«لو لم تطله يد الغدر لكان حجر عثرة في وجه الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب». وتوجّهت إلى رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان بالقول: «أين وعودك أيها الرئيس؟ أين قسمك؟ وأين نداءك باستعادة أبنائنا الذين لجأوا إلى إسرائيل»، مستغربة طردها من وظيفتها، لا لذنب اقترفته سوى أنها زوجة عقل هاشم. ورداً على سؤال عمّا إذا كانت تعتبر أنه «بموت عقل هاشم ماتت القضية»، أجابت ليلى: «كيف للقضية أن تموت وهي عنوان لكل إنسان شريف ناضل في وجه كل مستبد أراد السيطرة على مؤسسات الدولة وأعني بذلك الفلسطينيين».
لم تمض، عشرة أشهر على المقابلة، حتى عادت كساب وابنها جريس، وابنتها شانتال إلى لبنان، عبر بوابة الناقورة على الحدود اللبنانية الفلسطينية، صبيحة أمس الأول، حيث تسلمتهم مديرية مخابرات الجيش، بينما بقي ابنها البكر الياس (37 عاماً) داخل فلسطين المحتلة.
وكانت إسرائيل، قد منحت زوجها العميل عقل هاشم ابن بلدة دبل في قضاء بنت جبيل، الجنسية الإسرائيلية في العام 1996، تقديراً لخدماته للعدو، وطال هذا المنح في وقت لاحق زوجة هاشم وأولاده، الذين فروا إلى فلسطين المحتلة عبر نقطة «برانيت» في رميش.
عائلة هاشم التي عادت فجأة، والتي حصلت على الجنسية الأميركية وقبلها الإسرائيلية، وتحمل جوازات سفر أميركية صالحة لغاية العام 2015، دخلت إلى لبنان بواسطة جوازات سفر لبنانية منتهية الصلاحية وأوراق ثبوتية لبنانية كانت تحتفظ بها.
وترى مصادر متابعة لملف عودة الفارين من لبنان إلى فلسطين المحتلة، الذين بلغ عددهم عند التحرير نحو سبعة آلاف فرد، عاد منهم أكثر من أربعة آلاف إلى لبنان، وغادر نحو ألف إلى أوروبا وأفريقيا عن طريق دولة العدو، أنّ الملف دخل منعطفاً جديداً، بعدما كان مجلس النواب أقر في تشرين الثاني 2011 قانون عودة الفارين إلى فلسطين المحتلة، المقدم من النائب ميشال عون، وخصوصاً بعد تجرؤ عائلة رأس هرم العملاء على العودة إلى لبنان، ما قد يحفّز الآخرين على العودة والخضوع للمحاكمات القضائية، التي لم ترض يوماً عائلات الشهداء والأسرى، الذين قتلوا وعذبوا على يد الميلشيات وفي مقدمهم عقل هاشم.
طمأنة لبنانية ومحاكمة
وتلفت المصادر أنّ عودة العائلة المفاجئ، لم تكن لتحصل لولا تفاقم أوضاع الفارين، الذين يعيشون في منطقة نهاريا شمال فلسطين المحتلة، في شبه مخيم، ويتم التعامل معهم من الإسرائيليين باشمئزاز وازدراء، وبعد سلسلة من الاتصالات مع مسؤولين في لبنان أفضت إلى طمأنتهم شرط خضوعهم للمحاكمة.
ومع عودة عائلة هاشم، الذي كان يعد العميل رقم واحد على المستوى التنفيذي والابن المدلل للإسرائيليين طوال فترة الاحتلال ابتداء من العام 1978، وحتى تصفيته العام 2000، وقبلها مشاركته في سلسلة من العمليات الأمنية لصالح إسرائيل، من بينها مهاجمة بلدة حانين وتهجير أهلها، وقتل العديد من أبنائها. ونستعيد في شريط، حياة عقل هاشم ودوره في جيش العميل أنطوان لحد.
تاريخ عميل
انتسب عقل هاشم (مواليد العام 1954)، وهو أب لخمسة أولاد، إلى مدرسة الرتباء في الجيش اللبناني سنة 1970، وتخرج منها عريفاً، وتدرج إلى رتبة رقيب سنة 1976.
