أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

تكساس البقاع: ضحيّة الدولــة في عهدة الأئمّة

الجمعة 08 شباط , 2013 07:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 5,650 زائر

تكساس البقاع: ضحيّة الدولــة في عهدة الأئمّة

1992. آنذاك رش العرساليّون حزب الله بالورود. هذه ليست مسرحة للعلاقة المتأزمة أخيراً، بل محاولة سرد تاريخي. كان الحزب غامضاً بالنسبة إلى الجميع تقريباً، أو أقل وضوحاً مما هو عليه الآن. كان كذلك للعرساليين بنسبةٍ أقل، كونه ظهر وبدأ يكبر في سهل البقاع. عرفوه بحكم الجيرة إذاً، واقترنت صورته «الثوريّة» حينذاك بمقاومة واضحة المعالم دينيّاً. ولعرسال تاريخ في قتال اسرائيل. في التسعينيات لم يكن قد صار تاريخاً بعد، بل يمكن أن يُعد حاضراً وقتذاك، أما اليوم فصار (التاريخ) مذكوراً حتى ثقب آذان السامعين. تاريخ تعدّه فئة رئيسيّة من «خصوم» عرسال اليوم جميلاً، ومساحة مشتركة مع محيط القريّة، بينما لا يعني فئة أخرى من هؤلاء الخصوم لا في السياسة ولا في الثقافة. نثر العرساليّون الأزهار حول موكب حملة الحزب الانتخابيّة الأولى، ويقول الذين كانوا في الموكب «الثوري ــ الإنتخابي» إنهم لمسوا الحفاوة ذاتها التي لمسوها في مقنة والنبي عثمان. كان الاتفاق أسهل والحياة هي التي تجمع لا الموت. رشّ «العراسلة» الورد فوق الموكب لأنهم كانوا يرون فيه حزباً يقاوم الإحتلال الذي كان قائماً، والأهم من ذلك، أنه كان حزباً بصبغةٍ بقاعيّة. خرج الحزب من رحم البقاع الفقير، فأخذ من خصاله في خطابه وأدبيّاته، وما زال هذا واضحاً حتى اليوم. أهل البقاع تجمعهم الموروثات العشائريّة والفقر الذي سبق نشوء الكيان اللبناني واستمر بعده، فنما في موازاته حتى وصلت الأمور إلى ما هي عليه الآن. وعرسال ليست خارجة عن هذا النسيج بالمعنى الإقتصادي ــــ الإجتماعي. إنها ليست «مدينة أين» التي يقصدها الشاعر العراقي سركون بولس، ويمكن الوصول إليها من جاراتها التي شاركتها «لفحة» الإهمال الطويلة نفسها.

2013. ليس حزب الله وحده الذي تغيّر (وتالياً المناطق التي بسط فيها نفوذه)، إنما عرسال تغيّرت بدورها. كان الحزب «محبوباً» في عرسال في بداية التسعينيات. لا ينفي هذه الحقيقة إلا بعض الشيوعيين القدامى، الذين عاشوا صراعاً مريراً مع حزب الله امتد طوال فترة الثمانينيات. هؤلاء الذين شككوا في ثقافة الحزب حينها، وخرجوا عن الرغبة العرساليّة الشعبيّة في محاباته مطلع التسعينيات. والمفارقة، أنهم أنفسهم، أو من تبقى منهم في عرسال، يحبّونه اليوم. يفضلون «إسلامه» المعتدل على «الحالة السلفيّة» النامية قرب الجبال العملاقة على الحدود.

الخلل في «المستقبل»

لم يدخل السلفيّون في منطقة إلا وأفسدوا علاقتها مع الجوار. بات معروفاً أن أحد جرحى الجيش الذين نجوا من المذبحة الأخيرة هو من قريّة اللبوة المحاذية. لو استشهد، هو الآخر، مع النقيب بيار بشعلاني والرقيب الأول خالد زهرمان، لاندلعت، ربما، كارثة مذهبيّة بين «تكساس» (عرسال) وجاراتها. لا أحد يمكنه اقناع أهالي النبي عثمان ونحلة واللبوة أن الطعن والذبح ليست خصالاً «سلفيّة» بالضرورة. لم تشهد المنطقة، على ذمتهم، تجاوزات كهذه في تاريخها. لا يحتاج الخطر السلفي إلى أمثلة كثيرة لتحديد قدرته على التفشي سريعاً، السلفيّون كالزيت. ولكن إذ نتحدث عن عرسال وجاراتها تحديداً، يبدو الأمر لافتاً. استطاعت القرى (الشيعيّة) المحيطة بعرسال فرض علاقة ندّية مع حزب الله في أحيانٍ كثيرة، وحافظت على نسيج عشائري مواز للحراك السياسي. عرسال إنهارت أخيراً أمام الزحف السلفي وذابت فيه، حتى أسطرت الأئمة الطارئين وتخلت عن «الشيخ» بمعناه العشائري الأصيل.

