يوم أسود جديد وثقيل، يضاف إلى «الأيام السود» اللبنانية.
يوم أسود في سلسلة الأيام الكالحة من عمر «لبنان الأسود».
الأسود، وحده بين الألوان، هو اللون الشرعي والرسمي والسياسي، في هذا «البلد الأسود».
لا ينتج هذا «الأب الأسود»، غير هذا «الولد الأسود»، مع شديد الاعتذار وكل الاحترام لكل صاحب بشرة سوداء أصلية. فالسواد ليس مذمة ولا يمثل قبحاً، إنما ماذا نفعل بالموروث التاريخي العنصري؟
قانون الستين الذين أعادنا نصف قرن إلى الوراء، «أسود».. قانون «الأرثوذكسي» الذي أعادنا مئة وخمسين عاماً إلى الخلف، هو كالح وفاقع. والذين أنتجوا ما جاء قبله من قوانين، قوم «سود»، تدرّبوا على تخضيب ألوان لبنان الجميلة، بلون الحداد.
«التيار الأزرق» اللبناني، «أسود» فاقع. «التيار البرتقالي» طعمه «أسود» ويركب الموجة «السوداء». تيار «الأبيض والأحمر»، «أسود» كذلك. دمه «أسود» فاحم. «التيار الأخضر» أمل «أسود»، كان سبّاقاً إلى تبني «السواد» الأرثوذكسي. «التيار الأصفر»، «أسود»، يدافع عن «الأرثوذكسي» بما يشبه «القمصان السود». تيارات الأرزة اللبنانية «سوداء». كل من يمت إلى صناعة لبنان الطائفي، تخرّج من مدرسة تدرب على تقليد اللون الأسود، «بأسود» منه... ولقد نجحوا.
لذلك، كلكم في «السواد» أرثوذكس.
بلد يسير في العتمة. يفضل الظلمة على الضوء. يطفئ عينيه، كلما رأى بصيصاً. ولقد بلغ العيب ذروة غير مسبوقة في الافتضاح. صار العيب ممدوحاً، والفضل مذموماً. من يمدح «الأرثوذكسي» يشتم لبنان وينعاه. من يخبّئ في أكمامه ما يشبه «الستين»، وقد خلق من شبهه «أربعين»، يكون شقيقاً «للأرثوذكسي».
هذا لا علاقة له بالمناصفة، بل بالتنصيف والتصنيف: تنصيف لبنان أنصافاً متعددة، بعدد طوائفه ومذاهبه، وفصلها بعضها عن بعض عنوة، وتصنيف اللبنانيين وفق تناسلهم البيولوجي، كالدجاج. الطائفية فقاسة النفوس المدجنة. البيض الطائفي «أسود»، والأقنان «سود»، والمقيمون فيه لهم أجنحة «سود» ولا تجيد الطيران.
هذا لا علاقة له بالديموقراطية وصحة التمثيل. في الأساس، التمثيل اللبناني ملوّث ومغشوش. تمثيل يعيد إنتاج حفنة «سوداء» من كل الطوائف، تتباهى بأيهما أكثر تطابقاً مع «الاسود» الطائفي. تمثيل يوظف الطائفية، بنيات «سود» وغايات «سود»... فلبنان هذا، منذ الاستقلال، لا يتناوب على حكمه، إلا هؤلاء «السود» الذين يسيئون تقليد من سبقهم. في السابق، كان «السواد» ممزوجاً بالكحلي الغامق. حالياً، أصبح «السواد» يبز الأكثر «سواداً».
سبعون عاماً من عمر لبنان، لم تكن كافية كي يولد طبيعياً. كي ينمو ويتقدم برعاية شعبه المفترض أن يقترب من تكوين وحدته ورسم معالم هويته. سبعون عاماً، ولبنان يتوزع وينشطر ويتقسّم ويُغتنم ويقايض به ويحكم بمنطق الغنم بلا غرم، ويحدث كل ذلك في سياق انتخابي كل أربع سنوات، بقوانين غب «السواد» الطائفي، مع تعديلات يفرضها الأقوى سواداً على الأقل لونا.
