روبير عبد الله, آمال خليل
الأخبار | سنة، وتحلّ الذكرى المئوية للحرب العالمية الأولى، أو «حرب الـ14» كما يسميها اللبنانيون. تقترن الأخيرة في ذاكرتهم بالمجاعة الشهيرة التي تسبّبت بها رفوف الجراد، بعدما أكلت الأخضر واليابس. «هي إشارات من ربّ العالمين إلى أن حرباً مماثلة قادمة». هذه هي العبرة التي يستخلصها الحاج خالد الرجب ابن بلدة الكنيسة التي تلامس البحر من ناحية، وتقع على الحدود السورية من ناحية أخرى.
عيّنات الجراد التي التقطها الحاج خالد أنعشت في ذاكرته روايات والده علي رجب الرجب، الذي عاش مئة وثلاثين عاماً، واختبر ويلات الحرب والمجاعة معاً. ينقل عنه قوله «الله وكيلك كان الجراد مليان بالأرض، ما خلّى شي أخضر». أما اليوم، فهو لم يلتقط إلا عشر جرادات وجدها في حقله. بعضها كان منهكاً متهالكاً، والبعض الآخر تمكن من الطيران وأفلت منه، لكنه رغم هذا العدد القليل، لا يخفي خشيته من تكرار ما حصل قبل 99 عاماً، وبخاصة أن بعض مزروعاته من الخس لا تزال في بداية موسمها، «وهي لا تكفي طعاماً ليوم واحد إذا مرّ بها رفّ من الجراد» يسأل.
أخبار الجراد، ولا سيما في قرى سهل عكار المحاذية لشاطئ البحر، سيطرت على ما عداها من اهتمامات العكاريين، بمن فيهم البعيدون عن منازلهم. فالمدرّس خالد الحسين من بلدة الكنيسة، كان في بيروت وعرف من أهله بوجود كميات من الجراد في حقلهم. ولم ينتظر ابن بلدة الشيخ زناد الجندي محمد خالد عودته من ثكنة الجيش ليعلم من أهله أنهم عثروا على ثلاث من تلك الحشرات قرب المنزل.
رئيس تعاونية التنمية الحيوانية والزراعية في ببنين، الذي يخبر عن التقاط خمس جرادات في بلدته، واثنتين في بلدة المنية المجاورة، يقلّل من أهمية الأمر. في رأيه، يحدث هذا كلما ارتفعت الحرارة على نحو سريع، إذ يلفظ البحر بعض تلك الحشرات، فتتحرك نحو اليابسة، لكنها تكون عديمة الفعالية ولا تؤذي.
كذلك أكد خالد ديب مفتش دائرة التنمية الريفية في عكار، خلال اتصال مع «الأخبار»، لحظة شيوع الخبر، أن فريقاً من مصلحة الزراعة في عكار، وبناء على توجيهات وزارة الزراعة، قام بجولة على قرى ببنين وتلمعيان والبيرة والسهل وغيرها من البلدات العكارية، وتأكد لهم أن الكمية القليلة جداً من الحشرات الملتقطة، كانت عبارة عن جنادب محلية تتواجد على نحو مستمر، ولا علاقة لها بكل ما يشاع عن موجة جراد محتملة.
أما في بلدة حكر الضاهري، التي تبعد زهاء خمسة كيلومترات عن البحر، فقد نفى المختار علي عزيز عثوره على أي من تلك الحشرات، رغم توجهه إلى حقله، والتفتيش عنها. الأمر الذي يثبت التقارير الصادرة عن مصلحة الإرشاد الزراعي في وزارة الزراعة، التي تفيد أن الكميات القليلة التي بلغت الأراضي اللبنانية، لا تمثل خطراً على المزروعات، فضلاً عن أن تحول الطقس إلى ممطر وعاصف قضى على احتمال قدومها في الأيام المقبلة.
وفي الجنوب، لاحظ المواطنون صباح أول من أمس ظهور مجموعات من الجراد في مناطق مختلفة من منطقة صور ومحيطها، ولا سيما في بساتين القاسمية وشاطئ تجمع جل البحر الفلسطيني عند مدخل صور الشمالي وعدلون. وسجل ظهور مجموعات ضئيلة في القسم الزراعي من محمية شاطئ صور الطبيعية.
وأوضح مدير المحمية المهندس الزراعي حسن حمزة أن فريق عمل المحمية أجرى مسح أراضي المحمية وتبين وجود الجراد بمعدل جرادة واحدة لكل متر مربع. وأُخذت عينات منها أظهرت بعد فحصها أنها من النوع الصحراوي الأحمر الذي لا يتكاثر ولا يقيم في لبنان، بل في المناطق الحارة. وأشار حمزة إلى أن الرياح الخماسينية رافقت الجراد معها من الأراضي المحتلة، لافتاً إلى أن تبدّل حال الطقس من حار إلى ممطر وبارد أسهم في انحسار ظهور الجراد منذ صباح الأحد ونفوق معظمه.
وكانت مجموعات من الجراد قد جذبها بساط العشب الأخضر في ملعب صيدا البلدي، ما أثار مخاوف المواطنين في المنطقة من انتشارها وتكاثرها. إلا أن مصلحة وزارة الزراعة في محافظة الجنوب سارعت إلى طمأنة البلديات إلى أن هذا النوع لا يمثل خطراً على لبنان. كذلك تلقت مصلحة وزارة الزراعة في محافظة النبطية اتصالات عدة من مواطنين من بلدات في المنطقة مثل النبطية الفوقا وكفررمان تشكو من ظهور الجراد وتتخوف منه. لكن الردود المطمئنة كانت تتردد على ألسنة المعنيين على الرغم من الخطورة التي تشير إليها منظمة الأغذية والزراعة العالمية «فاو»، إذ أكدت أن الجراد الصحراوي يعدّ «من أهم أنواع الجراد وأخطرها، إذ تقدّر سرعته بـ20 كلم في الساعة، ويستطيع الطيران لمدة تراوح بين 6 ساعات الى 18 ساعة في اليوم يقطع خلالها أكثر من 150 كلم. ولفتت إلى انه يؤثر في غذاء 10% من سكان العالم».
وقد أعلن المدير العام لوزارة الزراعة لويس لحود أمس «أن موجة الجراد خفيفة، ومناخ لبنان وبيئته لا يساعدان على تكاثره بخاصة في ظل الطقس البارد الذي يشهده لبنان بعد انحسار الطقس الحار والرياح السائدة التي ضربت لبنان مدة اربعة ايام، والتي أدت الى وصول اسراب منه من الاراضي الفلسطينية قادمة من أفريقيا». وطمأن إلى أنه «لا خطر على المزروعات، وإلى أن الوزارة شكلت بتوجيهات الوزير حسين الحاج حسن غرفة عمليات مركزية لمتابعة الموضوع ومسح الاماكن ورصد كل الحالات في المناطق، وايجاد الحلول لها ومعالجتها».
ويعقد لحود اجتماعاً عند الساعة العاشرة من صباح اليوم، يضم الادارات والمؤسسات العامة والأجهزة المختصة في الوزارة، لمتابعة الوضع وتقويمه واعطاء التوجيهات اللازمة في هذا الصدد.