أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

كـي لا يصـبح الأســير قنبلـة موقوتـة

الجمعة 15 آذار , 2013 04:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 3,258 زائر

كـي لا يصـبح الأســير قنبلـة موقوتـة

 وبين الفعاليات، كانت ندوة بعنوان: «تحديات المرحلة السياسية الراهنة في المنطقة العربية وانعكاساتها على لبنان». شرفني ان اكون محاضرا فيها امام حشد اختلط فيه القوميون والناصريون الصيداويون مع مناضلين فلسطينيين، وبينهم كان رجال دين من الطائفتين المسيحية والاسلامية. 

لا يزال معروف سعد في الذاكرة العربية رمزا لمناضل كبير عايش الفقراء وناصرهم حتى الشهادة. آمن بالوحدة الوطنية ورسخها. زرع العروبة في دمه فقاتل في فلسطين الى جانب المناضل الفلسطيني الكبير عبد القادر الحسيني. استشهد الحسيني في معركة القسطل بعدما خذله القرار الرسمي العربي كما لا يزال يخذل كل القضايا. شكل معروف سعد جسرا بين العروبة والنضال. عاش في لبنان والسعودية ومصر وسورية، وتوج نضاله باستشهاده وهو يناصر عمال التبغ والصيادين وكل فقير في صيدا ولبنان.

دفع معروف سعد ثمن اخلاصه لقضاياه، فكان طبيعيا ان يضخ في شرايين ابنه مصطفى الدماء القومية الناصرية نفسها. استشهد مصطفى أيضا وهو يناضل الى جانب القضية الفلسطينية وقضايا العرب ودفاعا عن شرف هذه الامة. 

ليس الدكتور اسامة سعد أقل عروبة ونضالا. يسعى هذا الصيداوي العروبي الاسمر الى ابقاء شعلة الناصرية متقدة. لم يكن الامر سهلا. المال غزا المدينة لسنوات طويلة. الشحن المذهبي يكاد يقتل العروبة والمؤمنين بها. اريد لفلسطين ان تختفي من قائمة القضايا. لكن من يصل الى صيدا اليوم يدرك ان الناصرية ومعروف سعد والعروبة وفلسطين ليسوا مجرد ذكرى. هم حاضرون بقوة في المدينة التي عرفت في تاريخها الحديث كيف تقاتل الغزاة غير مرة... وتنتصر. 

تحدث اسامة سعد عما يراد لهذه الامة الآن. وضع الاصبع على مخاطر الفتنة التي تطل برأسها القبيح. عرَّج على فلسطين. ضجت القاعة بالتصفيق. تحدث عن الناصرية، ضجت مرة ثانية. كل ذلك طبيعي، لكنه حين مر على الازمة السورية وحيا الجيش السوري، ضجت القاعة ايضا بالتصفيق. 

انتهت الندوة عند سؤال واحد ظهر كأنه الاكثر اثارة للقلق عند هؤلاء الصيداويين. ماذا نفعل بالشيخ أحمد الاسير؟ كانت غالبية الحضور مناهضة لهذه الظاهرة الجديدة في صيدا.

عند الاسير 

لم اعرف عن الاسير سوى ما اراه على شاشة التلفزة. شيخ مثير للقلق كلما نزل الى الشارع، يعني انه سيغلق الطرقات او سيقول كلاما قاسيا او غير لائق ضد حزب الله وايران. لم اسمع عنه سوى انه يتلقى اموالا من بعض الاطراف الخليجية لتشويه صورة «حزب الله» وتطويق التمدد الايراني. يحكى الكثير عن دعم من الشيخ تميم ولي عهد قطر. لا احد يستطيع ان يؤكد. يحكى عن تمويل من اطراف سعودية داعمة للسلفية في الكثير من الدول العربية. لا احد يستطيع ان يؤكد، لكن الشائعة منتشرة. 

