أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

ضيف أنطاكية الجديدة في أيامــها العصيبة

الإثنين 11 شباط , 2013 04:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,452 زائر

ضيف أنطاكية الجديدة في أيامــها العصيبة

و«على الواقف»، كرر الموقف ذاته على مسمع الممثل السياسي للنظام السوري في حفل تنصيب بطريرك الأرثوذكس يوحنا العاشر اليازجي. أعاد الراعي من دمشق التذكير بمواقفه الباريسية التي سبقت المجتمع الدولي بنحو عام في الدعوة إلى انتهاج طريق الحوار لحل الأزمة السورية. هي زيارة تاريخية بكل معانيها: أول بطريرك ماروني يزور عاصمة الأمويين، منذ جلاء الانتداب الفرنسي عن البلدين. توقيتها السياسي والأمني، في لحظة إعادة رسم موازين القوى في الإقليم، انطلاقاً من الحرب في سوريا، وفي ظل القلق على مصير مسيحييها، ومعهم مسيحيو المشرق. أما بيروتياً، فلا تُحتَسَب الزيارة إلا بميزان الانقسام الحاد الذي تعيشه البلاد. ووسط انكفاء القوات والكتائب وتيار المستقبل عن انتقاد الزيارة التي أزعجتهم، تكفّل ممثلوهم الرسميون وغير الرسميين بالهجوم على هذا الانفتاح الماروني الكبير على الكنيسة الأرثوذكسية

 

غسان سعود

لا يزور البطريرك بشارة الراعي «سوريا الأسد» ولا «سوريا النصرة». يحرص عند اختياره كلماته على تحديد سورياه: «هذه الأرض الجريحة التي تتحول دماؤها دموعاً في عينيّ المسيح». يمكن المزايدات أن تتوقف قليلاً و«تزريك» السياسيين بعضهم لبعض وشد سوريا بالحبال.

 

بلا بهارات 14 آذار وتوابلها، يمكن مشهد النازحين المصطفين على البوابات الحدودية أن يحدث الوفد الفاتيكاني عن نفسه وطريق دمشق الدولية المقفرة والحواجز والحرب. يمكن مي شدياق أن تتنحّى جانباً: في طرقات باب توما لا تقف شهيدة حية واحدة قبالة الموكب البطريركيّ ولا خمسة أو عشرة؛ هنّ هنا بالآلاف. شعب من الشهداء الأحياء الذين لا «يربّحون» مجرات الكوكب يومياً جميل تضحياتهم ولا ينظّرون في الوطنية والأخلاق والدين. الذين يحرقون الكنائس في سوريا لا يتوقفون كمن أحرقها في الجبل عند قيمة أجراسها فيدفنونها تحت الأنقاض. في الأمانة العامة لقوى 14 آذار وحولها نواب أسقطهم شعبهم فور تحرره من قوانين «ريف دمشق» الانتخابية، يعتقدون أن الله خلقهم مسيحيين وكسر القالب: لا يفهمون كيف تكون البطريركية التي يمثلها الكاردينال بشارة الراعي بطريركية أنطاكية وسائر المشرق، لا بطريركية سمير فرنجية وفارس سعيد كما جعلها غيره. لماذا يذهب الراعي عند مسيحيي سوريا، يسأل فارس سعيد بحنق. لماذا يذهب؟ هم سيأتون آجلاً أو عاجلاً، فها قد سبقهم مسيحيّو العراق وفلسطين. لا يريد هؤلاء للرأي العام أن يعلم أن في سوريا الجريحة هذه الخزان المسيحيّ الأكبر في أنطاكية. لا يتحدث النائب السابق فارس سعيد لغة المسيح ليفهم على أهالي معلولا؛ لا يعلم أن مجتمعاً آشورياً يتجاوز عدد قراه الثلاثين يعيش كابوساً حقيقياً على ضفتي نهر الخابور، إذ يرى الكابوس العراقيّ يطارده حتى أطراف دير الزور. لم تعذب قوى 14 آذار نفسها عناء سؤال تجار الحليب في الريف الحلبي عن الآباء المسيحيين الثلاثة الذين مرت أسابيع على اختطافهم. لم يتسنى لمن لا يملأون وقتهم إلا بشرب القهوة عند أساتذتهم في كتابة التقارير الاستخبارية عن أبناء وطنهم، رؤية أديرة سوريا والتنقل في دمشقها بين كنيسة يوحنا المعمدان في الجامع الأموي والكنيسة المريمية وكنيسة حنانيا وغيرها. يزور البطريرك نحو مليون مفقود في ظل الصراع القائم في سوريا منذ عامين، فيسأله جهابذة 14 آذار عن المفقودين اللبنانيين في السجون السورية، وفق أسطوانة تنساها قوى 14 آذار حين يزور الرئيس سعد الحريري وقبله والده الرئيس رفيق الحريري سوريا، وتتذكرها حين يزورها زعيم الموارنة العماد ميشال عون أو بطريركهم. نفس نوفل ضو حزينة و«قلبه يعتصر ألماً». لماذا؟ لأن البطريرك بشارة الراعي اجتاز حدود جونية والأشرفية وزحلة وذهب يصلي عند رعية في أمسّ الحاجة إلى صلاته لتدفئها. دمشق الراعي إنما هي أنطاكية الجديدة، ففيها بطريركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس وبطريركية أنطاكية وسائر المشرق للسريان الأرثوذكس وبطريركية أنطاكية والقدس والإسكندرية للروم الملكيين الكاثوليك.

