في صالونات العيادات الطبّية وأروقة المستشفيات شابات وشبان ينتظرون الأطباء لتعريفهم بدواء. هم مندوبو شركات الدواء وأذرعتها الفعلية التي تحاول الالتفاف حول عنق الطبيب لتنفّذ أجندتها الطبيّة، فإما أن ينصاع لها، وإما أن يتذكّر قسمه حين رفع يمينه لممارسة شريفة تمتثل للضمير.
يؤكد الواقع اللبناني أن العلاقة التي تجمع تلك الشركات ببعض الأطباء باتت متينة إلى حدّ التلازم. ومع أنه لا أرقام دقيقة تقرن بهذا الكلام، فنسبة الأطباء «المرتهنــين» لشــركات الدواء مهما ضعفت، تبقى خطيرة على صــحّة المرضى.
ومع غياب الأنظمة والأجهزة الرقابية الفعّالة في هذا المجال، لا يمكن للمريض أن يكتشف أن طبيبه ينفذ أجندة إحدى الشركات إلا بعد فوات الأوان. ولعلّ استبدال المريض هذا الطبيب بطبيب آخر، لا يضمن حصوله على دواء مناسب، خصوصاً أن الوصفات الطبيّة لا تنتهي عند جهاز خاص ووحيد، يمكن أن يكشف عمليات تسويق لأدوية من دون دواع طبيّة ملزمة.
قد تُسجّل في لبنان حادثة وحيدة، اكتُشف فيها أن أحد الأطباء النفسيين مرتهن لإحدى شركات الدواء على أثر تعاقده مع أحد الأجهزة العسكرية. فكان يصف دواء واحداً بجرعات عالية، لحالات لا تستدعي العلاج بالدواء أصلاً. واكتشف الجهاز الطبّي الموضوع على أثر عرض العناصر وصفاتهم الطبيّة على أطباء الجهاز.
فُكّ التعــاقد مع هــذا الطبــيب، لكــنّه لم يمنع من مزاولة المهنــة ولا حتى من الظــهور إعلامياً.
اللافت أن بعض المرضى أو ذويهم باتوا يفرّقون «صاحب الضمير» من «التاجر»، ولكن بعد وقوعهم في التجربة. فلم تنجُ طفلة الستة أشهر من جهاز طبّي أحكم قبضته على رجليها، وهي لم تكن بحاجة له في أصلاً. ذلك لأن طبيبها نصح بشرائه من شركة محددة «وإلا تحمّل الأهل عواقب الخطأ في تقويم رجلي الطفــلة». في حالتها، جزم أكثر من طبيب بأنهــا لا تحــتاج إلى تقويم.
مثلها عاشت شابة أياماً سوداء بعدما أكدّ لها طبيبها ضرورة إجراء فحوص دقيقة لرأسها لشكّه في إصابتها بمرض عضال. حدّد لها اسم المختبر «لثقته به»، لا بل أخذ بنفسه موعداً لها. ليتبيّن أن مرضها ليس سوى قصر مستجد في النظر، علاجه في النظارات فحسب.
طبيب وتاجر!
يشير الدكتور اسماعيل سكرية إلى أن «الأطباء ينفّذون أجندات مختلفة، ليس لشركات الدواء فحسب بل لشركات الأجهزة والمعدات الطبيّة والأطراف الاصطناعية أيضاً.. وللمختبرات... وهم، في المقابل، إما يُكافأون برحلات سفر أساسها سياحي، وإما بنسبة من الأرباح، أو حتى براتب شهري كما هو حاصل مع أحد الأطباء الذي يتقاضى 25 ألف دولار شهرياً من إحدى الشركات.
وقد استفحل وضع هذه الممارسات في التسعينيات، لا سيما بعد تعطيل المختبر المركزي، إذ تحرّرت الشركات والدواء من أي رقابة فاعلة. وهي بأموالها الطائلة، التي تــشي بأرباح غير شرعية، وفق سكرية، تجذب بعض الأطباء للتسويق لها، ونسبتهم لا تقلّ عن 25 في المئة».
ويتوافق بذلك مع مدير في إحدى شركات الدواء، رفض ذكر اسمه، يؤكد أن نسبة الأطباء المرتشين لا تقلّ عن العشرين في المئة، «وهم ينفذون أجندات شركات فاعلة وقوية مقابل أثمان لا تليق بقسمهم وتقتصر على رحلات سياحية».
ويوضح أن لشركات الدواء، لا سيما الأجنبية منها، ما يعرف بـ«Code of ethics» أو ميثاق أخلاقيات المهنة، والذي بموجبه تعرض الشركة منتجها على الطبيب من دون إلزامه بوصفه أو التسويق له. وتلتزم بتنظيم مؤتمرات أو أسفار للأطباء تقتصر على التثقيف الطبّي من دون أي نشاط آخر، وتمتنع عن ممارسة الضغط على أي من الأطباء عبر الوسائل المادية أو الرشوة. والأهم من ذلك، يكون عليها أن تشير للعوارض الجانبية لكل دواء تسوّق له ونتائج البحوث التي أجريت عليه.