شائعات تنعش شائعات. القلق يكبر. ماذا يريد الاسير؟ هل يرغب بإثارة الفتنة فعلا؟ لمصلحة من؟ هل هو يريدها ام ثمة من يدفعه دفعا اليها؟ شائعات تقتل شائعات، واخرى تغذيها. القلق يكبر. يكفي ان يطلق مخبر او عميل رصاصة على منزل الاسير ورصاصة اخرى على الشقق المواجهة التي يسكنها اناس قريبون من «حزب الله» حتى تشتعل المنطقة. ينتهي عندها الاسير قاتلا او قتيلا، وفي الحالتين الجميع خاسر. وحدها الفتنة المذهبية ستنتشر كالنار في الهشيم. ألم يقل الرسول الكريم: «اذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار»؟ 

لا بد اذن من لقاء الشيخ بالحوار لا بالسيف. لعل عنده غير ما يظهر على الشاشات التي يساهم الكثير منها عن جهل او قصد في اذكاء نار الفتنة في البلد المنهك بالف قضية فساد وتهريب وفتنة. 

يصحبني صديق له معرفة قديمة بالشيخ وصحبه. يصحبنا صديق آخر من فلسطينيي عين الحلوة. هما شابان في مقتبل العمر، يتمتعان بثقافة واسعة. احدهما متخرج من الازهر، منفتح الى اقصى الحدود، والثاني يخشى من امتداد النار الى البيوت الفقيرة في المخيم المجاور. ما عادت المسافة بعيدة بين الاسير وبعض من في المخيمات. الشابان يحترمان السيد حسن نصرالله ويقدران المقاومة برغم تحفظاتهما على بعض الممارسات. الاثنان معجبان بالشيخ الاسير ويؤكدان ان عند الرجل افضل مما يظهر على الشاشات. 

نصل الى المبنى الذي صار شهيرا في عبرا. على يمينه مطعم يجتمع فيه انصار الاسير كل ليلة. يجالسون الفنان الذي «هداه الله» وقرر السير خلف الشيخ. انه فضل شاكر. صار للفنان ذي الصوت العذب واغاني الغرام، لحية. صار يشبه دراويش الصوفيين برغم ان الصوفية في هكذا مكان سلفي غير مرحب بها. يبتسم فضل شاكر. تلمع عيناه فوق خطوط سوداء. تظهر علامات السهر وربما القلق على وجهه ووجوه الشبان من حوله. لم يتغير تواضع الفنان حين صار شيخا. يُذَكِّره صديقي الفلسطيني بأيام كان يغني فيها فوق سطوح مخيم عين الحلوة. يضحك الجميع. «بارك الله فيكم»، يكررها فضل شاكر بمثل ما كان يكرر كلام الحب، فيقنع السامع بانه مقتنع بما يقول. 

بعد السلام والترحيب. نتوجه صوب الحاجز الحديدي. يطل شاب من البعيد وفي يده هاتفه النقال. يبتسم ويرحب. لكنته بعلبكية، ثيابه لا توحي بالمشيخة. لكنه هكذا. قيل لنا انه أحد أبرز المقربين من الشيخ الاسير. يبدو كل شيء سوى سلفي... يبدو كل شيء سوى شيخ. يتبادل النكات مع الصديقين المرافقين... يرحب بحرارة. نَمُرُّ معه بين مجموعة من الشبان الملتحين حاملي الاسلحة والمتأهبين لأية مفاجأة. هؤلاء لا يضحكون ولا يبتسمون. لعلهم يدركون ان المفاجآت كثيرة في بلد تفرِّخ فيه الاستخبارات الاجنبية كالطحالب، وكل جهاز يريد اشعال فتنة لمصلحة خاصة. شبان كثيرون وسيارت عديدة تحت المبنى. من يدفع لكل هؤلاء؟ 

يفتح الاسير مبتسما، باب بيته. يرحب اكثر من مرة. يبدو معاكسا لكثير من الصور المخيفة على الشاشات. يدخل من النافذة بعض نسيم، يتحرك العلم الصغير على الطاولة المجاورة. تتمايل راية السلفيين. علم اسود يحمل «لا اله الا الله محمد رسول الله». 