عملياً، ما كاد البطريرك بشارة الراعي ينهي زيارته لطرابلس يوم الجمعة الماضي، حتى خطا يوم السبت مع دوائر الكرسي الرسوليّ المرافقة له أبداً باتجاه تكريس مشرقية كنيسته كما يوصيه البابا بنديكتوس السادس عشر دائماً، وانفتاحها الجديّ من البوابة السورية الحصرية على الوجود المسيحيّ في هذا الشرق. الشرق الذي يقول الراعي إنه لا يُختزل بتلة حريصا وصليب جزين وجبّة بشري. فطرطوس بمتحفها الكاتدرائي جزء منه، وحمص بكنيسة أم الزنار وطبعاً صيدنايا والناصرة ومحردة الأرثوذكسية ومن تبقى من كلدان العراق وأقباط مصر. قاس الرجل كلماته كما لم يفعل يوماً حتى لا يتهم بتأييد فريق على آخر في الصراع القائم. لم ينجرّ إلى لعبة من يهينونه يومياً منذ بدأوا ثورتهم، لعدم تقديمه فروض الطاعة والإعجاب بسيوفهم. ونجح، منذ أعلنت زيارته حتى عودته، في إبعادها عن التسييس الذي سعت قوى 14 آذار بقوة خلفه لإضعاف الراعي، في سياق حملتها المستمرة عليه منذ انتخب بطريركاً، مع العلم بأن النظام حرص على عدم إحراج البطريرك والكنيسة الأرثوذكسية، فآثر الرئيس السوري بشار الأسد عدم المشاركة في الاحتفال المسيحيّ، مرحّباً بالطابع الديني بامتياز للزيارة. وفي النتيجة، حسم الراعي في زيارته السريعة تموضع بطريركيته المارونية الجديد في بيئتها المشرقية أولاً، إلى جانب الأرثوذكس والسريان والكلدان والآشوريين، وأكد التزامه بالتوصيات البابوية في تعزيز قيمة كنيسته بوصفها صلة الوصل في هذه المرحلة بين مسيحيي سوريا وفلسطين والعراق من جهة والعالم من جهة أخرى، بعدما استغنى الغرب عن حاجته إلى هذه الكنيسة كصلة وصل لغوية بين الشرق والغرب. وقد ذهب البطريرك في ترجمة المصالحة المارونية _ الأرثوذكسية أبعد مما انتظر كثيرون، في قوله لأرثوذكسيي سوريا قبل موارنتها إنه معهم في محنتهم العظيمة هذه. هو المدرك من دوائر الكرسيّ الرسوليّ أن أوضاع هؤلاء توازي في التهجير والقتل والخوف أوضاع الموارنة في حرب الجبل.