عمل في الشعبة الثانية في مخابرات الجيش في صيدا، وكان من خلال وظيفته يلاحق كل من يتعامل مع إسرائيل، «وكان موضع ثقة مرؤوسيه»، وفق ما قالت زوجته في المقابلة. وتشير المعلومات إلى أنّ هاشم، انتقل في العام 1976 إلى بلدته دبل وعمل على تأسيس مجموعة حزبية بالتنسيق مع المخابرات الإسرائيلية التي أمدتها بالمال والسلاح وعملت على تدريبها.
بعد الاجتياح الاسرائيلي للبنان سنة 1978، توسع نشاط عقل هاشم إلى قرى القطاع الغربي كلّها، وكان له دور رئيسي في تأسيس مجموعات أمنية تعمل لمصلحة الاستخبارات الإسرائيلية، خصوصا في قرى بنت جبيل، وعيناتا، وعيتا الشعب، وبيت ليف، والناقورة، ودبل، ورميش وعين إبل.
عُيّن مسؤولا عن قيادة القطاع الغربي في «جيش لبنان الحر» بعد إعلان «دولة لبنان الحر» من العميل سعد حداد، واستمر في مسؤوليته هذه حتى سنة 1982. وبعد اجتياح سنة 1982 عمل على تطوير عمله الأمني والعسكري، وجنّد العديد من العملاء المجرمين أمثال حسين عبد النبي الذي قتل بعملية للمقاومة.
وتضيف المعلومات أنّه في العام 1985 وعند تشكيل «جيش لبنان الجنوبي» بقيادة العميل أنطوان لحد، تسلّم هاشم مسؤولية قيادة اللواء الغربي ورقي إلى رتبة عقيد، وفي العام 1987 كلّفته الاستخبارات الاسرائيلية بالإشراف الأمني على مختلف قرى القطاعين الغربي والأوسط، حيث جمع حوله مجموعة من العملاء لمساندته أمثال أحمد شبلي صالح، وحسين عبد النبي، وعلي خليل حميد وغيرهم. كما قام بمساعدة الاستخبارات الإسرائيلية بتجنيد العديد من اللبنانيين المقيمين في الخارج، خصوصاً في كندا وأميركا وقبرص، لإرسالهم إلى لبنان لجمع المعلومات عن المقاومة.
في العام 1995 بدأت قيادة العدو تسعى بشكل جدي لتسليمه قيادة العملاء نظراً لارتباطه الوثيق معهم، ما خلق العديد من المشكلات بينه وبين أنطوان لحد. ذلك إضافة إلى تكليفه مهمة التنسيق مع «قوات الطوارئ الدولية» في الشريط المحتل.
تعرض هاشم، الذي كان يتحكم بمنظومة أمنية كبيرة في الشريط المحتل، لمحاولات اغتيال عدة على يد المقاومة، وعلى الرغم من الإجراءات والتمويه اللذين كان يقوم بهما، نالت منه «المقاومة الإسلامية» بتفجير عبوات ناسفة، كانت قد زرعتها في حديقة منزله، الذي كان يستقبل فيه ضباط وقادة العدو. وجاء في بيان المقاومة حينذاك «أسقطت المقاومة الإسلامية رأس الحربة في الميليشيا المتعاملة مع العدو، العميل عقل هاشم الذي يحمل الجنسية الإسرائيلية منذ العام 1996، في عملية نوعية في عمق المنطقة المحتلة. وعقل هو الرجل الأول فعلياً والثاني تنظيمياً في هرمية العملاء والخليفة المفترض للعميل أنطوان لحد، كان يشغل منصب قائد اللواء الغربي في ميليشيا العملاء». ووصفت مصادر إعلامية مقتله بأنه الضربة الأقسى التي تلقاها الاحتلال بعد تصفية قائد قوات الاحتلال في الجنوب الجنرال إيرز غيرشتاين في 28 شباط 1999.
ففي تمام الساعة الثانية عشرة وخمس وأربعين دقيقة بعد ظهر الأحد 30 كانون الأول 2000 وبناءً لمعلومات دقيقة تم زرع عبوات ناسفة كبيرة في عمق المنطقة المحتلة في خراج بلدة دبل، حيث أقام العميل منزلاً خاصاً به في تلك المنطقة لاستقبال ضباط وقادة العدو. وبعد التأكد من ضمان نجاح العملية فجّر المجاهدون العبوات الناسفة مباشرة، ما أدى إلى مصرعه على الفور. ونقل العملاء الذين كانوا معه إلى مستشفى مرجعيون».
