أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

مافيا الخطف: المهنة الأكثر ربحاً

الأربعاء 27 آذار , 2013 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,327 زائر

مافيا الخطف: المهنة الأكثر ربحاً

الخطف مقابل الفدية تحوّل إلى مهنة الـ«Easy Money» أو الطريق الأقصر للكسب السريع. كثيرون اقتنعوا بأن «مقايضة البَشر بالمال أكثر درّاً للربح» من أي مجال آخر. لم يعد مردود سلب السيارات يستحق العناء. فمبلغ العشرة آلاف دولار الذي يُجنى، لا يستحق الذكر أمام مئات آلاف الدولارات، وأحياناً الملايين، التي يمكن تحصيلها من الخطف. وضامن النجاح، مُسلّمة أن السيارة المسلوبة قد يستغني عنها صاحبها درءاً للخطر، فيما يستحيل أن يتخلّى والدٌ ثري عن ابنه، أو زوجة عن زوجها، مهما كلّف الأمر.

 

فاتحة قصة الخطف المنظّم في لبنان بدأت مع الأستونيين السبعة في آذار 2011، إذا ما استُثنيت بعض الحوادث الفردية التي سبقتها. يومها اختُطف الأستونيين وأعلن الخاطفون مطلبهم: «فدية بلغت 4 ملايين دولار». بذل الأمنيون جهدهم، لكن من دون جدوى. أُنجزت العملية بنجاح، فقبض الخاطفون حصّتهم ثم تواروا. تمكن رجال الأمن من توقيف بعض المشاركين وقتلهم، لكن بقي المخططون الرئيسيون أحراراً. في هذه العملية، لمع اسم حسين الحجيري وآخر يُدعى (أبو محمد)، تردّد أنه سوري الجنسية، وقيل أيضاً إنه عراقي، لم يُعرف مصيرهما، ثم انتهت القصّة.

بعد خمسة أشهر، وفي صباح الجمعة الواقع فيه 26 آب عام 2011، اختطف مُسلّحون مجهولون رجل الأعمال السوري محمد عمّار ومحاسبه نور قدورة على الطريق الدولية في بلدة برالياس. ولم يلبث الخاطفون أن طلبوا فدية مالية تردّد أنها بلغت 4 ملايين دولار أيضاً. دُفعت الفدية (مليون و150 ألف دولار)، بوساطة رجل دين بالتنسيق مع الأمن العام، فأُطلق المخطوف. في تلك الأثناء، ذاع صيت محمد فياض اسماعيل الذي أوقفته استخبارات الجيش بعدما ثبت أنه خطط لأكثر من عملية، فبرز بين المخطوفين المدير الإداري لشركة «Liban Lait» أحمد زيدان، الذي تدخّل رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي شخصياً لإطلاق سراحه. حوصرت بريتال وهُدّد بالتصعيد، فـ«رضخ الخاطفون ليُطلقوا سراحه بإخراج مسرحي يوحي بأنه تمكن من الفرار من خاطفيه».

هكذا كرّت السُبحة. استطيب الخاطفون المكسب، فتكرّرت عمليات الخطف التي ناهز عددها الـ37، وكان بين المخطوفين فتىً وامرأة. اللافت في هذه العمليات، وجود أكثر من عصابة تنشط على خط الخطف مقابل الفدية. وتكشف المعلومات الأمنية أن هذه المجموعات تتعدد وتنقسم كلٌ وفق اختصاص معين، ففيما تنفّذ مجموعة عملية الخطف، وتتولّى التفاوض لقبض الفدية، تختص مجموعة ثانية بالخطف فقط، ثم تبيع ضحيتها مقابل مبلغ معين إلى مجموعة أخرى تتولى هي التفاوض مع الأهل. وأحياناً أخرى، تُحدّد العصابة هدفها، فتطلب من هذه المجموعة اختطافه مقابل حصّة تُدفع لاحقاً.

الجدير ذكره أن هذا الأسلوب كان معتمداً في عمليات سلب السيارات التي كانت تُنقل إلى البقاع. آنذاك كان السارق يبيع السيارة المسروقة إلى أشخاص محدّدين في بريتال مقابل 3 أو 4 آلاف دولار، ويتولى هؤلاء مفاوضة صاحب السيارة على مبلغ يُعادل ضعف أو ضعفي المبلغ الذي دفعوه. وهكذا لا يكون هناك رابط بين السالبين والمفاوضين. وثبت في التحقيقات أنه في بعض الأحيان كانت المجموعة التي نفّذت الخطف جاهلة كُليّاً أي معلومة تتعلّق بالمجموعة التي كلّفتها التنفيذ. فبحسب إفادة أحد المخطوفين الذي حُرّر بعد دفع فديته، كشف أنه سمع خاطفيه يستدلّون من أحد المارّة على الطريق المؤدي إلى ترشيش. وهذا يعني أن الخاطفين ليسوا من أبناء المنطقة، إنما طُلب إليهم إيصال المخطوف إلى هذه النقطة.

