كنّ الأكثر صدقاً في ذلك الجمع الذي تنادى إلى ساحة الشهداء. نساء انزوين جانباً يحملن أطفالهن ومآسيهن، إلى جانب صور أحبائهن. عبّرن بصمت عن اعتراضهن على الظلم الذي يتعرض له الموقوفون الإسلاميون. وبصمت أيضاً تقيدن بتعليمات شبان كتبوا على بزاتهم «مسجد بلال بن رباح».
تحمل الطفلة صورة لأبيها كتب تحتها «سنوات وأنا أنتظرك يا أبي». تلك الطفلة لم تفهم بعد لماذا لم يعد أبوها إليها، بالرغم من مضي 6 سنوات على مغادرته المنزل. حينها كان متهماً في قضية والآن ما يزال موقوفاً على ذمة جريمة ربما لم يرتكبها. «ربما» تبقى مشروعة طالما أنه لم ينل أبسط حقوقه بالحصول على محاكمة عادلة. تلك الغصة لا يمانع الإسلاميون في تحويلها إلى مناسبة للسخرية، فيزفون إلى اللبنانيين بشرى سارة يعلنون فيها أن «القضاء اللبناني يدخل كتاب «غينيس» لأطول مدة توقيف من دون محاكمة في العالم».
كل من اعتلى المنصة ادعى أنه يعرف لماذا لم يعد والد الفتاة ونحو 200 من الموقوفين الإسلاميين إلى منازلهم، ولماذا لم يحاكموا. كل منهم جاهر أن الظلم وقع عليهم لمجرد أنهم من «أهل السنة». بالنسبة للشيخ أحمد الأسير يعود ذلك إلى أنهم «يعاملوننا في هذا البلد على أننا طائفة مهزومة ومستضعفة»، وبالنسبة للشيخ سالم الرافعي يعود ذلك إلى «اعتقاد تبنى عليه السياسات بان كل سني هو إرهابي».
الشعور بالمظلومية هو ما يسعى الخطباء لبثه بين الحاضرين. والعداء لـ«حزب الله» هو الشغل الشاغل لهم. صحيح أنهم لم يتفوهوا باسمه إلا أن الصحيح أيضاً أنهم لولا وجوده لما كانوا هناك أصلا. لدى هؤلاء الكثير من الأدلة على ما يتعرض لهم «شبابنا» من ظلم وتمييز.. يكفي أن يستشهدوا بـالأحكام الحبية التي حظي بها العملاء حتى يستنتجوا أنهم مستهدفون.. لا يهمهم أن الظلم يقع أيضاً على آلاف الموقوفين غيرهم. يفضلون أن يروا بعين واحدة: «العملاء يكرمون والعلماء (حصراً) يقتلون ويعتقلون».
في ساحة الشهداء في وسط العاصمة، لكأن الحرب السنية ـ الشيعية على الأبواب. استعار «شباب الشيخ الأسير»، كما يفضل البعض أن ينادى، شعار الإمام الحسين وذيلوا فيه صورة كبيرة للأسير التي يجولون بها. صرخوا جميعاًَ «هيهات منا الذلة». ولأنهم يأبون أن يكونوا طائفة مهزومة ردوا على «دغدغة مشاعرهم» من قبل القائد الأوحد في هذا الجمع، بعبارة واحدة: «الشعب يريد إعلان الجهاد». كل ذلك يجري في بقعة بدت مطوبة باسم الأسير، الذي لا يرى أصحاب الرايات السوداء وعصبات «لا إله إلا الله» غيره، ولا ينسوا أن يكرروا دعاءهم إلى الله بحمايته «من كل مكروه».
أمام هذا المشهد، يصبح صوت الأسير وهو يدعو إلى «انتفاضة الكرامة»، الموجهة ضد حملة لواء «المشروع الإيراني النجس»، كأنه نازل من السماء. ينتشي المريدون ويتمايلون مكبرين مهللين، فيما يصرخ بعضهم «إرهابي إرهابي.. «حزب الله» إرهابي».
