ناحية عبرا، المشهد ينقلب تماماً. هناك استنفار مزدوج ينفذه أنصار الشيخ أحمد الأسير داخل المربع الأمني للمسجد، والجيش بمعاونة مختلف الأجهزة الأمنية خارج المربع المذكور.
صلى المؤمنون صلاة الجمعة في «مجمع الزهراء»، كما صلوا في «مسجد بلال بن رباح». في الأول، كان العلامة الشيخ عفيف النابلسي يؤكد أن صيدا «كانت وستبقى صرحاً من صروح الوحدة الوطنية في وجه مشاريع التقسيم والحرب الأهلية». وفي الثاني، كان الشيخ الأسير يؤكد أن مشكلته هي «مع حزب إيران الذي يحتل البلد لا مع الطائفة الشيعية». في «المجمع»، كان النابلسي يسأل «لماذا هذه الحملة المذهبية لتحرير شقق ومجمعات وكأنها حملة لتحرير الأراضي المقدسة في فلسطين»، وفي المسجد، كان الأسير يؤكد أن «الشقق مدججة بالسلاح.. والقوى الأمنية تحميها بدلا من أن تحمي الناس».
انتهت صلاة الجمعة في المجمع وتفرق المصلون في ثوان، بينما كان من أنهى الصلاة في المسجد يعد العدة لـ«معركة سلمية» للقضاء على جيوب «حزب الله» في المنطقة. أطلق «الأسيريون» العنان لحناجرهم التي أكثرت من ذكر السيد حسن نصر الله، متعرضة له بشتى أنواع الشتائم والتهديدات، من دون أن يتمكنوا من السير لأكثر من 50 متراً. قبل ذلك، كان شيخهم يؤكد لهم أن «أي 7 أيار آخر سيكون له سيناريو مختلف».
سلمية تحرك الأمس لا تعني أن السلمية باتت عنصرا ثابتا. يردد أنصار الأسير، كما شيخهم، أنهم صاروا جاهزين للشهادة بعدما كتبوا وصاياهم. لا يفصح الشيخ، الذي يتابع كل شاردة وواردة قبل صلاة الجمعة، عن خطته، إلا انه يؤكد أن الرد سيكون تصاعدياً. هل هذا يعني أنه سيكون مسلحاً؟ «سيبقى سلمياًَ إلا إذا اعتُدي علينا»، يجيب.
ليست الشقتان ما يستحوذ على اهتمام الأسير فقط في هذه الأيام. هما البند الأول في سلة مطالب يرفض البوح بتفاصيلها قبل أن ينقلها للمراجع المعنية. كل شيء واضح بالنسبة له، وإذا لم تلب مطالبه فالرد موجود، لكن يتحفظ عن تفاصيله أيضاً.
الأكيد أن كل المطالب تتركز على إزالة آثار «حزب إيران في لبنان» من صيدا. يؤكد أن «مجمع الزهراء» هو المركز الرئيسي للحزب لكنه يرفض الإشارة إلى موعد التحرك ضده. يقول ممازحاً لأحد القاطنين قرب «المجمع»: «من الأفضل لك أن تنتقل من هناك». تضيع الحقيقة بين الجد والمزاح، لكن منطقة «المجمع» تبقى على «لائحة الانتظار الأسيري».
بالنسبة للشيخ صادق النابلسي، يبدو اقتراب الأسير من المجمع «من المستحيلات». يبدي ثقته بالقوى العسكرية والأمنية وبعنصر المبادرة لدى كل الأطياف الوطنية والاسلامية في صيدا. لا يلبث أن يدعو الأسير إلى أن يتذكر أن «المجمع» قصفته إسرائيل في العام 2006 ودمرته بالكامل.
يعرف أهل «المجمع» أن ابن مدينتهم لا أحد يتبناه سياسيا في المدينة، وأنه تخطى كل الخطوط الحمراء كلامياً، ويؤكدون الاستعداد لتحمل المزيد، «شرط ألا يتحول الكلام إلى فعل». الوصول إلى «المجمع» هو أحد الأفعال التي تتخطى الخطوط الحمراء. يرفع أحدهم راحتيه إلى الأعلى آملاً من الله ألا تصل الأمور «إلى ما لا تحمد عقباه».