تفتح علبة الاسرار. ينفتح الحوار على كل شيء. يعترف الاسير بسوء الصورة. يرد جزءا كبيرا من ذلك الى الإعلام الذي يشوه خطبه. «الإعلام ينتقي المقاطع المثيرة ويركز عليها». يقول انه يقدم لكل خطبه بكلام عن الوحدة والحرص على الوطن وعن تقارب الاديان، لكن ما يؤخذ من الكلام ينحصر بالتهم التي يكيلها لـ«حزب الله» وايران. لماذا يكيل التهم طالما يعرف انها ستزيد الفتنة؟ 

يشكو الاسير من بعض ممارسات شبان «حزب الله». «يأتون بسياراتهم امام «مسجد بلال بن رباح» ويكيلون الشتائم». من يؤكد انهم من الحزب؟ هو مقتنع بانهم منه. يربط سبب نقمته على الحزب وايران بسعي الطرفين الى نشر المذهب الشيعي سرا. نقول له ان السعودية تفعل الشيء نفسه في الكثير من دول العالم وخصوصا في الجمهوريات السوفياتية السابقة وهذا حقها. نقول ايضا ان التبشيريين المسيحيين يغزون جوبا وافريقيا. يقول: لا بأس اذا كان الامر علانية. يعترف بان هذه العملية توقفت منذ فترة. يحكي عن بعض الكتب الدينية. 

ليس الشيخ الاسير من النوع الذي يغرق زائره بالتحليل. يقول الاشياء ببساطة المقتنع بها. يبدو واثقا من ان الضجة التي يثيرها بدأت تحقق اهدافها. 

يتغير مجرى الحديث. ندخل في صلب ما يحاك من مشاريع ومؤامرات ضد المنطقة. نعمق الحوار ليصل الى من يريدون زرع الفتنة الشيعية السنية. يتمتع الشيخ الاسير بميزة المستمع الجيد. يضيف اليها ميزة المستمع المرن غير المتعنت. يتقبل النقد. يتفاعل مع ما يسمع. يوحي بأنه غيّر رأيه ببعض ما يعتقدها مسلمات. 

يرتاح الحديث. اسأله أن يحيد عن اسباب الخلاف مع «حزب الله» وان يشرح علامَ يلتقي مع الحزب او على الاقل مع السيد حسن نصرالله. يقول: «التقي معه في مقاومة اسرائيل اذا كانوا مستمرين على صدقهم في هذا الموقف. التقي معهم كذلك في السعي للوحدة الاسلامية. والتقي كذلك في ما يعلنون من حرص على الوحدة الوطنية». 

يرتاح الاسير للحوار. يكشف بعض اسرار العلاقة مع الحزب. «انا ارسلت للسيد نصرالله قبل فترة رسالة مفصلة حول كل شيء من لبنان الى المقاومة الى سوريا. كانت الرسالة ايجابية وفيها نصائح، اوصلها الحاج محمد رعد، لم يصلني أي جواب». يعتقد الاسير ان الحزب هو الذي أقفل الابواب. يعتقد أيضا ان الحزب يتعاطى معه بشيء من التعالي. 

يذهب الحوار صوب امور اكثر عمقا. اسأله لماذا لا يركز خطابه على اسرائيل ودعم فلسطين؟ أليست هذه قضيته كما هي قضية السيد نصرالله ؟... يسوي جلسته. يمرر يده على لحيته. يبدو كمن انتبه الى أمر مهم. « يا اخي الكريم ان فلسطين كانت وستبقى القضية. وانا سأكشف لك سرا. قبل فترة قررت ان اؤسس لسرايا مقاومة ضد اسرائيل. جاء من ينصحني من الدولة والمخابرات وبعض الاطراف بأني لو فعلت فسوف اتعرض للملاحقة بتهمة حمل السلاح. نشعر يا اخي الكريم بان ثمة قرارا بحصر المقاومة بحزب الله. ونحن نستغرب هذا». 

ـ لماذا لا تتصل بالسيد نصرالله وتجلس معه وتتحاوران؟ 

ـ يصمت الشيخ الاسير. هو يحترم الجزء المقاوم في سيد المقاومة، لكنه يختلف جذريا معه حول سوريا. هذا محور خلاف كبير لا يمكن تحييده في الوقت الراهن. يعتقد الاسير بأن من واجبه المشاركة «في حماية اهلنا السنة في سوريا». يظن ان اللقاء الآن قد يبدو بمثابة التأييد لموقف الحزب من النظام السوري. 

