أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

الأجهزة الأمنية: مليون سوري في لبنان وعمليات التسلّح كثيفة في صفوفهم

الأربعاء 27 آذار , 2013 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,411 زائر

الأجهزة الأمنية: مليون سوري في لبنان وعمليات التسلّح كثيفة في صفوفهم

لن يتأثر فعلياً ملف السوريين في لبنان باستقالة الحكومة، فقد اختارت سياسة النأي بالنفس عنه حتى في ما يتعلّق بأمورهم الاجتماعية والاقتصادية والأمنية، إلى أن اكتشفت أنها أمور تتأثر وتؤثر بقوة ومباشرة على الحالة الاجتماعية والاقتصادية والأمنية للبلد. فتمّ تشكيل لجنة وزارية تنسّق بين أعضائها وزارة الشؤون الاجتماعية، لعبت أساساً دور الوسيط بين «المفوضية العليا للاجئين» وهيئات ومنظمات المجتمع المدني والدول المانحة، التي لم تمنح ما وعدت به حتى الساعة. لكن هذا أيضاً أتى في إطار ممارسة سياسة النأي بالنفس، فنأت الحكومة بنفسها عن اتخاذ القرارات المناسبة في المجال، أو حتى إدارة الأموال وتوجيه وإرشاد الهيئات المدنية لعمل تكاملي، والتزمت المراقبة والإشراف عن بعد ليس إلا لأن لبنان هو مسرح الأحداث.

 

هكذا كان على الشعب الفقير أن يتقاسم أولاً الرغيف وما يصل إليه من طاقات هذا البلد من كهرباء ومياه، مع الجار المنكوب والخائف والمجهول المصير. ثم صار عليه أن يتشارك معه فرص العمل. وطرد «الجشع» اللبناني العمّال اللبنانيين ليستخدم مكانهم عمّالاً سوريين بأجور متدنية.

 

ولعلّ واقع الحال أرخى بثقله على الطرفين، فكان على المستخدم السوري أن يقبل بظروف عمل قاسية أقلّها ساعات عمل طويلة، ناهيك عمّا تتعرّض له بعض طالبات العمل السوريات من تحرّش جنسيّ.

أما النازحون الذين لم يوفقوا بفرص عمل، فهم حتماً وقعوا بين مطرقة المفوضيّة وسندان الجمعيات الأهلية. فتسجيلهم لدى الأولى يتطلّب الانتظار أشهراً، فيما تستخدمهم الأخرى لجذب أموال تصرف جزءها الأكبر على الأمور الإدارية، ليصل القليل القليل من التقديمات إلى النازحين، هذا إن لم تقع في يد من يصطادها لإعادة بيعها.

 

لم تتحرّك حكومة الرئيس نجيب ميقاتي فعلياً إلا حين انسحبت الفوضى الاجتماعية والاقتصادية على الأمن في لبنان، وحين لاحظت أن نسبة الإخلال في الأمن (عمليات سرقة وسلب...) هي الأعلى لدى السوريين من بين الجنسيات الأجنبية الأخرى. ما يبرّره البعض بالفقر، بينما يصرّ البعض الآخر على أن النازحين هم قنبلة موقوتة يمكن أن تنفجر بين لحظة وأخرى. أعادت هذه الوقائع فكرة إنشاء مراكز إيواء على طاولة البحث بعدما رفضها بعض السياسيين حين طرحها المدير العام للأمن العام اللواء عبّاس إبراهيم، وفق مصادر مقرّبة. كانت يومها الفكرة حصر النازحين في مخيمات لتسهل عملية حمايتهم ومراقبتهم أمنياً، ولحسن وصول المساعدات إليهم. لكنّ السياسة أسقطت الفكرة. وبقيت الصورة الحقيقية عن النازحين ضبابية ومتروكة لخيال اللبنانيين وميولهم السياسية، ومنهم المُتقبّل إنسانياً ومنهم من وصلت به الكراهية إلى حدود الاعتداء بالضرب على بعضهم.

 

خليّة أمنية

في الثالث من كانون الثاني الماضي تمّ تشكيل خلية أمنية، أوكلت رئاستها إلى العميد بيار سالم، مهمتها تبدأ من إحصاء النازحين وتنتهي عند حدود حمايتهم ومراقبتهم أمنياً. ولدت الخلية لأن الأعداد المتزايدة للسوريين باتت بحاجة إلى ما هو أكثر من إشراف ومراقبة للملف السوري في لبنان، ولا سيما أن الرقم المتداول به في شأن أعداد السوريين في لبنان هو مليون، وذلك من دون احتساب من دخل منهم بطريقة غير شرعية.

