عندما كان في التاسعة، احتفظ حسين معاز في جيبته الصغيرة بدينار أردني أهداه إياه عمه. يومها، جذبته القطعة النقدية بألوانها البراقة، وقرر أن يسير على خطى والده، الجامع للعملات المعدنية. بعدها، لم يتأخر مهندس الديكور في شبك علاقات مع المهتمين بهذا العالم من أجل إكمال مجموعة أوراقه النقدية التي قاربت 3200 قطعة. وهو يحتاج اليوم إلى أكثر من 15 ألف دولار لتغطية عملات كل الدول. بدأ الاحتراف بعدما تخرّج معاز في كلية الهندسة في الجامعة اللبنانية. في ذلك الوقت سافر إلى رومانيا حيث الأسواق المخصصة «للأنتيكا» ولعرض العملات، مستفيداً من المهرجان السنوي الذي كان ينظم هناك لهذه الغاية. كانت المرة الأولى التي يجمع فيها الرجل الثلاثيني أكبر قدر ممكن من العملات قبل أن ينتقل إلى العالم الافتراضي. فقد أسّس مجموعة على «فايسبوك» سهّلت له الانتشار والتعرّف إلى أقرانه عن طريق عرض صور العملات وعمليات التبادل والبيع على قاعدة ثقة بناها المنضمون إلى المجموعة.
ويتم البيع والشراء وفقاً لـ«كاتالوغ» عالمي يشرح بالتفصيل حالات العملات وتصنيفاتها وسبل حمايتها. يستذكر هنا حادثة سرقة لعملاته بالتعامل مع إحدى الشركات البريدية، وقد وصلت قيمتها إلى 200 دولار أميركي، بعدما كانت قد وصلت إليه من أحدهم عن طريق المبادلة. هذه الحادثة دفعت معاز إلى الاعتكاف عن هذا الوسيط البريدي والاستعانة بموقع «ebay» الذي يهتم بالعملات ولديه صدقية عالمية كبيرة (وهو بالمناسبة محظور في لبنان لأسباب تتعلق بتبييض الأموال والنظام البنكي المتعارض معه). فعندما تتم عملية البيع تتحوّل المشتريات إلى عنوان أحد أقاربه في الولايات المتحدة الأميركية ليحصل عليها في ما بعد.
لهواية جمع العملات مستلزماتها، لا سيما المادية، وخصوصاً لجهة اقتناء القطع النادرة ذات القيمة المرتفعة. ومفهوم الندرة هنا يتعلق مباشرة بأقدمية القطعة وتزايد الطلب عليها، وهنا تبرز درجة تفوّق المقتني للعملات على غيره إذا ازدانت مجموعاته الخاصة بقطع مثيلة. لكن ذلك خلق شرخاً واضحاً بين الطبقات الاجتماعية وولّد حسرة لدى الكثيرين من ذوي الدخل المحدود أمثال معاز بسبب عجزهم عن اقتناء مثل هذه العملات. لكن الرجل الذي استدان للحصول على القطع الورقية النقدية يمنّي النفس بنيل صيد ثمين عبر مبادلته مثلاً ورقة يانصيب تعود إلى السبعينيات مقابل مجموعة من العملات تصل قيمتها إلى آلاف الدولارات عبر اللعب على رغبة الشاري في الحصول على ما يحب.
ويحصل الشرخ الطبقي أيضاً لدى وضع بعض جامعي العملات شغف الهواية جانباً وإيلاء حب الإبهار و«البرستيج» الدور الأكبر عبر اقتنائهم قطعاً نادرة لا يمتلكها أحد غيرهم، لكن معاز يعتقد أنّ القطع التي يمتلكها أصحاب الدخل المحدود ستصبح بعد وقت معين قطعاً ذات قيمة عالية.
قد تقع قيمة العملة في سلّم أولويات جامعي العملات، لكن قد يكون لشكلها ومحتواها الأثر الأبرز، وخصوصاً لجهة الألوان التي قد تخطف أضواءها ربما العملات الأفريقية التي غالباً ما تأتي متسخة كما يروي معاز، بسبب إهمال أصحابها لها ولطرق حفظها، ما يخفف من وهجها وقيمتها.
العملة بالنسبة إليه ليست قطعة ورقية ذات قيمة شرائية، بل لها أبعاد اجتماعية وتاريخية وحتى جغرافية. فهي تؤرّخ لحضارات بأكملها ولحقبات مرت في بلد معين. يقول: «يمكن تصفّح كل تلك الأبعاد وأنت تمسك بهذه الورقة، وخصوصاً مع ربطها بما قرأته عنها سابقاً في الكتب». ويشرح كيف أنّ هذا التأريخ يمكن أن يقابله تزوير واضح في معالم التاريخ التي طبعت البلد، فيمكن أن يأتي حاكم ويصبغ كل العملات بشتى إنجازاته الوهمية، عمرانية كانت أو سياسية، مثل طمس متعمّد للواقع. ويعطي مثلاً على ذلك إخفاء العملة الفلسطينية واستبدالها بتلك «الإسرائيلية» في محاولة واضحة لاغتصاب التاريخ والجغرافيا والكيان الفلسطيني.
يحتضن معاز القطع النقدية في 10 ألبومات، ويخاف عليها أكثر من نفسه، إذ لا يجد ضيراً في أن تمثّل لديه المتنفس الوحيد في حالات الضيق التي قد يمر بها في يوم من الأيام. وهي تعطيه إشباعاً نفسياً كبيراً ورضى على الصعيد الشخصي. لكن الأهم أنه عندما سينهي مجموعاته بشكل كامل ستظل هواية جمع العملات مستمرة لديه ولن تنتهي برأيه حتى التقاط أنفاسه الأخيرة.