لا تقل الشقتان في عبرا شأناً عن «المجمع» في رمزيته. يقول أحد كوادر «حزب الله» في عبرا ان إخلاء الشقتين «سيكون بمثابة قرار بالخروج من صيدا، وهذا خط أحمر». يؤكد أن لا مسوغ شرعيا أو أخلاقيا للدخول إلى هاتين الشقتين، ويردد أن لا أحد يريد أن يهدد الأسير في عقر داره، وعليه هو أن لا يهدد أحدا في عقر داره.
وقبل أن يذكر بأن استراتيجية «حزب الله» منذ العام 2006 تعتمد بشكل كامل على الاختفاء، نافياً بذلك أي «تهمة أمنية» عن الشقتين، يقول لنفترض أن الشقتين تستعملان فعلاً كمراكز أمنية، فهذا سيكون شأن الجيش الذي ينسق أمنياً مع المقاومة. ورداً على قول الأسير انه يراقب من قبل الشقتين، يبتسم ويقول: كل الناس تراقب بعضها البعض.
وحول ما يقوله الأسير عن أن كل سكان المبنى قدموا عريضة إلى المحافظ يطالبون فيها بإخلاء الشقتين، يؤكد النابلسي أن 7 شقق فقط اعترض أصحابها من أصل أكثر من عشرين شقة في المبنى.
في ذاكرة أهل عبرا، لا بد من العودة إلى الفترة التي استعمل فيها مسـؤول الملف الفلسطيني في «حزب الله» أبو حسن سلامة الشقتين لدواعي التنسيق مع القيادات الفلسطينية المنخرطة في المقاومة ضد الاحتلال في الداخل الفلسطيني.
يقول أحد الحزبيين انه منذ ذلك الحين وحتى اليوم لم تستعمل هاتان الشقتان إلا لدواع تنظيمية أو لمناسبات دينية محدودة، أو لسكن الطلاب، «وفي الصيف، إذا لم يكن هنالك من مناسبات فإنهما تقفلان».
بالرغم من القلق الذي يعبر عنه الحزبيون من مستوى التحريض العالي الذي بلغه الأسير إلا انهم يؤكدون «أننا، من جهتنا، قرارنا واضح بضرورة ضبط النفس إلى أقصى الحدود».
اللافت للانتباه في «مجمع الزهراء» أن إجراءات الأمن عند مداخله تبدو أقل من عادية. الطريق إليه مفتوحة، وعلى بابه يقف شابان يسألان الداخل عن وجهته.
يذكر الشيخ صادق النابلسي أن الشيعة ليسوا مستجدين على عاصمة الجنوب، إنما هم جزء لا يتجزأ من نسيجها. هؤلاء يصل عددهم إلى 25 ألفاً، يضاف إليهم من انتقل إليها من المهجرين الجنوبيين الذين توافدوا إليها بدءاً من العام 67.
يشرح النابلسي بالتفصيل نشاطات «المجمع» الذي أعيد تشييده على نفقة الحكومة القطرية وتجهيزه بمبادرة من السيد حسن نصر الله، بعدما كان افتتح في العام 1993، بحضور كل فعاليات المدينة.
يقول صادق النابلسي ان في الطابق السفلي مسرحاً يتسع لـ400 شخص، وفي الأرضي يوجد ناد حسيني، بينما يقع المسجد في الطابق الأول، إلى جانب مصلى للنساء. ويضم الطابق الثاني إدارة المجمع، بينما يحتوي الثالث على مكتبة عامة إضافة إلى حوزة شرعية. الطابق الأخير يضم مكتب العلامة عفيف النابلسي والمكتب الشرعي. أما المبنى الثاني من المجمع، فيضم في معظمه سكناً لطلاب حوزة العلوم الدينية، إضافة إلى حوزة علمية للنساء ومركزين اجتماعيين.