لأول مرّة خرجت حملة «مقاطعة داعمي «إسرائيل» في لبنان» لتجيب عن جميع الأسئلة التي يمكن أن نطرحها عن المقاطعة. تسعة عشر سؤالاً حول جدوى المقاطعة، من نقاطع، ما البديل، نسبة تأثير مقاطعتنا، مصير العاملين والموظفين المحليين في الشركات الداعمة لإسرائيل، وهل نحن نقاطع «ركب الحضارة والحداثة» عندما نقاطع الفنانين الذين يحيون حفلات في إسرائيل؟ بالإضافة إلى ما يعدّ الشرط المستحيل لتحقيق المقاطعة اليوم، أي عالم المؤتمرات والآخر الافتراضيّ المفتوحين على كل الاحتمالات. كلّ هذه الأسئلة طُرحت في مراحل مختلفة وهي لا تزال تطرح اليوم، مع التشديد على الجدوى منها وإمكانية تطبيق المقاطعة، مع دخول العالم طور الإنترنت والتكنولوجيا. في المؤتمر الصحافي الذي عقدته الحملة، أمس، في نقابة الصحافة، حاولت أن تعطي أجوبة منطقية، علميّة، لكنها جميعها تنطلق من الرغبة في تحقيق المقاطعة لدى الفرد.
إذ حاولت حلقة الأسئلة والأجوبة مرة جديدة إزالة الأسطرة حول فكرة عدم قدرتنا على مقاطعة إسرائيل، وإعادة الثقة بقوة وإرادة كل فرد من الناس. فحين فرضت جامعة الدول العربية مقاطعة إسرائيل والشركات الداعمة لها في نهاية الأربعينيات من القرن الماضي، قدّرت خسائر الكيان الصهيوني حتى بداية التسعينيات بحوالى 96 مليار دولار. لكن اتفاقية كامب ديفيد، والتسويات العربية مع إسرائيل، جاءت لتكبح سير قطار المقاطعة، فإنهاء المقاطعة العلنيّة للكيان الصهيوني من بعض الدول العربية أدّى إلى إضعاف المقاطعة الرسميّة العربية.
ما المطلوب منّا اليوم؟ هل نقاطع كلّ ما يدعم إسرائيل؟ تجيب الحملة «هذا هو المأمول طبعاً، لكن إذا تعذّر ذلك فلنعتمد التكتيكين العمليين الآتيين: قاطعوا ما استطعتم إليه سبيلاً، ثم قاطعوا الأسوأ قبل السيئ». ما هي المعايير التي يجب أن تتم المقاطعة على أساسها؟ أوّلها الشركات التي بنت مصانع ومراكز بحث وتطوير لها في أراض «طُهّرت» من الفلسطينيين. مثلاً «كوكا كولا» وقّعت عام 2002 اتفاقاً مع حكومة العدوّ لافتتاح مصنع جديد في مستعمرة «كريات غات» المبنية على أنقاض قريتين فلسطينيتين مهجّرتين (الفالوجة وعراق المنشيّة)، بما يكرّس «كريات غات» واقعاً استعمارياً إسرائيلياً على حساب سكّانها الأصليين. ويضاف إلى ذلك كون شركة المشروبات الغازيّة تدعم «الاتحاد اليهودي الموحّد في أتلانتا الكبرى» الذي يدعم بدوره هجرة اليهود نحو فلسطين. والجدير بالذكر أنّ «كوكا كولا» غابت عن الأسواق العربية منذ عام 1968 حتى 1991 بسبب مقاطعة العرب لها. أمّا «نستله» فبنت أبرز موقع لها في مستعمرة سديروت، أي بلدة النجد الفلسطينيّة التي تعرّضت لتطهير عرقي عام 1948. كما شغّلت «نستله» بالشراكة مع «أوسم» الإسرائيليّة مصنعاً ضخماً ومركزاً للبحث والتطوير، فأسهمت في جعل المستوطنة الفقيرة قابلة للحياة. ثم تنطبق معايير المقاطعة على الشركات التي تشتري شركات إسرائيلية أو أسهماً فيها، فهذه العمليّة تضخ المال في حسابات المصارف الإسرائيليّة. تندرج بين هذه الشركات «جنرال إلكتريك» و«جونسون آند جونسون» وغيرهما، كما تقديم دعم ماليّ مباشر لجمعيات «خيرية» صهيونية، بالإضافة إلى التعبير علناً عن دعم الجيش الإسرائيلي والحكومة.