والقول إن قرى اللبوة والنبي عثمان ويونين ومقنة، التي تُحاصر «قلعة المستقبل» (سابقاً) البقاعيّة، حافظت على حضور العشائر في السياسة والبلديّة ليس في خانة المديح، بل لا يتجاوز العرض. ففي الانتخابات البلدية الأخيرة في اللبوة، مثلاً، شكل حزب الله وحركة أمل لائحة فيما شكلت العائلات لائحة مضادة، فنجحت الأخيرة التي يرأسها رامز أمهز، ابن أحد قياديي الحزب الشيوعي اللبناني. كان «رفيقاً» لعرساليين كثر في مرحلة صعود اليسار اللبناني. ولا غل أو غليل بينه وبين العرساليين، بل على العكس. وفي النبي عثمان، زُج حزب الله في خلاف وقع قبل شهرين، مع أشخاص من عرسال، لأن المنطق العشائري يطغى على قوة الحزب وحضوره في الشخصيّة البقاعيّة. أما في نحلة، القرية التي تتصل بعرسال في جرودها، فوفقاً لمتابعين، امتعض الحزب كثيراً لأن تجار السلاح في بريتال ودار الواسعة حوّلوها (نحلة) معبراً لإمرار السلاح إلى المعارضة السوريّة، مقابل بدلات ماديّة تُثري المُدقَع. ولا يدل ذلك إلا إلى أن القرى الشيعيّة تناور الحزب في ثقافتها وسلوك أهلها، وتلتحق به بالسياسة في مرحلة متأخرة، فلا تقاطعه أو تبحث عن بديل منه، على الأقل في المرحلة الحاليّة. أما العرساليّون فشأن آخر. عرسال أقرب إلى تكساس لبنانيّة.

وعلى عكس الحزب الشيوعي، والبعثين السوري والعراقي، لم يستطع تيار المستقبل، بهيكليته التنظيميّة الضعيفة وغياب «القائد» البقاعي في صفوفه، احتواء العشائريّة العرساليّة وتنظيمها لصالحه، كما سرت الأمور مع القرى الشيعيّة التي توالي الحزب في السياسة وتختلف معه في الأدبيّات. المستقبل في عرسال ظل تياراً لفظيّاً ولم يصبح حزباً بعد. في حزب الله كان هناك الشيخ صبحي الطفيلي سابقاً، والسيد عباس الموسوي لاحقاً، مع الفارق الكبير في الحكمة بين الشخصين لمصلحة الثاني، إضافةً إلى شخصيّات من الوزن «الثقيل» في الحزب، كالسيد ابراهيم أمين السيد والشيخ محمد يزبك وغيرهما من القياديين الذين يعرفون التعامل مع البيئة وضبط الخلافات بينها وبين أيديولوجيّة الحزب. لم يرتبك الحزب في محيط تكساس. حتى اجتماعيّاً لم يفته تقديم بعض المساعدات. أما تيار المستقبل فحزب طارئ لا قياديين فيه، إلا أحمد الحريري الصيداوي. هكذا دعم الحريري «مفاتيح» في عرسال الكبرى، أبرزها رئيس البلديّة الحالي علي الحجيري الملقب بـ«أبو عجينة». تركها على سجيّتها. تسلقت هذه المفاتيح فراغ المستقبل التنظيمي. ولكنه ليس فراغاً تنظيميّاً وحسب. في عرسال مستوصف واحد أغلق أبوابه قبل سنتين. يعتمد السكان على أطباء القرية. ومشاريع تيار المستقبل في المنطقة: صفر. صفر عملاق. لا يعرف التيار المنطقة في المشاريع ولا في الأفراح ولا في العزاء، وفي «عز» الخلاف مع النظام السوري، كان المازوت يهرّب من سوريا إلى «العراسلة». لو أغلق السوريّون هذا «المنفذ» لتجمد العرساليّون برداً وهم يهتفون «لبيك يا سعد الدين». لكن سعد في باريس، وعرسال بلا ربع مشروع إنمائي واحد، يقودها رجل الحريري الأول في البقاع: علي الحجيري.