وكشفت مصادر أمنية أن العميل هاشم كان يحضّر كانون الفحم المعد للشواء وأن ابنه الياس أصيب إصابات طفيفة. ووزعت «المقاومة الإسلامية» يومها شريطاً مصوراً أظهر تحركات العميل هاشم قبيل تنفيذ العملية أمام سيارة الـهامر المصفحة التي زودته بها قوات الاحتلال. أضافت المقاومة أنه «تم تفجير العبوات بالهدف في وقت لم يكن معه أي من أفراد عائلته».
يوسي بيليد: تصفيته مؤلمة
واعتبر يوسي بيليد القائد الأسبق للمنطقة الشمالية في جيش الاحتلال يومها، أن تصفية صديقه «مؤلمة جداً جداً»، ويخشى أن يؤدي اغتيال هاشم إلى ازدياد حالات عدم انصياع قادة ميدانيين لأوامر إسرائيلية أو لحدية مركزية، ورأت أوساط عسكرية إسرائيلية أن مقتل هاشم «إنجاز مهم لحزب الله وضربة معنوية شديدة لميليشيا لحد وللجيش الإسرائيلي وللأمن الإسرائيلي، معتبرة أن ذلك يدل على قدرة «حزب الله» على اختراق جهاز أمن الميليشيا الذي يشرف على حراسة عقل هاشم وباقي قادة العدو.
وفيما كانت عمليات الترحيب والإشادة بإنجاز المقاومة تتوالى، كانت بلدة دبل، تشيّع هاشم بحضور نائب وزير الحرب الصهيوني آنذاك إفراييم سنيه، ورئيس أركان جيش الاحتلال يومها غابي أشكينازي وقائد وحدة الارتباط بيني غينتس، ومسؤول ميليشيا العملاء أنطوان لحد، وممثل البطريرك الماروني السابق نصر الله صفير المطران مارون صادر، الذي ألقى كلمة باسم صفير أعلن فيها تضامنه مع دبل والمنطقة الحدودية في هذا المصاب الأليم. وقال: «إن غبطة البطريرك كلّفني أن أنوب عنه وأن أرأس هذه الرتبة الجنائزية نيابة عنه، وأن أقدم لعائلته ولجميع المفجوعين به تعازيه الأبوية، وأن أعرب لكم في هذا الظرف الصعب عن عواطفه وعن محبته وعن تضامنه معكم». وأضاف: «أما بعد فإنكم جميعاً تعلمون أن المصاب أليم وأنه مفجع بالنسبة إلى العائلة والبلدة والمنطقة بكاملها. تراب لبنان قد ارتوى بدماء الشهداء منذ 25 سنة، وهذا الوطن الصغير الذي حمّلوه جميع مشاكل الشرق الأوسط لم يحصل بعد على الأمن والاستقرار ولا على الأمان والسلام. أتوقف عند حياة الفقيد الفاضل. فقد عرفته وعرفناه رجل إيمان وكان أباً عطوفاً حنوناً وإنساناً محباً للجميع، لقد غسل بدمه تراب هذه المنطقة، وقبل كل شيء أتقدم باسم البطريرك صفير بأحر التعازي من زوجته وأولاده وبناته، ومن والديه المفجوعين، ومن حضرة اللواء الفاضل (العميل أنطوان لحد) ومن رفاقه الجنود، سائلين الله أن يتغمده برحمته وأن يدخل العزاء إلى قلب كل محزون وأن يبعد عنه كل مكروه».
يعتبر عقل هاشم المسؤول المباشر عن مقتل عدد كبير من الشبان الذين اعتقلوا في صف الهوا (مركز الـ17 في بنت جبيل) ولم تسلم قرية وبلدة في منطقة القطاع الغربي من أعمال القتل والاعتقال ودفع الخوات. وكان اسمه يثير الرعب والخوف في صفوف الأهالي، وذكر أنه شارك في تنفيذ مجزرة صبرا وشاتيلا في العام 1982. ومن أقوال هاشم التي كان يرددها: «لا يوجد مقاومة وطنية بل مجموعات مرتزقة لسوريا. جيش لبنان الجنوبي أصيل لانه بني على سواعد وأكتاف اهل المنطقة وهدفه المحافظة على لبنان، وجيش لبنان الجنوبي مقاومة وطنية صحيحة هدفها استرجاع السيادة المنقوصة».