وتقول الحملة إنّ البدائل عن الشركات الداعمة لإسرائيل متوفّرة في أكثر المجالات، وخاصة في ما يتعلّق بالسلع الاستهلاكيّة، كالطعام والشراب والملابس والسجائر. «مع ذلك، فإنه ينبغي عدم التوقف عن نقد الشركات الداعمة لكيان العدو ولو شحّت بدائلها أو انعدمت أو كانت أقل جودة، ذلك لأنّ هذا النقد في ذاته يسهّل الطريق أمام نشوء بديل محتمل، إن لم يدفع بتلك الشركات إلى إلغاء دعمها للكيان».
نذكر هنا أنّ المقاطعة أدّت إلى تراجع مبيعات «بيرغر كينغ» في السعودية بنسبة 50% بسبب افتتاحها فرعاً في مستوطنة معالي أدوميم (من بين أسباب أخرى)، وانخفضت مبيعات «ماكدونالدز» في مسقط في كانون الثاني 2003 بنسبة 65%، وأدّت الحملات ضدّ دعم «ستاربكس» للكيان الصهيوني إلى إغلاق المقهى لفروعه في إسرائيل في نيسان 2003، عازياً ذلك إلى «تحديات عملانيّة».
ويعود هنا السؤال الأثير، ألا تؤذي المقاطعة الموظّفين والعاملين المحلّيين في الشركات الداعمة للعدو؟ تجيب الحملة بأنّ المنتفعين من هذه الشركات (موظفين) أقلّ بكثير من المتضررين منها. إذ يتراوح الضرر اللاحق بهم بين التعرض للتهجير وتدمير الممتلكات والقتل والإعاقة البدنيّة والتمييز العنصري (في فلسطين)، كما أنّ أصحاب الإنتاج المحلي كثيراً ما يخسرون بسبب منافسة الشركات الضخمة، فـ«ماكدونالدز» مثلاً يضعف من استهلاك المأكولات السريعة المحليّة كالفلافل والفول والهمبرغر المحليّة.
ماذا عن المقاطعة الفنيّة، التي تثير مع كل دعوة لمقاطعة فنان احتجاجات، واتهامات للبعض بالظلاميّة، ودعوات قضائيّة بعضها لا يزال مستمراً حتى الآن. بالنسبة إلى حملة «مقاطعة داعمي «إسرائيل» في لبنان»، فإن قيام الفرق الفنيّة العالمية بتقديم عروضها داخل كيان العدو يسهم في التغطية على جرائمه، فيستغل ذلك «ليطبّع» تلك الجرائم في العقول، وهو الأمر الذي يزيد من اعتبار الكيان الصهيوني كـ«قبلة» للثقافة والحضارة، ويضاعف من أرباح قطاع السياحة. أمّا بالنسبة إلى المؤتمرات العالمية التي تضم أكاديميين أو علماء إسرائيليين، فإنّ الحملة تقترح أن يطلب المشارك الرافض التطبيع مع إسرائيل «نقله إلى جلسة لا إسرائيليين فيها. ثم تجنّب قدر الإمكان الاحتكاك بالإسرائيليين ولو من موقع معارضتهم، فإنّ معارضة السياسات الإسرائيليّة ستكون أقوى من السجال حين تنسجم مع سياسة عالمية شاملة لمقاطعة إسرائيل في كلّ المجالات».
إذاً، حاولت الحملة أن تجيب عن الأسئلة التي يطرحها الناس، ويبقى قرار المقاطعة أو عدمه شخصياً يجب أن ندعمه ببحث شخصي أيضاً يفتح عيوننا على: من يسوّق لنا ماذا.