أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

تيار المستقبل في بيروت «صــفر خدمات»

الإثنين 18 شباط , 2013 04:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,898 زائر

تيار المستقبل في بيروت «صــفر خدمات»

بيروت لم تعُد بألف خير، وأبناؤها أيضاً. هو انطباع يُمكن لمسه لدى السؤال عن أحوالها وأحوالهم. أكثر ما تحفظه ذاكرة البيارتة هو تيار المستقبل. قطعاً مستقبل ما قبل عام 2005، أو مستقبل الرئيس رفيق الحريري. في نظر كثيرين من أهل العاصمة، تُختَصَر السياسة والخدمات بشخص الرجل. ما يتذكّره هؤلاء أن «الشهيد» هو وحده من أعاد انتشالها من ركام الحرب الأهلية، بغضّ النظر عن كيف ولماذا.

واقع بيروت بعد 2005 ليس كما قبلها. أبناء العاصمة، اليوم، يعانون من شحّ الخدمات التي اعتادوا الحصول عليها من التيار الذي احتكر مدينتهم. بيروت، اليوم، تحيا بالسياسة. السياسة وحدها. طغت الشعارات والخطابات على كل شيء. هذه هي النتيجة الطبيعية للسياسة التي انتهجها تيار المستقبل في زمن «الوارث من أبيه».

في حياته، تفنن «أبو بهاء» في إقناع «البيارتة» بأنهم محميون سياسياً وخدماتياً. حياتهم اليوم تعُج بكومبارسات نيابية وبـ«جعجعة» كثيرة، لكن من دون طحن.

في بيروت ثمانية نواب ينتمون إلى كتلة المستقبل. هؤلاء يفترض أنهم يمُثلونها في المجلس النيابي. لكنهم في الواقع أول الغائبين عنها وعن مشاكلها. حكاية التشريع والخدمات لا مكان لها في أجنداتهم الخاصة. لا يخلو برنامجهم اليومي من لقاء أو اجتماع سياسي. ولا يغيب عن بالهم إصدار تصريح عن إشكال في جرود إحدى المناطق اللبنانية، أو حادثة خلف الحدود. يُلهيهم ذلك عن القيام بأقل واجباتهم، وهي «الالتفات» إلى ما تحتاجه بيروت من خدمات. في المبدأ، يمكن وصف ما يقوم به التيار في داخل بيروت بـ«صفر خدمات».

يعيش النواب المستقبليون على إرث الراحل السياسي والخدماتي. لا يملّون التذكير بما قدّمه رفيق الحريري لبيروت وأهلها فيما لا يمكن تذكّر إنجاز واحد من صنع أيديهم. النبش وراءهم لا يؤدي إلى تسجيل أي خطوات إنمائية تحسب لهم. فحتى ما يقوم به التيار على مستوى مؤسساته، لا يعدو كونه نشاطات وتحركات سياسية، باستثناء الاجتماع الدوري لمؤتمر إنماء بيروت، الذي لا يستفيد منه أبناؤها بأكثر من بيان ختامي لتذكيرهم بأنهم مهمّشون ومظلومون، سياسياً طبعاً. في هذا الاجتماع، يحصل التيار على مساعدة مالية تقدّمها بلدية بيروت تفوق مئة مليون ليرة. يصرفها النواب المجتمعون في النقاش السياسي مع تأكيد «الانتقال من الشكوى إلى العمل الفاعل»، من دون تقديم أي خطة لتنفيذ عمل ما في المدينة. مع العلم أن هدف الاجتماع هو «جمع النواب والمخاتير والمسؤولين للنقاش في الشأن الاجتماعي البيروتي»، و«التباحث في ما يجب فعله وتحقيقه من خدمات اجتماعية تشرف عليها لجنة متابعة خاصة بالمؤتمر».

