وأفاد بيان صادر عن قيادة الجيش - مديرية التوجيه، أمس، أنه «أثناء قيام دورية من الجيش في أطراف بلدة عرسال بملاحقة أحد المطلوبين إلى العدالة بتهمة القيام بعدة عمليات إرهابية، تعرضت لكمين مسلح، حيث دارت اشتباكات بين عناصر الدورية والمسلحين أسفرت عن استشهاد ضابط برتبة نقيب ورتيب، وعن جرح عدد من العسكريين وتعرض بعض الآليات العسكرية لأضرار جسيمة، بالإضافة إلى إصابة عدد من المسلحين».
وعلى أثر ذلك «توجهت قوة كبيرة من الجيش إلى المنطقة، وفرضت طوقاً أمنياً حولها، كما باشرت عمليات دهم واسعة بحثاً عن مطلقي النار». ودعت قيادة الجيش «أهالي البلدة إلى التجاوب الكامل مع الإجراءات التي ستتخذها قوى الجيش تباعاً لتوقيف جميع مطلقي النار»، محذرة من أنها «لن تتهاون في التعامل مع أي محاولة لتهريب المسلحين أو إخفائهم، وسيكون مرتكبوها عرضة للملاحقة الميدانية والقانونية».
فما حدث في عرسال، «أخطر من تعرض دورية للجيش اللبناني لكمين مسلح، كما يقول مصدر أمني في البقاع، الذي تحدث لـ«السفير»عن تفاصيل ما جرى في عرسال، مؤكداً على «صور غير صحية وغير سليمة يندى لها الجبين، فلا يمكن تصور مسلحين قاموا بحجز جثتي الشهيدين، واقتادوا عربتين للجيش اللبناني، وهم على ظهرها يرفعون إشارات النصر». ويؤكد المصدر الأمني أن «الجيش اللبناني ودورية تابعة لمديرية المخابرات، قد أوقفت المطلوب خالد حميّد، المسطرة بحقه عشرات الخلاصات من الأحكام القضائية، والمطلوب بعدة مذكرات قضائية وعدلية، حياً. وأثناء مغادرة الدورية منطقة عرسال، وبحوزتها المطلوب، تعرضت لكمين مسلح من عناصر مسلحة بأعداد كبيرة. فقتل حميّد واستشهد نقيب وجندي وجرح آخرون بالرصاص نفسه. وعمد المسلحون إلى الاستيلاء على جثتي الشهيدين، وعلى عربتين للجيش اللبناني. وتمت قيادتهما إلى محيط بلدية عرسال، في احتفال تخلله إقدام بعض المسلحين على رفع إشارات النصر بشكل سافر».
وأفيد عن أن المسلحين، الذين كمنوا لدورية الجيش، «كانوا على علم مسبق بإمكان وصول دورية تستهدف المطلوب». وبعد الاشتباكات التي دارت بين المسلحين وعناصر الدورية، في محلة بديرية على طريق رعيان في جرود عرسال، وهي طريق تؤدي إلى جرود بعلبك، أحدثوا أضراراً كبيرة بالسيارتين اللتين استعملهما عناصر مخابرات الجيش في عمليتهم. كما قادوا سيارتين عسكرتين تابعتين للجيش اللبناني نحو البلدة. وتردد أن المسلحين من أهالي عرسال، «لم يكونوا يعلمون أن الدورية تابعة للجيش اللبناني». وقد حصل تجييش، و«دعوة إلى الجهاد»، أدّيا إلى حمل عدد كبير منهم للسلاح.
ذلك وعلم أن بلدة عرسال شيعت مساء أمس، المطلوب القتيل خالد حميّد وسط إطلاق نار كثيف، وظهور مسلح كبير. وقد عزز الجيش اللبناني من انتشاره في خراج البلدة. ذلك وتوالت البيانات المستنكرة والشاجبة للاعتداء على الجيش فور شيوع الخبر أمس.
