يبدو الرئيس عمر كرامي مرتاحاً لمفاعيل الموقف الذي اتخذه غداة الاعتداء المسلّح على موكب ابنه الوزير فيصل كرامي، لما شكّله من حاضنة وطنية حمت طرابلس والبلد عموماً من فتنة عمياء.
يعبّر «الأفندي»، اليوم، عن سعادته بالسلوك السياسي لفيصل الذي نجح في تفعيل وزارته بشهادة الجميع، وبدأ يشق طريقه ويلفت الأنظار، مؤكداً أنه سيرشّحه في الانتخابات النيابية المقبلة مهما كان القانون الانتخابي، مشدداً على أنه لا يغلق الباب أمام أحد بشأن التحالفات الانتخابية، معتبراً أن التناغم الحاصل بين فيصل والرئيس نجيب ميقاتي هو أمر جيد.
يسير «أبو خالد» بين النقاط في مقاربته للموضوع الحكومي، فهو يحرص على تجنّب الانتقاد اللاذع باعتباره مشاركاً في الحكم، لكنّه يخالف ميقاتي نظرته للحكم، معتبراً أن النأي بالنفس في أكثرية الأمور لا تفرض هيبة ولا تصنع قراراً، وهذا ما يجعل جماعة «تيار المستقبل» أكثر تأثيراً في الدولة من الحكومة نفسها، داعياً ميقاتي إلى فرض هيبته وممارسة الحكم بكل ما للكلمة من معنى «ونحن في ذلك الى جانبه ومعه».
من هذا المنطلق يدعو كرامي النائب سليمان فرنجية الى محاورة رئيس الجمهورية ميشال سليمان، لأنه «لا يجوز في ظل المخاطر التي يمر بها البلد، ووسط هذه الظروف الصعبة أن نعرقل الحكم والحكومة وأن ننال من سمعه الرئيس ونكون مشاركين في الحكم».
في حديثة لـ«السفير»، يرى كرامي أن المشهد السياسي العام في المنطقة يؤثر كثيراً في لبنان، مبدياً أسفه الشديد للروح القبلية وللممارسات العشائرية التي ما تزال سارية بين اللبنانيين.
ويقول: هذه الآفة الطائفية تتفاعل ويتضاعف ضررها، وتؤدي الى مشاكل أساسية في لبنان تجعل كل الأطراف تهدد بفرط البلد عند أي إستحقاق، كما أنها تؤثر على وضعنا الاقتصادي والمالي، فالاستقرار وحده يؤمن الاستثمار في البلد، لكن الأجواء الاعلامية وبرامج «التوك شو» على التلفزيونات تخلق أجواء غير مريحة، وتجعل الجميع قلقا على مستقبل لبنان.
لبنان وضعه دقيق جدا
ويضيف كرامي: نعيش اليوم في ظل متغيرات كبيرة في المنطقة، والأخطر أنه حتى الآن لم تستقر الأمور ولا أحد يعلم الى أين ستصل، سواء في مصر أو في المغرب أو في العراق الذي يدفع ضريبة دم كبيرة وإن شاء الله يستطيع العراقيون أن يواجهوا التقسيم، وفي سوريا حصل ما حصل، ولبنان وضعه دقيق جدا في ظل هذه التقلبات لأن كل شيء فيه يقاس بالموضوع الطائفي.
ويرى كرامي أن الانتخابات النيابية على عللها تُشعر المواطنين أنهم يشاركون بشكل أو بآخر بالقرار السياسي والاقتصادي والأمني، لافتاً النظر إلى أن «هناك جدية من المسؤولين باجرائها، ولا شك أن الانتخابات تظهر الموقع الشعبي لكل طرف، وتخفف من الاحتقان الموجود، لكن إجراء الانتخابات على أساس «قانون الستين» كارثة حقيقية، وقد بات واضحا للجميع في الداخل والخارج أن عامل المال يكون هو المؤثر وهو المرجح، وقلنا سابقا أننا لا نستطيع أن نواجه المال السياسي إلا بالنسبية، لذلك فإن «قانون الستين» يعني تعيين النواب بكل ما للكلمة من معنى».