وتتحدّث المعلومات الأمنية عن انشقاقات في صفوف هذه العصابات، فتُشير إلى أن شقيق أحد العقول المدبرة لعمليات الخطف من آل جعفر، قرّر الانفصال عن شقيقه والعمل بمفرده، مشيراً إلى أن المبلغ الذي يُحصّله لم يعد يكفيه. فألّف مجموعة تتولّى الخطف ثم تبيع المخطوف من دون أن تفاوض عليه. يُشار هنا إلى أن عديد العصابة يراوح بين خمسة وتسعة أفراد. أما الأسلوب، فيختلف، ففيما يتمسّك بعضهم بالمبلغ المحدّد لإطلاق سراح المخطوف كما حصل مع نزيه نصار الذي أصرّ خاطفوه على تقاضي مبلغ مليوني دولار، يُفاوض الآخرون على الفدية ويخفضونها غالباً.

 

في موازاة ذلك، وتبعاً للمعلومات الأمنية، يتمتع الخاطفون باحترافية عالية، إذ لا يحمل هؤلاء هواتف خلوية أثناء تنفيذ العملية. يتّصلون بذوي المخطوف من هاتف المخطوف نفسه. أما المفاوضون، فيستخدمون الجهاز مرة واحدة ثم يرمونه. ويعمدون إلى التنقّل بين عدد من المناطق لإجراء الاتصالات لإبعاد الشبهة وتضييع البوصلة عن مكانهم المحتمل. كذلك الأمر في ما يتعلق بهواتفهم الشخصية، التي يستبدلونها كل عدة أيام حرصاً منهم على «الضرورات الأمنية». وفي ما يتعلق بتحديد الهدف، تكشف المعلومات الأمنية أنه يكون أحياناً على نحو عشوائي، فأي عائلة تملك المال ستكون هدفاً. وفي السياق نفسه، تُشير إلى أنهم أحياناً يرصدون الهدف مسبقاً بناء على إحداثيات يُزوّدهم بها مُقرّبون منه، كما حصل مع الدكتورة منى كنج التي اختُطفت في 26 تشرين الثاني 2012، وتبيّن أن زوجة الناطور السوري التي تنتمي إلى عائلة الموقوف محمد فياض اسماعيل، متورّطة بتزويد الخاطفين بمعلومات عن أحوال المخطوفة. كذلك تكشف المعلومات أن الخاطفين يستعينون أحياناً بنساء يساعدنهم على تحديد الهدف أو استدراجه.

وفي سياق مواز، كشفت معلومات لـ «الأخبار» أن طالباً سورياً، يعمل والده تاجر ألماس، اختُطف على يد شبّان من العائلة نفسها، وجرى اقتياده إلى شقة في حي السلّم، وفيما نظّم فرع المعلومات محضراً بالمعطيات المتوافرة حول العملية، لم يتم دهم الشقة المذكورة لأسباب مجهولة، علماً أن الخاطفين عادوا وأطلقوا المخطوف. أما الكيفية، فتكشف المصادر أن القوى الأمنية أوقفت مقرّبين من الخاطفين، بتهمة التنسيق والتواطؤ، للضغط عليهم من قبل عائلاتهم لترك الضحية. وبكلمات أخرى، اختطفت القوى الأمنية أقرباء للخاطفين للضغط عليهم لإطلاق المخطوف.

يقبع اسماعيل اليوم في السجن، فيما مصير الحجيري لا يزال مجهولاً. لا رابط بين الاثنين، باستثناء أنهما عقلان مدبران لبعض عمليات الخطف. حالهما ينسحب على حال طلال جعفر، الذي امتهن الخطف أيضاً. وإضافة إلى هؤلاء، هناك قرابة خمسين موقوفاً، شاركوا في تنفيذ عدد من عمليات الخطف، تمكنت الأجهزة الأمنية من توقيفهم. هذا في الشكل. أما حقيقة، فلا يزال هناك عدد من الرؤوس المدبرة أحراراً ينشطون في التنسيق والتخطيط لعمليات خطف جديدة. وقد تمكنت القوى الأمنية من رصد بعضهم، لكنها تفتقد مزيداً من المعلومات حولهم. أما أماكن وجودهم، فتُشير المعلومات إلى أنهم موجودون في بريتال والشراونة والمراح.

 

الحل بالـ«بادي غاردز»!

 

امتهان الخطف مورداً للكسب السريع، أدى في المقابل إلى ازدهار مهنة المرافقين الشخصيين. فقد تحدّثت معلومات عن قيام عائلات أثرياء بتوظيف مرافقين شخصيين لحماية أبنائهم من عمليات خطف محتملة. وفي هذا السياق، تكشف معلومات أمنية أن محاولة اختطاف فاشلة تعرض لها أحد الأثرياء، ويدعى ع. ص.، دفعت به إلى توظيف مرافقين شخصيين له ولأبنائه.

وتُشير المعلومات إلى أن كثيرين حذوا حذو رجل الأعمال المذكور لدرء الأخطار المحدقة بهم. وقد رُصد ارتفاع في ظاهرة توظيف مرافقين شخصيين بعدما تبيّن أن أصحاب الثروات هم الهدف المعلن لهذه العصابات.

في موازاة ذلك، هناك من لجأ إلى حلّ آخر هو مغادرة لبنان. وقد تردّدت معلومات تُفيد بأن والد الفتى محمد عواضة، الذي كان قد اختُطف مؤخراً قبل أن يُخلى سبيله بعد دفع ذويه فدية مالية، قرر مغادرة البلاد والسفر إلى بريطانيا، علماً بأنه يملك جواز سفر بريطانياً.


Script executed in 0.19143605232239