرّر «التنظيم الشعبي الناصري» تسليم الأمنيين والعسكريين إلى أجهزتهم لإجراء المقتضى، وأطلق سراح المدنيين لعدم توافر أمكنة لاحتجازهم وعدم صلاحيته لمحاكمتهم وعدم رغبته في تصفيتهم.

لكن التزام «الشعبي الناصري» دولةَ المؤسسات لم ينفعه. ورغم تقديمه ملفاً شاملاً عن القضية، يتضمن أدلة ووثائق واعترافات تدين المتورطين، إلا أن القضاء بعد 28 عاماً يتصرف وكأنه لا يملك أي معطيات لإجراء المقتضى وإطلاق المحاكمات، وخصوصاً أن الملف أُحيل على المجلس العدلي الذي لا تسقط قضاياه بمرور الزمن. حتى إن الضابطين لم يحاسبا، بل أطلق سراحهما لاحقاً وتدرّجا في مناصب رفيعة. وقد أحيل أحدهما أخيراً على التقاعد، وهو يشغل منصب مستشار في رئاسة الجمهورية، فيما يشغل الثاني منصباً إدارياً رفيعاً في الجيش. وإذا كان هذان العميدان يتمتعان بحصانة تمنع إعادة فتح أوراق الماضي، فما الذي يمنع إدانة عملاء سابقين يتجولون في صيدا بحرية كأي مواطن؟ ومنهم أول من دخل إلى المنزل إثر الانفجار وحاول تنظيم تظاهرة ضد المسيحيين لاتهامهم بالجريمة. أما اليوم، فهو أحد مناصري الشيخ أحمد الأسير، بعدما نشط لسنوات مع «تيار المستقبل» في المدينة.

«ما في شي جديد». بسرعة، وحسم يجيبنا مرجع قضائي معني بملف الجريمة. في اتصالنا معه، لم يوضح الإجراءات التي يتخذها لتنشيط القضية عملاً بتوصيات الاجتماع مع القاضي حاتم ماضي. «القصة صرلها 30 سنة، ومن الصعب استدعاء الشهود وعناصر الجريمة»!. ومع أنه هو من يقول ذلك، يرفض الاستنتاج أن هذا يعني «تجميد الملف»، محتملاً عقد جلسات في وقت لاحق. علماً بأن المجلس العدلي كان قد أحال الملف على القاضي حسن عثمان بعد عام 1992. وقد عقد الأخير أكثر من جلسة استماع حتى اغتياله في عام 1998. حينها، عقد النائب الراحل مصطفى سعد نفسه مؤتمراً صحافياً كشف فيه عن أن عثمان كان قد أخبره قبل أيام من اغتياله عن تعرّضه لضغوط بسبب التحقيقات التي يجريها في الملف، وعن قرب صدور القرار الظني الذي يتهم مباشرة ضباطاً في الجيش وأفراداً في جهاز أمن القوات اللبنانية وضباطاً إسرائيليين. بعد اغتياله، نقل الملف إلى بيروت حيث تولاه القاضي جورج غنطوس الذي عقد أكثر من جلسة. ثم أحيل أخيراً على القاضي صقر صقر.

هذا عن الجريمة، فماذا عن صيدا؟ لدى سماع عرض شقيق سعد، النائب السابق أسامة سعد، لخلفيات محاولة الاغتيال، يخال المرء أنه يتابع نشرة أخبار عن صيدا ومنطقتها. كل الأسباب التي دفعت الموساد وعملائه إلى التخلص منه، تكرّر نفسها بعدما استطاعت صيدا إفشالها في ذلك الوقت. فهو من صنع شعار «صيدا بوابة الجنوب والمقاومة» بمشاركته في إطلاق «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية». وهو من أمّن ملاذاً للمقاومين الهاربين من العدو، ومن تصفيات بعض أحزاب الداخل. كذلك أدى دور الوسيط بين المتقاتلين في حرب المخيمات وأحداث إقليم التفاح. وتصدّى لمحاولات تهجير المسيحيين من قرى شرق صيدا. فكان أول تصريح له بعد استعادة وعيه بعد علاجه، دعوته المسيحيين للعودة إلى بيوتهم. فضلاً عن أنه أفشل محاولة تشكيل «الجيش السني» في الثمانينيات، إذ كان ينتظر منه إنشاء «كانتون» سُني صرف من صيدا إلى إقليم الخروب حتى كفرفالوس.

هذه السيناريوات عادت إلى المشهد الصيداوي بأسماء وإطارات مختلفة. فهل يستطيع ورثة سعد التغلب عليها كما فعل هو في الثمانينيات؟

يقرّ أسامة سعد بأن صيدا تغيرت، على غرار سائر لبنان. فقد تراجعت التيارات الوطنية لمصلحة القوى الطائفية. مع ذلك، تحفظ المدينة لمصطفى سعد، وللعائلة تقديراً خاصاً. فيها ترتفع صور للأب الشهيد معروف، ثم لمصطفى وأسامة، كيفما اتجهنا، ولا سيما في أزقتها الشعبية وميناء الصيادين. «صيدا كلها لمعروف» ثم «صيدا كلها أبو معروف». هتافان التصقا بها لسنوات. فهل يقدران أكثر على تحدي الزمن الطائفي الذي دفع مصطفى سعد بصره ثمن محاربته؟

 

أربع محاولات اغتيال

 

 

انتخب الراحل مصطفى سعد (الصورة)، خلفاً لوالده معروف، أميناً عاماً لـ«التنظيم الشعبي الناصري» عام 1975. وإثر الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 وما تبعه، أسس وقاد «جيش التحرير الشعبي – قوات الشهيد معروف سعد» الذي خاض معارك ضد القوات المحتل، على أكثر من جبهة في الجنوب.

تعرّض سعد لأربع محاولات اغتيال، الأولى استشهدت بنتيجتها ابنته وفقد هو بصره، ثم في عام 1987 في منطقة الأوزاعي، وفي عام 1995 اكتشفت سيارة مفخخة أمام منزله، وفي اليوم نفسه أطلقت النار على سيارته وهو بداخلها، وذلك خلال تظاهرة للاتحاد العمالي العام في صيدا.


Script executed in 0.1935019493103