يقارب الحوار حدود الخطوط الحمر: ماذا لو اقدم طرف على اشعال الفتنة عبر إلقاء قنبلة عليك واخرى على شقق «حزب الله»؟ من يضمن النتيجة؟ يبدو الاسير قلقا من هكذا احتمال. يدرك ان ثمة اجهزة كثيرة تريد ذلك. 

أساله عن رأي والدته الشيعية المذهب بما يفعل. يبستم، يكتفي بالقول: «هي تخاف علي. تقول اني قد اتعرض للقتل». يعود للحديث عن عدم رغبته باي فتنة. يدخل من هذا الباب العائلي ليقول انه لم يفرق يوما واحدا بين مذهب وآخر، وانه لم ينتقد ولا مرة واحدة الشيعة او غيرهم من المذاهب.

ما هو مشروعك للوطن؟ هل سيقتصر دورك على قطع الطرق واشعال الدواليب ومراقبة الشقق؟ يضحك قليلا. يبدو فعلا انه لا يحمل اي مشروع متكامل للوطن. يوحي وكأن السؤال فتح له بابا لم يكن يفكر فيه. يكتفي بالقول إن ما قام به هو ردة فعل على «ما تعرضنا له على مدى السنوات الماضية، وقد نجحنا في ذلك». 

هل من اتصالات مع الاطراف اللبنانية؟ بعض الجواب جاء من الاسير وبعضه الآخر من مصادر مقربة منه او ممن اتصلوا به. نعم للاسير حركة سياسية واسعة في لبنان معظمها لا يزال في الخفاء. ساسة لبنان يتعاملون معه كعادتهم، في السر شيء وفي العلن شيء آخر. هو تعرف قبل فترة الى رئيس الحكومة نجيب ميقاتي. استقبله قبل ذلك رئيس «جبهة النضال الوطني» وليد جنبلاط. له خط مفتوح مع رئيس «القوات اللبنانية» سمير جعجع. النائب شانت جنجيان هو المكلف بالاتصالات بين «القوات» والاسير. خطوط الاسير واسعة مع معين المرعبي وخالد ضاهر ومصباح الاحدب وغيرهم. له خطوط وأتباع في عدد من المناطق اللبنانية. يبدو قادرا على التعبئة والشحن لو أراد. أخذ جزءا لا بأس به من شعبية «المستقبل». 

لميقاتي رأيه بالاسير. يرى انه ليس حالة معزولة عن حالات مشابهة في الوطن العربي. يقال إن مسؤولا لبنانيا رفيعا سأل امير قطر الشيخ حمد عن سبب دعمه للاسير، فاقسم بأنه لا شيء من هذا القبيل. 

سيقال الكثير عن الاسير. وسيبقى الرجل حالة مثيرة للاسئلة والقلق. يقال إنه ظاهرة غذاها الوضع السوري، ويقال إنه حاجة سنية تطلَّبها غياب الحضور الفاعل لتيار «المستقبل». ويقال إن رئيس التيار فؤاد السنيورة شكا في رحلته الخليجية الاخيرة من تمدد الاسير. ويقال إن الاسير بيدق في مشروع فتنوي كبير، وإنه نموذج لمن تجري التضحية بهم لاحقا على مذابح التسويات. ويقال إن الرجل صادق ومقتنع بما يفعل... وهو يقول إنه زاهد بالمناصب والسياسيين، وإنه لو اراد لكان التقى بمن يريد. كل هذا مهم، ولكن الاهم هو سبب غياب الحوار العلني مع الاسير. أليس بالحوار تهدأ النفوس، وربما تتبدى محاولة ايجاد قواسم مشتركة؟ 

لا يبدو الرجل رافضا للحوار حتى ولو بقي متشددا في بعض مسلماته. يبدو بالمقابل مستعدا لكل شيء في سبيل تحويل ظاهرته الى حالة دائمة في لبنان وربما على ساحة اوسع من لبنان. هذا يعني حتما ان الانفجار مقبل ما لم يحصل الحوار. الفتنة المذهبية اكبر من الاسير وخصومه وهي باتت حاجة اقليمية ودولية بامتياز، وقد يكون الاسير جزءا من ضحاياها لا من مسببيها. وحين تصبح حاجات الدول اكبر من مصالح الناس، تزداد عوامل الانفجار.


Script executed in 0.2228147983551