تتناقص أعداد المنازل مع تناقص الأوكسجين، ويضيق الطريق المؤدي إلى بشري حتى يغدو زاروباً يحيط بتعرجاته جداران ثلجيان. قبلها، توحي حجارة منازل حصرون وقناطر دكاكينها وأحاديث مسنّيها بأنها الضيعة التي تغنّيها فيروز. أما في بشري فتكتمل الأغنيات: تنتهي «إذا الأرض مدورة، يا حبيبي»، لتبدأ «أجراس العودة» القرع. «الآن الآن وليس غداً»، من دون أن يعير أحد من المجتمعين قبالة صخرة صغيرة في الطريق العام قبيل ساحة البلدة اهتماماً للكلمات. وقد غلفوا صخرتهم بشرشف أبيض، علّها تماثل بشيء الجبال الشاهقة خلفها وأمامها. خوري الضيعة هنا والمطران ومساعده، القائمقام أيضاً ورئيس البلدية والمختار، ضابط المنطقة ومسؤول المخفر والعناصر، وشربل وسمعان وأم جوزيف وأنطون. تلوّن الثياب الرجالية الصوفية الدافئة ثلاث صبايا ومسنّة تذهب بشعرها الأبيض قبالة الصخرة وتجيء، عينها على الساعة الذهبية في معصمها وقلبها على طبخة الورق عريش في فرنها. لا يعبد هؤلاء الصخرة. إنهم ينتظرون «الست». و«الست» تأخرت ساعة.
تتأخر لكنها، أقله، تأتي. تسبق مرافقيها بالهبوط من «جيب» صغير. من يخطف النظرة الأولى: استعاضتها عن تنانير المجلس بجينز، أم معطف الفرو الأبيض الممسك بمعصميها، أم خداها المنسجمان مع أنفها في الاحمرار، أم قبعة الفرو الروسية؟ تزيد النظارات السوداء حضورها حضوراً. وتبدأ أصابعها العمل: تخطف طفلة من حضن والدها لتقبّلها وتعيدها طفلة أخرى. تشد «أبونا هاني» إلى قربها. تسأل عن رئيس البلدية ورئيس اتحاد البلديات والقائمقام. لا يمكن أن تكون «الست» هنا ولا تكون إلى جانبها. تَحَمّل بعض التدافع: هي نقطة الجاذبية الآن. يذهب معها المجتمعون ويجيئون. وسط مئات الأصوات، ليس في الساحة إلا صوتها: أوامر للمرافقين، غزل للفتيات، تودد للمسنين، سلامات حارة للفعاليات، ويُسمع ضحكها في ابتسامتها للملوّحين بحبهم من إحدى الشرفات. يمكن الحاجبين أن يتكلما: توزع بحاجبيها الأوامر لفريق عملها. هي، بالمناسبة، ستريدا طوق جعجع.
تزيح الستارة ورئيس مجلس الإنماء والإعمار نبيل الجسر عن تذكار يخلد «فضل» الضيف ومستضيفيه في إنشاء تحويرة مدينة بشري، وتَشقُ الحلقة المحيطة بها في اتجاه مطعم مقابل. تدخله للمرة الاولى كأنها دخلته ألف مرة سابقاً. تهنئ أصحابه على «المطعم الحلو»، وهي لم تره بعد، ولا همّ طالما يغتبط أصحابه. حين تجلس ستريدا، تجلس القاعة. وحين تصفق، يصفق من فيها. وحين تخطب، ترمي الإبرة فتحدث صخبا. يمكن الجسر أن يستعرض، بلغة جميلة، معرفته بالمنطقة من "طورزا طريق أمبراطورية الرومان حتى بقاع كفرا التي قد تكون أعلى قرية مأهولة في الشرق، مروراً بقرميد منازل قنات ومحبستي مار جرجس ومار سمعان العامودي في بقرقاشا». لا شيء يسر الأهالي أكثر من تذكيرهم بنسبهم الجبرانيّ، يردد جان خلف الجسر «لو لم يكن لبنان وطني لاخترت لبنان وطناً لي»، كأنه هو من كتبها. هبات المملكة السعودية تتبعها هنا هبات من البنك الإسلامي للتنمية، وتسبقها هبات من الصندوق العربي والوكالة الفرنسية والصندوق الكويتي. كل دول العالم تعاون ستريدا في إنماء بشري، حتى يكاد يكون لكل جهة مانحة في لبنان مشروعها البشراوي الخاص: ورشة تأهيل الطرقات، توازيها ورشة أخرى لإنشاء التحويرات، وأخرى للصرف الصحي، ورابعة لتجهيز قسم جديد لمستشفى بشري الحكومي بعد تأهيل وتجهيز المستشفى القديم. أما ستريدا فتُتبع معزوفة «لن نألو جهداً لإنهاض المنطقة إنمائياً واقتصادياً وتربوياً: بتعداد سريع للمشاريع المقبلة: بيت الطالب في ضبية، مشاريع الصرف الصحي، تحسين المستشفى الحكومي، الثانوية الرسمية الجديدة ومشروع المياه. هي سبع ملفات إذاً، يمكن شعبية من يتابعها أن تزداد. نحن، يقول أحد الخمسينيين، «معها سواء أنجزت ما تعدنا به أو لا، هي أقله، وخلافاً لغيرها، تحاول، وعم يطلع بإيدها». أما هي فلا تشغلها الطلبات الصغيرة والقبلات و«عايزك ستنا بكلمتين» عن تذكير من يعدّون الغذاء في المطعم الآخر بتحضير «رأس نيفة».