مطلب الأسير بسيط: «نريد أن نعامل كما يعامل الجميع وأن تعود لنا الكرامة ونعيش سواسية». هنا ضمير المخاطب لا يعني إلا «أهل السنة» وضمير الغائب لا يعني إلا الشيعة.
لا همّ لدى الأسير سوى تعبئة الجماهير، مهما كانت الظروف. حتى عندما كانت لجنة أهالي المخطوفين تبحث حتى ساعات الصباح الأولى احتمال تأجيل التحرك خوفاً من حرفه عن مساره نتيجة الوضع الأمني غير المستقر (أحداث صيدا، اقتحام المستشفى الإسلامي، توتر الحدود الشمالية)، كان رأي الأسير مغايراً. أصر، إلى جانب «حزب التحرير»، على المضي قدماً بالتحرك، فرضخ الآخرون. حتى الاتفاق على أن تركز الكلمات على قضية الموقوفين الإسلاميين لم يُحترم، بحسب مصادر المنظمين، الذين أبدوا، بعد انتهاء الاعتصام، انزعاجهم من النبرة المرتفعة التي تخللته.
الخطباء الأربعة الذين تناوبوا على المنبر كانوا متفقين على «أن السنة لن يسكتوا على الظلم طويلاً»، إلا أنهم اختلفوا في كيفية معالجة القضية التي تجمعوا من اجلها. أصر المفتي الشيخ زيد بكار على ضرورة البدء بمحاكمة الموقوفين «محاكمة عادلة وفعلية.. قبل أن تفلت الأمور من أيديهم». دعا ممثل «حزب التحرير» محمد ابراهيم إلى «فك الظلم عن شباب المسلمين لأننا أوشكنا على الانفجار وكل ظالم لشبابنا سنحاسبه». أكد الرافعي ان المشكلة مع الشركاء أنهم لا يروننا جديرين بالحياة الكريمة، مؤكداً انه «إذا كان الانتماء إلى النبي محمد إرهاباً فاشهدوا أننا إرهابيون». وحده «نجم الجنوب وحبيب القلوب»، على ما وصف عريف الاعتصام إمام «مسجد بلال بن رباح»، ذهب إلى حد رفض محاكمة الموقوفين، داعياً إلى إطلاق سراحهم فوراً من خلال عفو عام يصدره رئيس الجمهورية أو من خلال الاكتفاء بالمدة التي قضوها بالسجن، مؤكداً أنه لا يثق بالمحكمة العسكرية ولا بقضاتها ولا بتحقيقاتها.
ولأن الأسير يقبض على قلوب الشباب الواقف على الكراسي، تماماً كما يتقن لغة المنابر، لم يشأ المغادرة قبل أن «يولعها» بدعوته الجميع لإسماع صوتهم إلى السماء، مكررين وراءه: «نحن قوم نعتز بسنيتنا».
وبطبيعة الحال، لم يكن مقدرا لخطاب ساحة الشهداء أن يمر مرور الكرام. العائدون إلى عاصمة الجنوب، عبر «معبر سليم سلام»، أكملوا هتافاتهم، فكان جمهور الخصم بانتظارهم. تراشقوا بالحجارة وحُطمت بعض السيارات، قبل أن تتدخل القوى الأمنية لقطع هذا الطريق الحيوي لبعض الوقت. فكان نصيبه نصيب غيره من الطرق المحيطة بوسط العاصمة، التي شملتها الإجراءات المشددة منذ ساعات الصباح الأولى، وجعلت الناس «يقيمون» في سياراتهم لساعات.
ومثلما ترافق الاعتصام مع شكوى المنظمين من تعرضهم لمضايقات، انتهى الى الاعلان عن توقيف شيخين في اليرزة أحدهما كان يحمل سلاحا أثناء توجهه الى وسط العاصمة.