وأكدّ أن «لبنان بلد المعجزات، فإذا كان هناك جدية لدى الحكومة لاجراء الانتخابات، وإذا تم إقرار قانون صحيح وعادل، وإذا كان اللبنانيون مؤمنين باجرائها فانها ستجري، وربما تكون من أفضل الانتخابات التي يشهدها لبنان، أما السلاح فهو بين أيدي اللبنانيين منذ زمن بعيد»، لكن «البوادر حتى الآن لا تبشر بالاتفاق على أي قانون انتخابي»، لافتا الانتباه الى أنه إذا استمر الوضع على ما هو عليه من عدم الاتفاق، لن يكون هناك انتخابات، وهذه كارثة كبيرة على البلد».
وعن مبادرة سعد الحريري يقول كرامي: «مع الأسف كل زعيم في منطقته يريد قانون انتخابات مفصّلا على قياسه، والرئيس الحريري فقد الأكثرية بانشقاق النائب وليد جنبلاط عنه، لذلك سنعود حتما الى التصادم بالآراء وكل فريق سيتمسك بمواقفه لأن حياته السياسية متوقفة على الموضوع».
ولفت النظر إلى أن «تيار المستقبل» وحلفاءه «مضعضعون»، وليس لديهم رؤية واضحة بسبب غياب الحريري»، لافتا النظر الى أن التواصل مقطوع بينه وبين الحريري.
ويرى كرامي أن «الفتنة مرتبطة بأمور كثيرة، وأهمها الخارج، واليوم لا يستطيع أي مواطن أن يشتري السلاح الموجود والمنتشر، ما يعني أن هناك من يدفع الأموال ومن يؤمن هذا السلاح في الخارج، وإذا رجعنا الى الماضي القريب كان هناك إشتباكات بين التبانة وجبل محسن، وفجأة سمعنا تصريحات من الخارج تدعو الى النأي بالنفس والى الاستقرار وأنه لا يجوز أن تنتشر الفوضى، وبسحر ساحر توقفت الاشتباكات، لأن من يؤمن السلاح أعطى الأوامر وجرى تنفيذها بثوان، وهذا يدل على أن الهدنة الموجودة مرتبطة بأحداث الخارج».
عرسال نتيجة تعبئة النفوس
ويضيف: عرسال منطقة سنية وعلى الحدود مع سوريا، ومشهورة بشراسة أهلها الذين يعملون وفق مبادئ معينة، ويعتبرون مثل معظم السنة في لبنان أن هناك صراعا مذهبيا، وأن الشيعة من خلال حزب الله وتسليحه الهائل الذي يعد لمواجهة إسرائيل، يسعى الى «تشييع» لبنان، وعلى هذا الأساس وللأسف الشديد لم يعد أحد ينظر الى المعركة على أساس أن إسرائيل هي العدو وهي التي تحرك كل هذه الأمور، علما أن الفتنة والاقتتال في كل المنطقة العربية هما لمصلحة إسرائيل».
ويعتبر كرامي أن «ما حصل في عرسال ناتج عن تعبئة النفوس، كما أنّ طرابلس على نفس الموجة، وعندما قلنا إذا كان سلاح الحزب وجد للاستخدام في الداخل اللبناني فنحن ضده، وإذا كان هذا السلاح موجها ضد إسرائيل فنحن معه، كلفنا هذا الموقف كثيرا من الجدل والعتب والعداوة، لكن هناك واقعا يفرض نفسه والمعركة الدائرة اليوم هي معركة دولية وإقليمية، ولبنان حتى الآن نجح في سياسة النأي بالنفس، لكن إذا طالت الأمور فان الاصبع على الزناد والله يستر من أعظم».
ويرى أن «الجيش والقضاء في عين الاستهداف اليوم، كونهما المؤسستين السليمتين اللتين تعملان في لبنان»، مشيرا الى أن «الجيش أفضل حالا من القضاء، ولكن هناك من يشغل الجيش في معارك متتالية، حيث بات ينتقل من شارع الى شارع ليقوم بمهام ليست من مهامه الأساسية»، لافتاً الانتباه الى أن هناك محاولات للانتقاص من هيبة الجيش.
وعن الاتهام الموجه الى «حزب الله» بمتفجرة بورغاس في بلغاريا، يقول كرامي: نحن نرى أن الأوروبيين أنفسهم يشككون بهذا الأمر، ولم يتخذوا موقفا موحدا، وبرأيي أن كل ما يحدث اليوم في سوريا ولبنان والمنطقة هو مخطط قديم جديد لاضعاف هذه الدول وإلهائها بمشاكلها، وبالنتيجة كل ما يحصل يستهدف «حزب الله» بما يمثله من مقاومة ضد إسرائيل، لأنه إذا كان قضي على النظام في سوريا سيتوقف تمرير السلاح، ولن يعود هناك سند للمقاومة، وهذا طبعا يحصل لخدمة إسرائيل فيما نحن منشغلون بالفتنة المذهبية السنية ـ الشيعية.