 

وإذ يرى البعض أن الرقم المطروح مضخّم وغير منطقي، يشير سالم إلى أنه وفق إحصاءات الأمن العام يعمل في لبنان نحو 400 ألف سوري، وقد دخل إلى لبنان نحو 600 ألف آخرين، ما يعني أن لدينا نحو مليون سوري مقيم في لبنان، سواء كانوا نازحين أم رجال أعمال أم عمّالاً. ويضاف إلى هذا الرقم عدد آخر ممن دخلوا بطريقة غير شرعية.

وللخلية الأمنية أذرع في جميع المناطق اللبنانية هي البلديات والقائمقاميات والممثلون الأمنيون في كل منطقة. وترتبط تلك الخلايا الفرعية بغرفة عمليات تعمل بداية على إحصاء السوريين المقيمين. والهدف من ذلك الحصول على صورة أدق حول أعدادهم ومناطق وجودهم والأعمال التي يقومون بها.

 

ومن المقرر أن تضع الخلية الأساسية خططها وفق الإحصاء الذي ستجمعه من كل منطقة.

 

يضيف سالم أن البلديات أعلنت عن هذا الإحصاء عبر لافتات وزعتها في نطاقها، تدعو السوريين إلى ملء استمارة محددة والحصول بموجبها على «إيصال» بملء الاستمارة. ويكون الوافد من سوريا قد حصل على إقامة بموجب دخوله الشرعي إلى لبنان، تجدّد بعد فترة.

 

ويلفت سالم إلى أن الحكومة اللبنانية اتخذت قراراً بعدم ترحيل أي سوري دخل بطريقة غير شرعية إلى الأراضي اللبنانية، «وبالتالي يكون عليه أن يتقدّم لملء استمارة معيّنة واتباع الإجراءات الصحيحة لتحويل إقامته إلى شرعية». ويعتبر أن «الداتا المركزية» التي سيتم جمعها، ستساعد في توزيع الهبات والمساعدات للسوريين ومراقبتها، لأن منها ما تمّ بيعه، ومنها ما تمّ توزيعه لمناطق من دون مناطق أخرى، ومنها من يمكن أن يُتخذ كغطاء لتوزيع سلاح أو متفجّرات.

 

إلى ذلك، يؤكد رئيس الخلية أن التنسيق مع البلديات أمر ضروري كي لا يصار إلى «ارتجال» مواقف وإصدار تعاميم في غير محلّها على غرار تعميم منع تجوال السوريين ليلاً في إحدى المناطق، «لأنه على التعاميم أن تكون متناسقة مع التصوّر العام لكيفية إدارة هذا الملف وللخطط الأمنية الموضوعة في هذا المجال». وبرأيه تلك الخطة هي الأجدى والأنفع لناحية إحصاء والاستقصاء عن السوريين المقيمين، لا سيما أن «حجم نزوحهم كبير وقضيتهم لم تنته بعد، وبالتالي يجب توقع تدفق أعداد كبيرة بعد».

فعلياً لم يتأثر عمل الخلية وأذرعها باستقالة الحكومة، فالعمل ما زال جارياً لاستكمال الصورة الحقيقية حول واقع السوريين في لبنان.

 

تجدر الإشارة إلى أنه وفق الأمن العام تقطن غالبية النازحين المسجلين في المفوضية، أي 45 في المئة، منطقة الشمال، بينما نزح إلى البقاع 38 في المئة، و10 في المئة إلى بيروت وجبل لبنان. وكانت حصّة الجنوب 8 في المئة. ومجموع المسجّلين لدى المفوضية حتى 15 آذار الحالي لا يتعدّى 357 ألف نازح.

 

تلك هي الأرقام التي يمكن للأجهزة الأمنية اللبنانية الحصول عليها من المفوضية، لأنه حتى الساعة لم يتمّ توقيع بروتوكول تستطيع من خلاله الدولة الاطلاع على الداتا التي تقوم المفوضية بجمعها، أو تبادل المعلومات معها.

 

مراكز إيواء

في الوقت الذي ترفض فيه مصادر مقرّبة من إبراهيم تأكيد أو نفي دعوته الحكومة اللبنانية قبل استقالتها إلى إنشاء مخيمات للنازحين السوريين منذ عمليات النزوح الأولى، بهدف ضبطهم ومراقبتهم أمنياً. يفصح العميد سالم أن ما توصل إليه المعنيون في الملف هو إنشاء أربعة مراكز إيواء مؤقتة للسوريين، يلجأون إليها فور اجتيازهم الحدود اللبنانية، فيتم تسجيلهم وتقديم المساعدات إليهم قبل أن يتوزعوا على المناطق. ويلفت إلى أن العمل جار لاستطلاع الأماكن الأفضل لإقامة هذه المراكز والخلايا التي يمكن استثمارها لإنشائها، «لأن هناك شروطاً ومعايير دولية يجب اتباعها. ففي الحالة اللبنانية لا يمكن إنشاء هذه المراكز على مقربة من الحدود كي لا يكون سهلاً التعدّي عليها، ولا يمكن إقامتها على مقربة من المخيمات الفلسطينية»، معلناً جهوزية الخلايا الأمنية لمراقبتها من الداخل والخارج.

