انه العيد، عيد الأمّ، باقة الـورد تحوّلت إلى صلوات وذكريات... والهدايا، نبضات القـلب الذي يحيا بالحبّ. تعوّدتُ، أن ألتقيك، صبيحةَ العيـد، لأقبّل يديك، لأقرأ في عينيك حلاوةَ الفرح وصلاة الطمأنينـة، لأسمع من شفتيك: الله يرضى عليك، يا ابني... ولكن... تمرّ سنتان، وأنتِ في البال رغم الغياب، اختطفك قرصانُ العمر، التقاكِ، وأنتِ تصلّين، كنتِ مأخوذةً بابتهال وتأمّلٍ وتمنيات... انتزعك، وأنتِ في قمّة الصفاء والبهاء، إلى العالم الآخر، إلى حيث «الجنّة تحت أقدام الأمّهات»، وكان ليل... كلّهن حبّ وجمال، وأنتِ الأحب والأجمل. اليوم، أستعيد وجهك، ولمسة يديك، ونظرتك الطاهرة، اليوم، أسـترجع ماضياً، لا أنقى ولا أرقى، اليوم، أستحضرُ تاريخاً من الحكايـات والأسرار والكلمات.
أذكرك، يا أمّي، اليوم، أذكرُ التضحية والوفاء والشجاعة. كنتِ صبيّة، في الواحدة والأربعين، يوم رحل الوالد رحلته الأخيرة... عشتِ الحزنَ الكبير وآلام الوحدة، ولكنّك انتصرتِ على وجع الفراق وأشواك المرأة الأرملة. أربعةً كنا بين يديك... ما فرّقتِ، ما ميّزت، وما خشيتِ متاعب ومصاعب، جميلة المرأة التي تعرف أن تناضل وأن تترفّع، وأن تسمو إلى فوق. بدموع العين، بعرق الجبين، بالصلاة، بالخدمة الدائمة، بالحبّ، زرعتِ فينا العلمَ والايمان والقيم ومحبّةَ الناس. ما بخلتِ إلاّ بالكرامة، وما اغتنيتِ إلاّ بالشرف، منحتِنا رأسمالاً من الآدمية والصداقات، أعطيتنا ذخائر الأب، وملامح الأهل والأجداد. إحدى وأربعون سنة، مع أبي، واحدى وأربعون دونه، وأنتِ سيّدة في العطاء وأميرة في رِفعة الرأس. ويوم كان الغياب بعد اثنتين وثمانين سنة... كان ظلام... سمعتُكِ، في الحلم، تقولين: لا، غداً الضوء... ورافقني الحلم، صلواتُك كانت جواز السفر، وخيالُكِ كان حارسي الأمين، وها قد وصلت...لا لمنصب أو مركز أو استحقاق، بل وصلتُ إلى حيث أنتِ تريدين، والى حيثُ رصدتِني، مزهوّة، بابنك الرجل.
أتعبتُكِ؟ سامحيني، وثقي بأنّني ما حاولتُ يوماً أن أشوّه لكِ حلماً، أو أُفسِدَ أملاً.
أمّي، اليوم أقول لك: هاتي يديك... من جديدٍ، ألف قبلة، ومن جديد، مــنّي ومن اخوتي، ومن الأحفاد، ألف شكر، وصلاة، أيّ حبٍّ أكبر من حبّك... لكأنّك المرأة التي تختصر جميع النساء.