كان والد الحجيري مقاتلاً في قوات «الصاعقة»، وقاتل جدّه إلى جانب البعلبكي المعروف في المنطقة، توفيق هولو حيدر، ضدّ الأتراك والفرنسيين. هكذا صار «أبو عجينة» مفتاحاً، لا لأنه صاحب «كاريزما» أخّاذة، ولا لثقافة ساحرة. أُحرقت اللبوة ثلاث مرات، ولم تحرق عرسال في تاريخها، ذلك لأن موقعها الجغرافي مرتفع عن المحيط، وثانيّاً لأن أهلها لم يرغبوا في قتال الأتراك والفرنسيين كحال البقاعيين الآخرين. كانوا يميلون إلى الزراعة ورعي الأغنام. هذه حال الحجيريّين الطيّبين قبل صعود نجم «أبو عجينة» ورفاقه. لم يقاتل «العراسلة» حتى جاء الحزب الشيوعي، وتوقفوا عن ذلك حتى جاءت الأحداث في سوريا. اكتشف «جزء» من العرسالييّن الذين سئموا سقم المستقبل الحزبي، علاقتهم الميمونة بـ«السلف الصالح».

أحلام علي الحجيري

لا يختلف إثنان على إزدهار التهريب من سوريا إلى عرسال، مثلما لا يتفقان على أن زراعة المخدرات قد تلعب دوراً في عيش البقاعيين، وتجارتها قد تلعب دوراً أضخم في إثراء فئة قليلة جداً منهم. وعلى هامش هذا وذاك، يوجد بقاعيّون معروفون بتجارة السلاح، وقد جاءت الأحداث في سوريا لتنقل المشهد من نومه في سرير التجاذبات السياسيّة إلى الواجهة. في البقاع هناك واجهة واحدة رئيسيّة لنقل السلاح إلى سوريا: عرسال. عمليّاً، حصل البقاعيّون على هذه الكميّة من الأسلحة من مصادر متعددة. لا يتوقف الأمر على مخازن الأسلحة القديمة من أيام الحرب الأهليّة. في بعلبك، قصة يهملها كثيرون. سقطت ثكنة الشيخ عبدالله التابعة للجيش اللبناني في يد المقاتلين الإسلاميين عام 1983، بعدما قصف الجيش بقيادة العماد ابراهيم طنوس الضاحية الجنوبية، وهو ما أدى لاحقاً الى الاطاحة بطنوس. يذكر اللواء جميل السيد أن ذلك القصف سبّب دماراً كبيراً وأدى الى سقوط ضحايا، الأمر الذي أدى الى رد فعل في البقاع، باعتبار أن أهل الضاحية هم مزيج من شيعة الجنوب وشيعة البقاع. تسبّب هذا الحادث في سقوط الثكنة في ايدي مسلحين بقيادة الشيخ صبحي الطفيلي. كان ذلك في عهد الرئيس السابق، «المتوجس» الحالي من الحالة السلفيّة، أمين الجميّل، أصبحت منطقة بعلبك محظورة على الجيش «المجرم». كانت نقطة تحول، بداية العلاقة المأزومة بين الجيش والبقاع. واستمر التحول تزامناً مع التحولات الكبرى في المنطقة. بعد حرب البقاعيين على جيش الرئيس أمين الجميّل قبل ثلاثين عاماً، خرج بعض العراسلة اليوم ضدّ الجيش. الدولة والبقاع، قصة قديمة.

على هامش هذا كله، لطالما نسّق البقاعيّون مع العرساليين من أجل «التجارة». الدنيا صغيرة إلى هذا الحد. وقد ظنها علي الحجيري أصغر من ذلك. يقول سكان اللبوة إنهم لم يفكروا في قطع الطريق في حياتهم على عرسال، بينما ينقلون عن الحجيري قولاً شهيراً ردّده أمام سعد الحريري يوم السابع من أيّار: «أستطيع احتلال السهل كاملاً من اللبوة إلى مقنة وصولاً إلى شعث في ثلث ساعة». جرت «مناوشات» آنذاك، وكانت عاقبتها وخيمة على الحجيري، وأدت إلى «تحجيم» نظريّاته العسكريّة، قبل أن تظهر المعارضة السوريّة، وتبدأ علاقة جديدة مع الجوار، ظن فيها الحجيري، المطلوب للدولة الآن، أنه صار قويّاً بما يكفي.