 

وفيما تبدو مراكز الإيواء مسألة ملحّة، ولا سيما في ظلّ الحديث عن تفاقم الأزمة السورية وتوقع تدفق أعداد كبيرة من السوريين دفعة واحدة، يشير سالم إلى معضلة أساسية هي إيجاد مساحات شاسعة في لبنان لتحويلها إلى مراكز إيواء.

 

اللافت أنه إذا تمت مقارنة أعداد السوريين في لبنان بأعداد اللاجئين الفلسطينيين إليه، والذي يبلغ نحو 280 ألفاً وفق إحصاء «الأونروا» و«الجامعة الأميركية» في بيروت الأخير، فهذا يعني أن السوريين يزيدون عن الفلسطينيين في لبنان أربعة أضعاف.

 

على الرغم من ذلك يؤكد سالم أن «الأجهزة الأمنية جاهزة لتأدية دورها على هذا الصعيد، لا سيما مع آلية التنسيق في ما بينها، على الرغم من أنه لا يمكن الحديث عن حالة أمنية خاصة بالسوريين في لبنان في ظلّ توزّعهم على المناطق، فضبط أمنهم يأتي في سياق ضبط أمن لبنان عامة». وهو يلفت إلى انه سيصار إلى تدريب فرق أمنية خاصة لضبط أمن مراكز الإيواء وحفظه. وبرأيه إنشاء مخميات للسوريين أمر لا بدّ منه، لا سيما إذا طالت الأزمة السورية.

 

خطر اقتصادي

تشير مصادر أمنية إلى وجود عمليات تسلّح كثيفة في صفوف السوريين في لبنان كما في صفوف اللبنانيين، وإنما ليست منظمة لمجموعات محدّدة، ويمكن وصفها بحالات التسلّح الفردية. وتفصح أن الأسلحة المستقدمة، حديثة ومتطورة بشكل لافت، لكنّها ليست من النوع الثقيل أو المتوسط. وترجّح المصادر أن التنظيمات والأحزاب المعنية بالأزمة السورية تدرك تماماً أنها لا يمكن أن تجاري وتيرة الحرب والمعارك المشتعلة في سوريا، لذلك انكفأت عن تنظيم نفسها كمجموعات مسلّحة، ناهيك بالسياسة الدولية الإقليمية التي ما زالت تصرّ على هدوء الساحة اللبنانية «حتى أن الشيخ أحمد الأسير ستتراجع حدّة خطاباته في الفترة المقبلة»، وفق المصادر نفسها.

 

في السياق نفسه، يؤكد سالم أن الساحة اللبنانية ما زالت ممسوكة أمنياً لناحية استخدام السلاح لتفجير الوضع الداخلي. لكنّه في المقابل يشير إلى ازدياد عمليات السلب والسرقة والاغتصاب والجريمة عامة.

 

ويلفت إلى أن الخطر الاقتصادي يرخي بثقله بشكل أعنف على اللبناني، بالمقارنة مع الوضع الأمني، من هنا ستعمل الخلية عبر البلديات وممثلي الوزارات على منع نشوء المؤسسات الاقتصادية غير المرخصّة وممارسة الأعمال بشكل غير شرعي. ويشير إلى أن خيرات البلد القليلة بات يتقاسمها شعبان. وبالتالي فإن كفة الميزان تميل إلى العجز الاقتصادي على الرغم من الاستفادة من بعض السوريين الآخرين لناحية استئجار المنازل والتبضّع ونقل بعض الأعمال.

 

تدرك الأجهزة الأمنية كافة أن ملف النازحين السوريين يتخطى وضع الخطط وضبطه أمنياً، وهي إذ تحاول القيام بواجبها على أكمل وجه، ما زال قياديوها يهمسون في آذان السياسيين بضرورة حثّ المجتمع الدولي على تحمّل مسؤولياته تجاه هؤلاء النازحين، فهو ملف يتخطى قدرة لبنان في التعامل معه ومواكبته نظراً لاستمرار الأحداث في سوريا والدمار الذي لحق بها، ولا سيّما أن هذه الأزمة ستطول ويتوقع أن تشهد عمليات نزوح جديدة. من هنا، فإن حصر الموضوع «بخطة أمنية» وفق المصادر الأمنية نفسها، هو تصغير للقضية «التي يجب أن تعالج على مستوى إقليمي ودولي وبأسرع وقت».

 

وإلى ذلك الوقت، يؤكد سالم، أن الأجهزة الأمنية ماضية بخططها لضبط الأمن، فيما تشير مصادر أخرى إلى إمكانية دعوة الجيش ضباطه المتقاعدين للالتحاق بصفوفه بسبب الأوضاع الراهنة.


Script executed in 0.19201993942261