الكسل المستقبلي ليس حديثاً. هو نمط اعتاده نواب التيار حتى في زمن الحريري الأب. فلولا تحركاته الشعبية والاستقبالات التي كان يقيمها في قريطم، لما تذكر أحد أن للمستقبل نواباً عن بيروت. لا ينتبه البيارتة إلى وجودهم إلا بسبب الصخب السياسي الذي يثيره «أصحاب السعادة». الشكوى تلاحق جميع النواب على لسان أهل العاصمة. يتصدّر رئيس تيار المستقبل النائب سعد الحريري لائحة الغائبين. بعيد عن العين وعن السمع. غذّى مناصريه بالوعود قبل أن يهجّر نفسه إلى الرياض وباريس ويقفل قصره في قريطم، متناسياً أن لـ«نيابة» بيروت شروطاً لا يُمكن تجاهلها. طبعاً، لا يذكر له من إنجازاته سوى الخطابات السياسية، والتغريدات التي يُطلقها تعليقاً على تطوّر من هنا أو هناك. يصعب جمع 20 شخصاً في بيروت يعرفون أن في التيار نائباً يُدعى باسم الشاب. ثمة في المقابل نائب بيروتي بامتياز اسمه محمد قباني. في السياسة، يسبقه لسانه في الدفاع المستميت عن المدينة وأهلها. أما في الخدمات فـ«العين بصيرة واليد قصيرة»، بحسب ما ينقل بعض ناخبيه عنه. زملاؤه عاطف مجدلاني ونبيل دو فريج وعمار حوري يداومون على الشاشات، لإطلاق المواقف والمبادرات، بدءاً من القانون الانتخابي، وصولاً إلى عرسال. أما النائب غازي يوسف، فهو إما مشغول بأعماله الخاصة، أو بمشاكله مع وزراء التيار الحر الذين يتناوبون على وزارة الاتصالات. في المقابل، يواظب النائب نهاد المشنوق على استقبال كل من يطرق باب مكتبه طالباً خدمات شخصية أو عارضاً مشاكله. باعترافه هو، لا يُعَدّ المشنوق نائباً شعبياً، بل سياسياً بامتياز، لا بل هو من نواب الصف الأول في الكتلة الذين غالباً ما يعتمد عليهم في القرارات والاستشارات بعد الرئيس فؤاد السنيورة. ما يجمع بين الثمانية، أن اسمهم لم يرتبط يوماً بمشروع «غير سياسي» استفاد منه أهالي بيروت عن حق. ودائماً بحجة «الكيدية» التي تتعاطى بها الحكومة التي تسيطر عليها قوى الثامن من آذار، ما يثير في نفوس أبناء بيروت نقمة، تجعلهم يترحّمون على البيوت السياسية التي كانت تخصّص لهم يوم استقبال وشكاوى، فيما منازل المسؤولين الزرق مجهولة العناوين.

عودة إلى زمن رفيق الحريري. في تلك الفترة، ارتبطت المشاريع التي غزت بيروت باسم سوليدير، وبعض «المتفرقات» الإنمائية التي ترعاها جهات مانحة. ورُغم ما عُرف عن الحريري من اهتمامه نوعاً ما بالإنماء، إلا أنه، بحسب من يرفعون أصواتهم بالشكوى اليوم، «كان يعِد أكثر ممّا يُنفّذ». يعود أحد البيارتة الناشطين إلى «الوعد» الذي قطعه الرجل عام 1996، في خلية حمد في منطقة الطريق الجديدة، بإعادة سكان بيروت من الأطراف إلى مدينتهم، عبر شراء مساحة كبيرة في أرض جلّول لبناء 7000 وحدة سكنية، وحتى اليوم لم يحصل الأهالي على أي منها. أما الشيخ سعد، فقد تلهّى، بداية، «بموضوع النصب التذكاري الذي أقيم في محيط السان جورج تخليداً لذكرى والده»، قبل أن تأخذه كرسي الرئاسة الثالثة، ومن ثمّ أزمته المالية إلى خارج البلاد. ولا يخفى أن «هذا النصب وضع بشكل غير قانوني، دون حيازته للرخصة، ودون حتّى علم أعضاء بلدية بيروت بالأمر». ومن المعروف عن الزعيم الشاب «عدم تعاطيه بالشأن الإنمائي والخدماتي»، وأنه «لا يُحبذ أن يفاتحه أحد في مثل هذه المواضيع». حتّى نوابه الذين كان بعضهم يصرف الأموال من جيبه الخاص، أصبحوا يعتمدون كثيراً على بلدية بيروت.

ولبلدية بيروت مع تيار المستقبل قصة أخرى. يسيطر على مجلسها عبر رئيسها بلال حمد. فيستفيد حالياً من الخدمات الاجتماعية التي يُصار إلى توزيعها لمن هم بحاجة اليها، وتراوح بين 500 ألف ليرة ومليون ليرة. باتت تُعطى اليوم كمكرمات لأشخاص وجمعيات تابعة للتيار، فضلاً عن أن «المشاريع التي تنفذها البلدية، ومنها مشروع تأهيل منطقة الطريق الجديدة، ومشروع السبيل، إضافة إلى مشاريع إعادة تأهيل الجسور، تحال على المتعهدين المحسوبين على الحريري». البلدية إذاً هي «بدل من تيار ضائع».


Script executed in 0.18666696548462