أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

تيّار المستقبل: سمك لبن تمر هندي

الجمعة 01 شباط , 2013 04:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,036 زائر

تيّار المستقبل: سمك لبن تمر هندي

لم تعُد أزمة رئيس تيار المستقبل النائب سعد الحريري مقتصرة على الشق المالي. يواجه رئيس الحكومة السابق، الذي نفى نفسه بعد خروجه من السرايا الحكومية، مشاكل كبيرة في مؤسساته، نتيجة سوء الإدارة التي ينتهجها هو والمسؤولون عن متابعة الأمور التنفيذية. قبل فترة، ظهرت إلى العلن بوادر إرباك تنظيمي وسياسي وإداري في المستقبل أدّت إلى إقالة أو استقالة العديد من منسّقي التيار في المناطق عدة، منهم منسّق بيروت محمود الجمل والمنسّق الإعلامي أيمن جزيني ومنسّق البقاع الغربي محمد قدورة. ترافق ذلك مع إقالة مسؤولين محليين في أكثر من منطقة. لن يكتفي الزعيم المهاجر بهذه الأسماء. في جيبه لائحة «طويلة عريضة» لمسؤولين انتهت مدّة «صلاحيتهم»، وباتت هناك حاجة إلى استبدالهم.

 

من الواضح أن إعادة الهيكلة، كما يُسمّيها «كبار» التيار، لم تؤتِ ثمارها، بل تركت آثاراً سلبية أوقعته في ورطات متفاقمة، ورغم أن عدداً من الكوادر يرون أن ما يحصل «بداية إيجابية لإعادة التنظيم الذي افتقده التيار بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري»، والهدف منه «إجراء تغييرات جوهرية في مختلف مؤسساته». إنقسم المستقبليون حول هذا الإجراء. طرف يؤيّد «النفضة» بحجّة أنها «تساعد في شدشدة عصب المناصرين الذين أبدوا في الآونة الأخيرة نفوراً واضحاً من أسلوب الناشطين والمنسّقين»، وآخر معارض يطالب بـ «تأجيل الخطوة إلى ما بعد الإنتخابات النيابية، ومعرفة الوضع الذي سيستقر عليه التيار بعد عودة زعيمه».

يبدو أن المعارضين كانوا على حقّ. في بيروت، لم تمُر الإقالات مرور الكرام، ولا سيما مع منسّق بيروت محمود الجمل. الرجل لا يزال ممسكاً بإدارة شبكة من المجموعات الناشطة في أكثر من حي في العاصمة، وهو لا يزال يؤثر، بقوة، على أكثر من نصف الناشطين في الطريق الجديدة. لذلك، استدعاه الحريري الى السعودية من باب «الاحتواء»، وسلّمه موقع «مستشار الرئيس لشؤون الشباب البيروتي»، بعدما اعترض على حركة التيار التي «تنحصر في عناوين عامة يُقصد بها شدّ العصب والإستهلاك الإعلامي». وحمّل الجمل «المقربين من الرئيس» المسؤولية عن «هذا النوع من العمل الذي ينعكس تململاً في القواعد».

يؤكّد مسؤول بيروتي في التيار أن «تطيير الجمل حصل بسبب خلاف الأمين العام للتيار أحمد الحريري وشقيقه نادر» مدير مكتب الرئيس الحريري. الأول متمسك بالجمل، انطلاقاً من رغبته في «إعادة تموضع صقور التيار الذين حملوا السلاح في مواجهة حزب الله في 7 أيار إستعداداً لأي مواجه». والثاني يُصر على «حماية» بشير عيتاني الذي عُيّن خلفاً للجمل، بعدما عمل رئيساً للماكينة الإنتخابية للمستقبل في دائرة بيروت الثانية في الدورات الإنتخابية الماضية.

نزل عيتاني «بثقله» فور تسلّمه منصبه الجديد. هو اليوم في صدد «تحضير تشكيلة تنظيمية للإشراف على الإنتخابات المقبلة». وتضمّ اللائحة التي رشّحها عيتاني، وأُرسلت إلى الحريري، «أسماء بيروتية نخبوية، بعيدة عن الشارع ولا نشاط سياسياً لها»، ما «أثار حفيظة الجمل ومدير العلاقات العامة سامر الترك (المختار)، ومنسق الطريق الجديدة الأولى في التيار مروان زنهور، وبعض مسؤولي القطاعات في منطقة الطريق الجديدة، ودفعهم الى زيارة بيوت مؤيدين ومهاجمة عيتاني واتهامه بالتلاعب بأموال الإنتخابات عامي 2005 و 2009».

 

طائفية بغطاء علماني

 

ما يجري في بيروت نقطة في بحر ما يجري في البقاع (راجع «الأخبار» أمس) حيث أعلن عدد من ناشطي التيار انشقاقهم مطالبين بـ «الإصلاح». أزمة التيار ليست تنظيمية وحسب. فالمذهبية لم تترك باباً إلا ودقته. لم يعُد يكفي أن يتصدّر أصحاب ربطات العنق الزرقاء المنصّات، رافعين شعار «العلمانيّة هي الحلّ». ولم تعُد تكفي صور التنوع التي يتغنّى بها المستقبل للقول انه «تيار سياسي يؤمن بالدولة المدنية». كشفت سوريا عورة المستقبل وضعته في «خانة اليك»، الى درجة أصبح فيها المناصرون يقابلون الخطاب المعتدل بالنفور، وينظرون إلى «شيعة قريطم» بوصفهم عبئاً على البلاط الحريري.