في الطريق إلى فندق شباط يمكن لحظ بقايا لعبة كلمات متقاطعة: «زفت إيه، زفت لأ». منزل كان يؤيد النواب السابقين، منزل لا. لا تزال سرايا بشري على الباطون لأن أحد النواب السابقين كان يشدها صعوداً إلى حيه والآخر نزولاً إلى حيه المقابل. الخلاف على مدرسة خاصة نقلها إلى قرية أخرى. ويبدو السائق البشراويّ قادراً على الحلم: «لا يختلف (النائب) إيلي (كيروز) عني بشيء، والدي كان مثل والده موظفاً في البلدية، ومن يعلم؟ قد تختارني القوات يوماً لأكون نائباً». حسمت القوات أمر إحلال نقيب المهندسين السابق جوزف اسحق محل النائب إيلي كيروز في الانتخابات المقبلة، لتكسر القوات بذلك الآحادية البشراوية في التمثيل النيابي: اسحق من خارج مدينة بشري، من حصرون. والواضح أن ارتياح القوات انتخابياً يمكّنها من تعزيز بنيتها الحزبية على حساب بنية بشري التقليدية العائلية والمناطقية، خصوصاً أن مؤيديها من شتى العائلات، حتى أن النائب إيلي كيروز تقدم النائب السابق جبران طوق في صناديق آل طوق الانتخابية نفسها. والواضح من توزيع المناصب الرئيسية في القضاء سعي القوات لكسر التمايز التقليدي في الأقضية البعيدة بين ابن المدينة (عاصمة القضاء) وأبناء القرى المحيطة بها: مركز اتحاد البلديات في الديمان وليس في بشري، رئيس تجمع المخاتير من حدشيت، رئيس اتحاد البلديات من بقاعكفرا، وأحد النائبين سيكون قريباً من حصرون. وفي مجلة «مرايا الجبّة» التي يصدرها نائبا القضاء تسليط واضح للأضواء على قرى القضاء من برحليون إلى عبدين وقنات وحدشيت وغيرها وناشطيه البيئيين والمصرفيين والتربويين والسياسيين. مع سعي حثيث لاستيعاب من لا يؤيدون القوات لكن لا ينتمون إلى الفريق الآخر.
ترأس ستريدا مائدة الطعام من وسطها، ومرة أخرى: تصلّي فيصلون، تجلس فيجلسون، تأكل فيأكلون، تضحك فيضحكون، ترفع كأسها فترفع الكؤوس. ولا يكاد يغدق أحد الحاضرين الجسر بالمديح حتى تتساءل بصوت يسمعه الجميع عن مدى صعوبة إبقاء المسؤولين في هذا البلد أرجلهم على الأرض، بعد كل هذا المديح. وبدل أن يحمر خدّاها أكثر حين تمدح، تبادر إلى تذكير محدثها بأن سمير جعجع زوجها، لكن لا تستقر حواسها حتى تطمئن إلى انبهار الحاضرين بها، وأنها نقطة الجاذبية الوحيدة هنا. ولا يشغلها كل ذلك عن ملاحظة الصحون: «شربل صحنك فاضي، جوني جرّب الكبة النية وجورج لبنان (مسؤول مكتب إيلي كيروز) أبقِ شيئاً من الطعام لغيرك». هي تحب رأس النيفة وزميلها إيلي كيروز نباتي.