«أنا راضي ومش راضي»
وعن رأيه بالحكومة قال: «أنا راضي ومش راضي» فالحكومة فيها إنسجام وهذا أمر جيد ومهم، ولكن الحكومة لم تعالج المشاكل القائمة كما يجب، ولا نشعر أنها تمتلك خطة للمعالجة، بل تعيش كل يوم بيومه».
وعن العلاقة مع الرئيس نجيب ميقاتي، يقول كرامي: «ما تزال علاقة نأي بالنفس، فنحن لا نريد أن نزعج أحدا، كي لا يقول أنه لا يعجبنا العجب، وهذه هي شخصية الرئيس ميقاتي وهذه طبيعته، فهو يعتمد النأي بالنفس، وأنا عكسه تماما، وأقول أن الحكم هيبة وقرار، وإذا لا تأخذ قرارا لا تستطيع أن تفرض الهيبة، وإذا انعدمت الهيبة يفتح كل طرف على حسابه كما هو حاصل اليوم».
ويرى أن «جماعة الحريري ما تزال الأقوى في الدولة بالرغم من مرور سنتين على تشكيل الحكومة الميقاتية»، مشيرا الى أن «فرع المعلومات يشتغل انتخابات وهو يعطي السند الكبير لتيار المستقبل، والرئيس ميقاتي لا يتخذ قرارا ولا يفرض هيبة، وقد أوصله ذلك الى عدم القدرة على الحكم، وأعتقد أن فؤاد السنيورة حاكم في الدولة أكثر من رئيس الحكومة، لذلك فأنا أدعو الرئيس ميقاتي الى أن يأخذ دوره وأن يفرض هيبته في الحكم وكلنا نقف الى جانبه ومعه».
ويضيف كرامي: «بالنسبة لطرابلس هناك خمسة وزراء من بينهم رئيس الحكومة وهو رئيس السلطة التنفيذية، وبالرغم من مرور سنتين على تشكيل الحكومة لم يحصل شيء في المدينة».
لا شيء يمنع قيام تحالفات جدبدة
وعن الانتقادات الموجهة الى رئيس الجمهورية وخصوصا من النائب سليمان فرنجية، يرى كرامي أن «الرئيس ميشال سليمان ليس وحده في الحكم، ولا يستطيع بمفرده وفق الصلاحيات والامكانات المعطاة له تسيير كل الأمور»، مشددا على وجوب أن يتعاون الجميع لا سيما في ظل هذه الظروف التي نمر بها، ولا يجوز أن نشارك في الحكم وأن ننتقد.. وبالنسبة لسليمان بك، لا أعرف ما هي مآخذه على رئيس الجمهورية، ولكن برأيي إذا كان هناك من مآخذ، فلا يجوز أن نخلق مشاكل جديدة تعرقل الحكم والحكومة وتنال من هيبة الرئيس ومن سمعته. وربما تكون المعلومات المتوفرة لسليمان بك غير دقيقة، خصوصا أن علاقته كانت جيدة مع الرئيس وكان بمقدوره أن يتصل به أو يزوره أو يحاوره ويتحدث معه، ويفهم منه كل الأمور».
وتوّجه إلى «تيار المستقبل» بالقول «أنه لا يستطيع أن يحكم بمفرده، خصوصا أن وضعه الشعبي يختلف عن 14 آذار 2005، والعاطفة التي ظهرت بالشارع بدأت تتراجع».
انتخابياً، أشار إلى أنّ نجله فيصل «قد يترشح منفردا، ويمكن أن يقوم بتحالفات، ونحن لا نغلق الباب أمام أحد، وعلينا أن ننتظر».
وعن التناغم الحاصل بين فيصل وميقاتي، يقول: «الحمد لله هذا أمر جيد»، معتبراً أن لا شيء يمنع قيام تحالف يضم ميقاتي والصفدي وكرامي.
ويلفت الانتباه إلى أنّه يرصد تغييراً في الموقف الدولي من سوريا، متوقعاً أن يعقد مؤتمر مشترك بين قسم من المعارضة وبين النظام السوري يؤدي الى اتفاق، «لا سيما أن ما يحصل في سوريا محكوم بالتوافق الدولي، يعني محور روسيا وإيران والصين، ومحور أميركا وأوروبا أما العربان فناس هيك وناس هيك».