للشيعة في تيار المستقبل قصّة طويلة. تكفي العودة مع جزء من هؤلاء إلى الخلاف الذي وقع يوماً بين منظمة العمل الشيوعي والرئيس حافظ الأسد. بعد مغادرة السوريين لبنان عقب اغتيال الرئيس الحريري. قرّر هؤلاء الإنتقام. منهم من كان قد حظي بحماية الحريري الأب، ومنهم من حصل عليها في عهد الوارث. دخل شيعة المنظمة إلى«المستقبل، ليس حباً بالتيار الذي لا يملك أي مشروع فكري إصلاحي، بل رغبةً بالإنتقام في ظل «صراع أهل القبور» بين جماعة ياسر عرفات وجماعة الأسد. وخلال السنتين الماضيتين، توسّعت دائرة استياء جزء لا بأس به منهم. بدأ ذلك، بعدما ظهرت في التيار «حالة مذهبية سنّية مناطقية» ويُعلن أصحابها صراحة في الإجتماعات الداخلية «رفضهم مشاركة غير أهل السنّة في قيادة تيار المستقبل».

أمرٌ آخر أثار مخاوف «الأقلية الشيعية»، هو «تنامي الظاهرة السلفية، إذ استحدث بعض الكوادر عقيدة جديدة، تجمع بين الفكر الوهابي والإخواني. وأبرز معتنقي هذه العقيدة، المسؤول العسكري في التيار العقيد المتقاعد عميد حمود». وكانت لافتة، بحسب أحد المسؤولين المستقبليين، «نقزة بعض الكوادر الشيعة بعد دفع المنسّق الإعلامي أيمن جزيني إلى الاستقالة». شعر هؤلاء «بأن عصبية سنّية صارت حاضرة بقوة في أوساط المستقبل، علماً أن جزيني ذو خلفية يسارية، وهو كان يختلف مع تيار المستقبل بسبب موقفه المعارض للوجود السوري في لبنان قبل اغتيال الرئيس الحريري، وكان يعبّر عن رأيه في مقالات ينشرها في منابر مختلفة منها الملحق الثقافي لصحيفة النهار». ورغم أن البعض فسّر قرار إبعاد جزيني بأنه «مرتبط بسلوك شخصي»، فإن آخرين تحدثوا عن أنه «بالغ في موقفه من الأزمة السورية، وأنه زار مناطق تسيطر عليها المعارضة السورية المسلحة في حلب وإدلب، وأن موقفه أكثر تشدداً من قيادة التيار».

تسود الأوساط الشيعية المستقبلية مخاوف من فكرة «كبش الفداء». بعد «حرق» جزيني، يتوقع إقصاء النائب عقاب صقر «الذي شارف دوره في الملف السوري على النهاية». إذ تؤكّد دوائر قريبة من «الشيخ سعد» أن «عوائق أمنية وسياسية قد تحول دون إعادة ترشيح صقر»، بعدما ذكر معارضون سوريون أن «حماسة صقر ضد النظام السوري لم تشفع له سواء لدى المتشددين أو بين السعوديين».

في موازاة ذلك، يزداد قلق «شيعة المستقبل»، بحسب مصادر هؤلاء، بعدما بات «المكتب السياسي للمستقبل خالياً من العناصر الشيعية اثر وفاة الصحافي نصير الأسعد، وبات القرار الفعلي في يد الأغلبية السنية». ويشير هؤلاء الى أن وجود جورج بكاسيني الذي جيئ به مسايرة لرئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية سمير جعجع، والصحافي علي حمادة وآخرين، ليس الا من باب التنوّع الشكلي، لأن لا علاقة لهم فعلياً بآليات اتخاذ القرار». فالتيار، على سبيل المثال، «لم يبذل أي جهد للاحتفاظ بمَن يظهر بعض التمايز، مثل الصحافي أيمن شروف الذي استقال وانتقل إلى منبر صحافي آخر، علماً بأنه أحد الذين ادعى عليهم اللواء جميل السيد في قضية شهود الزور، وهو سيظل محل ملاحقة قانونية، لكن بلا حماية سياسية بعدما تخلى عنه التيار.

التناقض الواضح في فكر الذين احتواهم «المستقبل» من شيوعيين وقواتيين وناصريين واسلاميين، أدّى إلى الفشل في الوصول الى أي خطّة وطنية أو برنامج واضح يخوض به التيار حياته السياسية في المرحلة المقبلة. من بيروت إلى الشمال والجنوب، تأخذ المشكلة طريقها إلى التفاقم. إلى جانب الإنشقاقات الاخيرة في البقاع والشمال، تسرّب عدد (ولو ضئيل) من المناصرين إلى تيارات إسلامية سلفية في الشمال، والى تيار الشيخ أحمد الأسير.

ويلفت مسؤول شمالي، ممّن ابتعدوا أخيراً عن الأضواء، إلى أن «الوضع العام يزداد إرباكاً». ويرى أن «الأخطاء مصدرها القيادة العليا»، و«هذه الأخطاء تعزز نفوذ خصومنا، سواء من فريق 8 آذار، أو القوى القريبة منّا سياسياً، لكن المختلفة معنا عقائدياً مثل التيارات الإسلامية». ويستعرض المسؤول مؤشرات الإرباك، فيؤكد أن «التيار يعاني اليوم انعدام توازن سياسي وتنظيمي. ففيما نشدد على السلوك المدني والمعادي للعنف، تزداد ظاهرة العسكرة العلنية في طرابلس وعكار وعرسال وقرى في البقاعين الأوسط والغربي وبعض أحياء بيروت»، بالإضافة إلى «تناغم واضح مع مجموعة الأسير في صيدا»، ناهيك بـ«الازدواجية الواضحة بين خطاب مدني ـــ علماني في الظاهر، وتعبئة عصبية مذهبية ودعم للتيار السلفي ومباركة علنية لمشروع التسلح في أكثر من منطقة».


Script executed in 0.1915500164032