شيء من هيبة الدولة

في اللبوة اليوم 600 عائلة سوريّة نازحة من إدلب ومعرّة النعمان. لا يعتبر أهل اللبوة هذا عنواناً للتباهي، بل في عاداتهم هذا طبيعي. يزور هؤلاء المركز الصحي وتتولى البلديّة الاهتمام بهم، وأحياناً التنسيق مع الجمعيّات التي تساعد النازحين. إيواء الضيف وإكرامه من عاداتهم وهذا ليس موضع نقاش. لم يسألوا هذه العائلات يوماً عن انتماء أهلها السياسي، رغم أن منطق الأحداث يدل إلى أن النازحين، بغالبيتهم، ليسوا من أنصار النظام في سوريا. وفي النبي عثمان، جرت الأمور على النحو عينه. في عرسال وحدها، أنشأ السلفيّون من المعارضين وحدات مقاتلة، تبدأ بـ«الرجل صاحب الاكسبرس». ولهذا الرجل قصة متداولة في القرى المحيطة بعرسال. إنه مقاتل سوري، يدقق في هويّات الداخلين والخارجين من القرية. ذات مرة أوقف رجلاً من آل شريف، من أهل اللبوة، ومنعه من الدخول إلى عرسال للقاء أحد مدينيه. كاد الأمر أن يشعل «الفتنة» (ما غيرها) لولا تدخل بعض العقلاء واحتواء الأمر. اختفى «رجل الاكسبرس» بعد عمليّة الجيش الأخيرة، ويرجح المتابعون أنه في سوريا الآن، حاله حال «أصحاب اللحى الطويلة» الذين، وفقاً للمتابعين في قريّة النبي عثمان، لا يتخطون حدود سوريا ــــ عرسال. لا يتجرأ هؤلاء على المرور في القرى المحيطة، لأن مجرد مرورهم فيها سيشكل استفزازاً كبيراً لسكانها. استفزاز كافٍ لإندلاع حرب أهليّة مصغرة بنتائج وخيمة.

طبعاً، لا يعني ذلك أن العرسالييّن سلفيّون. في عرسال 35 ألف مواطن، جلّهم عاديّون بلا انتماءات. ولذلك تكتسب البلدة أهميّة ديموغرافيّة، يلفت المتابع إلى أنها لا تنعكس في السياسة ولا في الانتخابات. في عرسال، أكثر من 13 ألف ناخب، اقترع منهم عام 2009 أقل من 6 آلاف، لأن «النتيجة محسومة سلفاً». ويُقال إن في البلدة عدد كبير من «مكتومي القيد» الذين لا يسجلون الولادات في الدوائر الرسميّة، استناداً إلى عقليّة عشائريّة لا ترى أي نفع من الالتحاق بالدولة. رغم ذلك، يحظى هؤلاء بغطاء «رعوي» من دعاة بناء الدولة والعبور إليها. عوضاً عن تنميّة العلاقة بينهم وبين الدولة، كرّس المستقبل عشائريتهم. وهذا ما يفسر صراعهم مع كل ما يمت إلى الجيش بصلة. حتى مئات العسكريين العرساليين في الجيش، ذهبوا إليه بخلفيّة وظيفيّة. لكنهم بريئون طبعاً من تصريحات «أبو عجينة» المعاديّة للجيش. الجريمة الأخيرة ليست إلا إعلاناً لسوء العلاقة مع الدولة، وسبقتها سلسلة من الأحداث المشابهة، جميعها حدثت تحت رعاية المقاتلين السوريين المتحصنين في «تنسيقيّة» القرية. في أيلول المنصرم، مثلاً، تعرض 18 «فهداً» من وحدة القوى السيّارة في قوى الأمن الداخلي للضرب داخل القرية من «الأهالي». وفي كانون الأول، سُلب رجال حرس الحدود في الجيش بنادقهم وهويّاتهم، ولم يخلوا إلا بعد ثلاث ساعات. وهذا يستفز محيط عرسال كثيراً، الذي يشعر بغبن تاريخي من «الدولة». بالتأكيد، إصلاح الغبن لا يكون بغبن مضاد. بكلمات أخرى، هذه ليست دعوة لتأديب عرسال، أو للمس بكرامة النازحين المدنيين الأبرياء.

لكن، إذ نتحدث عن فارقٍ بين عرسال وجاراتها الشيعيّة بعد الأزمة السوريّة، هناك فارق أساسي: «هيبة» الدولة. للجيش هيبته في البقاع التي لم تنكسر بعد، رغم كل ما يشاع. أما في عرسال، فقد «تبخرت» هذه الهيبة تدريجيّاً ليحلّ مكانها: الصوت السلفي. صوت قليل لكنه يبتلع صوت الأكثريّة الفقيرة الصامتة في تكساس البقاع، عرسال المحرومة.

