قصص نساء صنعن أسرهن بمفردهن. كنّ الحضن الدافئ ولكن أيضاً ربّ المنزل المسؤول عن مصير الأولاد. بعضهن نسين معنى الأنوثة، وقد ضاعت بمهامهنّ كأمهات. في حين بقيت الأنوثة عند بعضهن الآخر ترفاً لا يحلمن به، بسبب قساوة القدر، فحتى لقمة العيش كانت ملقاة على عاتقهّن.
جميعهن تعبن من أداء دور الأب، من اتخاذ القرارات الصعبة، ومن الانتظار أن يعود الشريك ذات يوم لاستلام مهماته، لا بل وأكثر من العمل على إبقائه موجوداً في ذهن الأولاد، فلا يتأثرون بخلل عائلي شاءته الظروف. بعضهن لا يملكن حتى صوراً تجمعهن مع أزواجهن وأولادهن، وقد تعبن من الأمل الذي لا يشأن التخلّي عنه، وهو الأمل الذي يعيدهن أمّهات، وفقط أمّهات.
نوال المغربي: خوف وقلق
هي معاناة متوارية ليس ثمة من يرصد تفاصيلها بكل الوجع والتعب والقهر، نساء يعشن تبعات غربة أزواجهن، يتحملن مسؤوليات تربية أبنائهن ويواجهن، وحيدات، غربة من نوعٍ آخر وهن يكابدن في صقيع أيامهن صعوبات ومشقات تثقل في العادة كواهل عائلات ملتئم شملها، فكم بالحري وهن يعوضن غياب الأب والزوج.
تختصر نوال المغربي، من بلدة كفرسلوان في المتن الأعلى، مسيرتها من دون زوجها بكلمات موجعة فتقول «تعب، مسؤولية، خوف وقلق». وتروي أنها اضطرّت إلى العودة من الإمارات مع أولادها الثلاثة من أجل متابعة ابنتها الكبيرة دراستها الجامعية في لبنان، و«كان لا بد لي من أن أواجه التحدي، فبالرغم من أنني شديدة الخوف اضطررت لتعلم قيادة السيارة لأكون دائماً بالقرب من أولادي وتأمين حاجاتهم وأكون العين الساهرة عليهم».
وتشير المغربي إلى أن «المسؤوليات كبيرة والناس لا يرون الأم إن نجحت في تربية أبنائها، ولكنهم يلقون باللائمة عليها إذا ما قصر أحد أبنائها في الدراسة مثلا، فالعيون لا ترى إلا السلبيات وهذا ما يفرض عليها الكثير من التعب والعمل والسهر لتربية أولادها وتدبر شؤونهم».
وهي إلى جانب مسؤولياتها كربّة منزل وأم لثلاثة أولاد، تقع على عاتقها الواجبات الاجتماعية «لأننا نعيش في أجواء القرية ولا يمكن التقاعس أبداً في هذا المجال، وهنا عليَّ تعويض غياب زوجي الذي لا يأتي إلى لبنان الا لخمسة أيام كل سنتين».
ولعلّ الواجبات الملقاة على عاتقها والتعب الذي تعاني منه، تبدو أهون من بعض المواقف التي تعترض مسيرتها، ومن هذه المواقف بلوغ ابنها البكر سنّ الثامنة عشرة و«في مثل هذه السن من المفترض أن يواكب الوالد ابنه ليرشده، تماماً كما هو الأمر بالنسبة لابني الأصغر وعمره 14 سنة. وفي مثل وضعي، على المرأة تعويض غربة زوجها لتكون قريبة من مشاكل أبنائها وما يواجهونه في حياتهم وهم في طور بناء شخصياتهم».
إلى ذلك، هناك القلق من الوضع المادي، فالزوج يعمل في مجال المقاولات في أبو ظبي حيث تعترضه صعوبات في بعض الأحيان، ليبقى الحلم في اجتماع العائلة تحت سقف واحد ذات يوم.