يؤكد المدير نفسه، أن بعض الشركات يخصص ميزانية محددة لعدد من الأطباء، أو يسمح لهم باصطحاب زوجاتهم أو أزواجهم إلى أماكن المؤتمرات، بحيث تتحول المؤتمرات الطبية إلى لقاءات اجتماعية... وهي ممارسات غالباً ما تسجّل للشركات التي تسوّق أدوية باهظة الثمن أو ذات ربح عالِ يساعدها في تخصيص ميزانية عالية للأطباء.
ويلفت إلى أن هذه الممارسات لا تشهدها غالبية المجتمعات الأوروبية، لأن الطبيب ممنوع من السفر على حساب شركة للدواء، بل إنه يشارك فيها على نفقته الخاصة.
وفي حين لا تمارس «نقابة الأطباء» أي دور في المجال، وفق سكرية، تمارس الأجهزة الطبّية رقابة مشدّدة على الوصفات الطبيّة وتُسائل الأطراف المعنية إذا لاحظت أي تقاطع في الوصفات الطبّية.
بناء عليه، يبدو أن المريض لن يكتشف الطبيب «التاجر» إلا بعد فوات الأوان، خصوصاً أن بعض الأطباء لا يصف بالضرورة أدوية باهظة الثمن، بل يلجأ إلى أدوية رخيصة ولكن محدودة الفعالية، تخصص الشركات لتسويقها رشى كبيرة. وفي هذه الحال، يكون الخطر على المريض أكبر لأنه لن يخضع للعلاج الفعال وبالسرعة الضرورية لعدم تفاقم حالته، و«يمكن تصوّر الوضع إذا كان هذا المريض يعاني من ارتفاع في ضغط الدم أو من السكري أو غيرها من الأمراض المزمنة»، وفق سكرية.
وهو يضيف أنه حتى في الدول المتقدّمة، تراجع مستوى البحوث الخاصة بإيجاد أو تطوير علاجات للأمراض، «حتى باتت الشركات تستعين بطلاب الجامعات لإجراء بحوث عن فعالية دواء معيّن قبيــل انتــهاء براءة اختراعه، لتنتج دواء آخــر بالموصــفات نفسها مع تعديل بســيط لا يســاهم في تطوير العلاج».
يترجم مدير الشركة هذا الكــلام بطريقة أخرى، فيؤكد أن القوانــين الصارمة لجهة تسويق الدواء أو إجراء البحــوث في بعض البلدان تعيق عمل بعــض الشــركات فتنكفئ عن تطوير علاجاتها أو البحث عن علاجات جديدة.
غرامات
من هنا، يعلو الصراخ لاستكمال البحوث وإيجاد علاجات فعّالة لمرض الألزهايمر، في وقت تراجع اهتمام الشركات في الموضوع.
الجدير ذكره أن الغرامات التي دفعتــها شركات الدواء في السنوات الثلاث الماضية، وفق «New England Journal Of Medicine»، بلغت 11 مليار دولار، وطــالت 26 شــركة عالمية من بينها 8 مــن أكــبر شــركات الــدواء في العالم.
وقد دفعت إحداها غرامة بقيمة 3 مليارات دولار أميركي لإخفائها معلومات عن الآثار الجانبية لدواء أنتجته لمعالجة السكري. واللافت، أن الغرامة التي تعتبر الأعلى في العالم لا تشكّل سوى 10.8 في المئة من عائدات الشركة. بينما دفعت شركة أخرى غرامة أقل بقليل كونها قتلت عددا من أطفال نيجيريا لدى اختبارها أحد أدويتها الجديدة. وقد هزّت فضيحة إحدى الشركات مركز الرئاسة الأولى الفرنسية، بعد أن تبيّن أن لأحد أدويتها المنحّفة آثارا قاتلة، تغاضت عنها لسنوات.
أما في لبنان، وفي ظلّ غياب أجهزة الرقابة، تبقى آثار ارتهان الأطباء لشركات الدواء غير محصية ولو كانت ملموسة. واللافت أنه، بحسب سكرية، كانت هناك محاولة أولى في العام 1993، لوضع لائحة بالأدوية الأساسية التي تعالج الأمراض التي تصيب اللبنانيين لاعتمادها من جانب وزارة الصحة والجهات الضامنة، لاختيار أنواع لا يمكن أن يتفلّت منها الطبيب إلا بصعوبة. لكن المحاولة الأولى باءت بالفشل، وتبعتها محاولة في العام 1996، لم تصل إلى مرحلة التنفيذ. لتسقط «سلطة» الشركات على القطاع في العام 2004 نصاب اللجنة الموكلة وضع اللائحة، والمؤلفة من مندوبين عن وزارة الصحة ونقابات الأطبــاء والصيادلة ومستوردي الأدوية وممثلين عن الجامعة اللبنانية و«اليســوعية» و«الأميركية»، بالإضافة إلى ممثل عن «منظمة الصحة العالمية».