حكم لبنان بالمارونية السياسية «السوداء». ثم حكم بالحرب الأهلية «السوداء»، التي وشمت لبنان كله لمدة خمسة عشر عاماً «بالسواد»، ثم تم تلزيم إعادة بنائه إلى ميليشياته «السوداء» وإعادة مهجريه لمن هجروه بالسلاح الأبيض، وهو أشد «سواداً» من عيون الجريمة، ثم مُنحَ كي يبني سلمه الأهلي، على عكازات مذهبية مخلّعة، فوقع مراراً، إلى أن عجز أي مقيم أو طارئ على أن يلمه من الهاوية «السوداء».
أين الأبيض في لبنان؟
باستثناء «الأبيض الكولومبي»، و«تبييض الأموال» و«تبييض الذمم» و«تبييض السجل العدلي»، وتبييض ذرى جبال لبنان العالية بالأبيض السماوي، يندر أن تجد فسحة بيضاء مريحة. والأبيض في علم البصريات، هو ملتقى الألوان كلها. هو الأخضر والنيلي والأزرق والبنفسجي والأصفر والبرتقالي والأحمر. أجمل الألوان هو الأبيض الحاضن في تكوينه، كل هذه الألوان الجميلة... لا أبيض ولا أيام بيض. حتى الأيام البيض التي سجلتها المقاومة بالدم، ضد العدو الإسرائيلي، جرت محاولة تلطيخها «بالأسود اللبناني المذهبي والطائفي».
حمل اتفاق الطائف بصيص أمل، فأطفأوه. أشاحوا بنظرهم عنه. الأمل الوطني مضاد للآمال المذهبية الشرهة والطائفية الشرسة. نص اتفاق الطائف، وثمنه بالمناسبة خمسة عشر عاماً من الحروب والدمار والركام والضحايا والمهجرين والخسائر المالية، نص على إنهاء حالة الحرب عبر جمع السلاح، وعلى المناصفة بين المسيحيين والمسلمين، لطمأنة الجميع وعدم استبعاد أحد من المحاصصة، لتنطلق بعد ذلك، أي بعد انتخاب أول مجلس نيابي على أساس المناصفة، عملية بناء الدولة المدنية اللاطائفية، عبر إنشاء الهيئة الوطنية العليا لإلغاء الطائفية السياسية، بعد عامين من أول انتخاب على أساس المناصفة، كما أعلن الرئيس حسين الحسيني عن ذلك بالاتفاق مع البطريرك مار نصر الله بطرس صفير.
تم توقيف اتفاق الطائف في الإقامة الجبرية، لجهة بناء الدولة. تجاهلت قوى الأمر الواقع الطائفية والمذهبية، وقوى الأمر العسكري الإقليمي السوري، هذا المعبر إلى الدولة، وأصرّت على سلوك الطريق إلى تكريس الطائفية والمذهبية في مرافق الدولة والحياة السياسية، من أعلى إلى أسفل، ومن تحت إلى فوق. تجاهلت هذه القوى، أو من يشبهها بالرضاعة المذهبية، المواد الدستورية المتعلقة بإلغاء الطائفية السياسية وبإقرار قانون انتخابي خارج العتيد الطائفي، وإنشاء مجلس شيوخ تتمثل فيه «العائلات الروحية». وكان قد سبق ذلك إلغاء الطائفية في الإدارات، باستثناء الفئة الأولى.
من سبق هذه الحفنة من السياسيين منذ العام 1992، لم يلتفتوا إلى هذا الجسر للعبور إلى الدولة المدنية. فضلوا الكسب الانتخابي على ظهر الطائفية والمذهبية، حيث الفوز مضمون وغير مكلف. يكفي الديموقراطية التوافقية أن يكون برنامج تياراتها التهييج الطائفي حتى تفوز بالتزكية الشعبية.