 

الممرّ إلى الجهاد: مشاريع القاع

 

 

في الحديث عن «محيط عرسال» لا يمكن تجاوز العلاقة التي أوجدها «العراسلة» مع القاع منذ 2006، عبر استحداث طريق جبليّة تصل قريتهم بالبيوت التي بنوها في ما يعرف بـ«مشاريع القاع»، واستخدام هذه الطريق كممر حيوي لنقل السلاح والعتاد والمقاتلين. صارت «المشاريع» مرتبطة بعرسال ديموغرافيّاً. الطريق الطبيعيّة إلى عرسال تمرّ من اللبوة، والالتفاف عبر «مشاريع القاع» الوعرة جبليّاً، له أسباب مفهومة. قبل عام تقريباً، دهم الجيش المنطقة، التي يسكنها مواطنون من عرسال، بمحاذاة القاع «المسيحيّة»، وأوقف فوج الحدود البريّة أشخاصاً لبنانيّين وسوريين، وضبط كميّة كبيرة من الأسلحة الثقيلة التي كانوا ينقلونها في سياراتهم. ويثير وجود سكان من عرسال قرب القاع، في ما يعرف بالمشاريع، حفيظة أهالي القاع، لأسباب ديموغرافيّة مسوّغة لبنانيّاً، غير أن المتابعين يؤكدون أن رئيس بلديّة عرسال علي الحجيري (الصورة)، «مرتاح جداً» لسكن أبناء بلدته هناك، وتالياً سيطرتهم العسكريّة عليها (!) فالطريق الوعرة، التي تؤدي إلى مشاريع القاع، تضع الراغب على مرمى حجر من الأراضي السوريّة، ويمكن أن يأخذ العابر مفترق طريق قبل الوصول إلى القاع، عبر «طريق بعيون» ويصل من هناك إلى ريف دمشق.

ويقول العارفون في القاع، القرية التي غزاها الجيش السوري في نهاية سبعينيات القرن الماضي مؤسساً لعداء تاريخي معها، أن أهاليها باعوا أرضاً للعراسلة فعلاً، في الفترة التي تلت حرب تموز تقريباً، وذلك بعدما تلقوا عروضاً «لا تقاوم». ربما تفسر صور الملك السعودي هذه «العروض» على بوابات «مشاريع القاع». ولا نتحدث هنا عن جيرة غير طبيعيّة بسبب الخلاف الطائفي بين سكان القاع الأصليين، وسكان «المشاريع» الجدد، بل عن موقع «ساخن» وقع فيه القاعيّون، حيث تعد المشاريع الوعرة نقطة انطلاق واستقبال للجيش السوري الحرّ، وترتبت على هذا تداعيات لم تكن في بالهم.

 

سعد نايل المنطقة

 

إلى جانب الظهور «النجومي» أخيراً لعرسال، كرأس حربة 14 آذار في البقاع، يبرز إسم قرية سعدنايل في البقاع الأوسط، كقريّة يحظى فيها تيار المستقبل بتمثيل كبير. يشعر العابر إلى البقاع بتميّزها عن المحيط بمجرد النظر إلى اللافتات المرفوعة فيها. وكانت القرية قد ظهرت مرتين إعلاميّاً، أولهما، بعد الخلافات المسلحة مع تعلبايا، القرية المحاذية، وثانيهما، بعد اطلاق سراح المدان بالتعامل مع العدو الاسرائيلي زياد الحمصي. بعد أحداث السابع من أيار، اشتعلت جبهة سعدنايل ـــ تعلبايا، حيث استخدمت قذائف الهاون والـ«ب 7»، في حضور الجيش اللبناني، الذي عمل لاحقاً على ضبط الوضع. هدأت سعدنايل وارتاح أهلها، لتشتعل عرسال بعد الأحداث في سوريا، نظراً لموقع الأخيرة الجغرافي المميز، فيما تلعب سعدنايل دوراً واضحاً في تنظيم حركة مساعدة النازحين. وهي مساعدة انسانيّة في الدرجة الأولى، ولم تسبب أي خلافات مع المحيط حتى الآن، علماً أن البلدة مزينة بصور عملاقة تمدح الرئيس الحريري وتقول: «سعد...نايل معك».

ولكن كما في عرسال كما في سعدنايل. تحذر أصوات كثيرة من القوى السلفيّة، وتؤكد أن هذه القوى نفسها، كانت سبب الاشتباكات التي اندلعت بعنف بين سعدنايل وتعلبايا داخل أحياء القرية الأخيرة، مؤكدين أن هذه القوى تتوغل في سعدنايل آتية من قرى مجدل عنجر وبر الياس والمرج، لدعم المستقبل لوجستياً في حال أي اشتباك، ولكن تراجع هذا «الدعم» سببه الأحداث في سوريا، وانهماك الأصوليين في القتال الدائر هناك.


Script executed in 0.17132711410522