من المريجات إلى عكار
«لا أريد أن يكون ابني رقماً ضمن هذه القافلة الطويلة، وأن تكون دماؤه رخيصة»، بكلمات تسبقها دموع الأسى واللوعة، يقول جورج بشعلاني هذه العبارات إثر تبلغه خبر استشهاد ولده البكر النقيب بيار. خبر الاستشهاد وقع كالصدمة على عائلة بيار، فالأم لا تريد أن تصدّق أنّ ابنها قتل، فـ«أنا ربيته كل شبر بنذر»، تقول لمن توافد إلى منزل العائلة في المريجات البقاعية (سامر الحسيني) إثر سماع الخبر، وقد انهمك الوافدون في تقديم الإسعافات الأولية للعائلة التي أصيب أفرادها بالإغماء من شدة الحزن والتأثر.
يتحدّث الوالد بين معزيه عن الشخصية العسكرية الفذة التي يتمتع بها ابنه، وعن مناقبيته العالية. يقول: «اسألوا رفاقه، بيار كان يحب الجيش، وكان وفياً له، وهو خضع لدورات تدريبية عدّة، ولم يكن يهمّه أي شيء سوى قوة الجيش، فهو ابن المؤسسة العسكرية، وترك بصمات في حياته وفي خدمته العسكرية التي وهبها حياته كلّها». يضيف: «أريد اليوم أن يكون لاستشهاده بصمات كي لا يكون رقماً وتكون دماؤه رخيصة»، وأقفل عدد من أهالي بلدة المريجات الغاضبين طريق ضهر البيدر ليلاً احتجاجاً على استشهاد بشعلاني.
وتبلّغت العائلة الخبر بعدما زار وفد من مديرية المخابرات في البقاع وقيادة الشرطة العسكرية، منزلها، فأجابهم والده «إنه ابنكم أيضاً». الكل في منزل العائلة تحت تأثير الصدمة والفاجعة. أهله ورفاقه الذين تقاطروا غير مصدقين عجزوا عن الكلام، إلا أنّ دموعهم كانت أبلغ تعبير عن مأساتهم، وهم يعرفون سيرة النقيب الشهيد، وأخلاقه ومناقبيته، وفق والده.
وفي عكار (نجلة جمود)، علت صرخة أم ابراهيم «الله لا يوفقن لي قتلوك.. قتلوك براسك يا ضناي، وينو إبني جيبولي ياه»، ذلك عندما تلقت خبر وفاة ابنها الأصغر الرقيب إبراهيم مساء أمس، «وينك ياجمال سألتك عن خيك قلتلي طمني ما بو شي، أتاري خيك استشهد». لم تعرف الحاجة أم كرم ماذا تقول، وكيف تعبر عن غضبها لوفاة ابنها الأصغر. تجلس محاطة ببناتها وأقربائها وأبناء البلدة الذين غص بهم منزل العائلة الكائن عند مفترق بلدة الحكر في سهل عكار، يتقدمهم النائب نضال طعمة، الجميع في حالة ذهول. «إرسلوا في طلب أحفادي أريد أولاد إبراهيم»، تنادي أم كرم. يدخل جمال من باب الغرفة تنهض الوالدة منتفضة تلومه «أين أخوك يا جمال لماذا لم تجلبه معك؟»، فجمال أيضاً عسكري في مخابرات الجيش اللبناني، «سألت عنو ليش قلتلي منيح، والله كان قلبي حاسسني». يقنعها جمال «لا تبكي يا إمي زلغطي خيي شهيد، ما تزعلي فرحي». تلتفت الحاجة أم كرم الى ابنتها ثريا «خيك راح قبل ما يشوفك عروس، (فعرس ثريا كان مقرراً بعد عدة أيام)، شفتي شو صار فينا شفتي قدرنا، ربيت ولادي الستة، بالجيش ودمنا فدى المؤسسة العسكرية بس هيدا إبني، ليش ما حدا حاسس فيني». تقول شقيقته غفران «هيدا الصغير الغالي، ما لحق يفرح بترقيته في الجيش فهو قد علق رتبة رقيب أول منذ أسبوعين، وكانا على موعد للقائه يوم الأحد.. وألله لا يوفقن ليه قتلوه لازم ينالوا عقوبة الموت».