المناصفة، كانت محطة تطمينية، للعبور إلى الدولة. «المؤقت» في المادة 95 من الدستور قديم، تحوّل إلى مؤبد. كان مطلوباً من أجداد الحفنة السياسية الراهنة، أن ينقلوا لبنان من حال التطيف المؤقت إلى المواطنة الدائمة، وفق ما جاء في مناقشات العام 1926، عند إقرار المادة 95. فضلت حفنة السياسيين السابقين واللاحقين، نقل لبنان من الطائفية إلى المذهبية، (وهي مربحة أكثر) ومن المذهبية إلى الأرثوذكسية... انها لمسيرة سوداء، أوصلت البلد برمّته إلى رحم موبوء لا يستولد منه، إلا ما بعث فيه من سموم.
المولود «الأرثوذكسي» هو الابن الشرعي للبنان «الأسود».
وللأرثوذكسي فضيلة الافتضاح. لقد فضح الجميع. حورب الأرثوذكسي بما يشبهه من محاولة تزويج الطائفي إلى المذهبي إلى المدني إلى ما شاء ربك من خزعبلات مزج الأكثري بالنسبي، والدوائر الصغرى بالكبرى. حورب «الأرثوذكسي»، ببتر الطائف، والقفز عليه عبر تكريس الطائفية، وإنشاء مجلس شيوخ طائفي، على قاعدة علاج الطائفية لا يكون إلا بالمزيد منها.
لقد فضح الأرثوذكسي أصحابه وأعداءه والبلد برمّته. فهناك من يرقص طرباً وهناك من يرقص حزناً. الرقصان فاجران. الحلبة التي تضمهما مؤسسة على علم الحساب، لا على علم الوطن. الحساب الدقيق، يجيده زعماء التيارات المذهبية. الضاحكون اليوم، فازوا بزيادة رقمية، لا نوع فيها. (النوع لا يكون في التيارات المذهبية المغلقة، بل خارجها. الكم هو الجوهر الصلب للطوائفيين) والحزانى، يبكون «يومهم الأسود»، لأنهم سيخسرون أرقاماً وكماً، لا أكثر.
من بإمكانه أن يميز الخيط الأبيض من الخيط الأسود في هذا الليل الحالك؟
بسيطة، سيفوز كل الضاحكين والحزانى. لا فرق بين زيادة هنا، ونقصان هناك. لأن الفائزين كلهم يتشابهون في بينهم، ولا استثناء.
فهؤلاء حكموا لبنان منذ العام 1992، أو ساهموا في حكمه وفي لعب أدوار سياسية فيه، وأوصلونا إلى الهاوية. لبنان اليوم مقفل، لا علاج ولا دواء له. أزماته تزداد جسامة. ديونه المنسية تزداد صعوداً وتضيف إرهاقا. شبابه ينزحون ويهاجرون. العنف فيه مستتب. الغيتوات المذهبية المسلحة تنتشر. الاقتصاد معتل، الفقراء يزدادون فقراً، والأفقر يزدادون عدداً ومأساة تحت خط الفقر. العدالة الانتقائية سارية المفعول. سجن رومية أقوى من الدولة وقواها، المسلحون في الطرقات أقوى من الأجهزة، بما يملكون من دعم «أرثوذكسي»، سني أو شيعي أو علوي أو...
هؤلاء، إذا حكموا لبنان، لن يكون أمامهم، سوى إعادة إنتاج أزمات لبنان، مع إضافة عنصر التفاقم، وقد، (ليت ذلك ينأى) تعني الاضافة كذلك، الدخول في الدم، بمباركة «أرثوذكس» لبنان المنتشرين في كل المذاهب الممثلة في «المجلس الملي اللبناني العام».
على أن هناك أملا بلبنان آخر. أن يسقط المشروع الأرثوذكسي، في الهيئة العامة لمجلس النواب. لأن نجاحه، يقفل الباب نهائياً عن العودة عنه.
ماذا تفعل في هذه الأيام الأحزاب العلمانية والقوى المدنية السياسية؟ لا جواب!
لبنان الطائفي، يكتمل نصابه «الأرثوذكسي». إنه لبنان «الأسود». إنه وطن الأحزان، ونستحق أن نذرف علينا، لا عليه، دمعة صادقة. ويليق بنا أن نلبس الحداد على وطن لم يكتب له أن يرى النور في آخر النفق «الأسود».