كان يمكن قوى 14 آذار الاستفادة من الزيارة البطريركية لتضيء على «استخدام النظام بعض القرى المسيحية الآمنة لقصف الأحياء الثائرة»، وتجيب على مخاوف البعض من جبهة النصرة وفتاوى العالم العربي الثوريّة. إلا أن في هذه القوى من يتمسك بالتخوين والتهديد وإثارة الغرائز في مخاطبة الرأي العام. فتجاهل فارس سعيد والجيل الثاني من مثقفي هذه القوى نوفل ضو وصالح المشنوق ونديم قطيش سعي الراعي لتكريس مشرقية كنيسته والقلق المسيحي السوري العام لمصلحة التفاصيل: هل صعد الراعي في الموكب السوري الرئاسيّ الذي وضعه الرئيس السوريّ بشار الأسد بتصرفه؟ هل صفّق الراعي عند ذكر رئيس الجمهورية السورية خلال القداس؟ وهل كان يبتسم خلال مصافحته نائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد؟ وفي السياق التكفيري للثورة السلفية في المنطقة، يصف صالح المشنوق (على صفحته على موقع فايسبوك) القداس الذي شارك فيه الراعي بـ«الشيطاني»، قبل أن يصحّح خطأه بخطأ أكبر منه، مؤكداً ترسيخ بطريرك الموارنة «شراكته (القائمة أصلاً) مع الشيطان بشار الأسد». أما سعيد، فتقدم صديقه المشيطِن، مبرراً قتل المسيحيين في سوريا بناءً على رأيهم السياسي. فبدل دفاعه عن حق المسيحيين في أن يكون لهم رأيهم في أزمة بلادهم وأن يحترم أمنهم واستقرار مناطقهم أياً كان رأيهم، رأى سعيد أن الزيارة «تعرّض المسيحيين للخطر». وفي رأي سعيد أن الثورة السورية التي يقف إلى جانبها فيما جبهة النصرة تتقدمها، تراعي حقوق الإنسان جداً، أما «النظام السوري فينتهك حقوق الإنسان ولا يمكن الكنيسة أن تكون بجانب النظام»، من دون أن يبيّن للرأي العام كيف كانت الكنيسة أمس واليوم إلى جانب النظام. وحالة سعيد وغيره من شخصيات قوى 14 آذار من حال البطريرك المتقاعد نصرالله صفير الذي كان وبعض مطارنة الدور المتقاعد يردّدون أمس «أيش رايح يعمل؟». كنيسته تذبح هناك و«أيش رايح يعمل؟». فليبقى هنا، يقول فارس سعيد: غداً سيأتي البطريرك اليازجي، كما أتى قبله مسيحيّو أرمينيا والعراق وفلسطين وأجزاء واسعة من سوريا.

 

... لا تساوي دم بريء

 

بداية تصريحات البطريرك بشارة الراعي في سوريا كانت عند نقطة جديدة يابوس، أول من أمس، إذ تمنى انتهاء الأزمة السورية. ومن كنيسة مار أنطونيوس في باب توما بدمشق، حيث ترأس الراعي قداساً إلهياً لمناسبة عيد مار مارون، أشار الراعي إلى «حياة سوريا الجريحة والمتألمة، حيث العنف والإرهاب والقتل والتدمير والتهجير»، قائلاً «كفى لكل من يمارسون كل هذه المآسي». وشدد الراعي على أن «الإصلاحات لازمة في كل مكان، لكنها لا تُفرض فرضاً من الخارج، بل تنبع من الداخل حسب حاجات كل بلد»، معتبراً أن «الإصلاحات تتم بالحوار والتعاون والتفاهم».

وفي حفل تنصيب بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس، يوحنا العاشر اليازجي، أمس، قال الراعي إن «كل ما يقال ويطلب من أجل إصلاحات وحقوق إنسان وديموقراطيات، هذه كلها لا تساوي دم إنسان بريء يراق». وتوجّه الراعي إلى اليازجي بالقول «باسم كل الموارنة... نقول لك كل المحبة والمودة لك وللكنيسة التي دعيت أن تكون رئيسها».


Script executed in 0.19432091712952