في شهر نيسان 2012، وصلت إلى مطار بيروت شحنة من الأجهزة الخلوية، تضمّ 900 جهاز من نوع «سامسونغ أس 2»، وكان حديث النزول إلى الأسواق. وكما جرت العادة، حضرت الشركة المستوردة من الخارج، وهي «شركة شرفان»، لإجراء معاملات التخليص الجمركية المعتادة، غير أنّ المعنيين فيها، فوجئوا بأنّ الطرد المرسل لهم، على ضخامته وكبره، قد تبخّر كلّياً، ولم يعثر على أيّ أثر له على الإطلاق.
وإزاء هذا الفقدان غير المرتقب، حصل تحقيق فوري في المطار، انتهى بإحالة الملفّ، بناء على إشارة النيابة العامة الاستئنافية في جبل لبنان، على المفرزة القضائية في الضاحية الجنوبية بحكم الصلاحية المكانية، لمتابعة التحقيق ومعرفة سرّ الاختفاء السريع للهواتف الخلوية.
في هذه الأثناء، كان أفراد العصابة المرتكبون قد وضعوا المسروقات في أماكن آمنة بعيداً عن الأنظار، وتستّروا عليها خشية افتضاح أمرهم بانتظار التوقيت المناسب لتصريفها في السوق المحلّية، وبالتقسيط على دفعات، من دون إثارة ريبة أحد.
وبالفعل اختير شهر تشرين الأوّل 2012 موعداً للاستفادة من ثمن هذه البضاعة، أي بعد مرور ستّة أشهر على سرقتها. حمل جهاد ح. كمّية من التلفونات، ودار بها على المحال التجارية المتخصّصة بالبيع في مدينة بيروت تحديداً دون سواها من المناطق، وهي معروفة بالاسم، وبقدرتها على تصريف هذه البضاعة بأوقات سريعة لأنّها نقاط معتمدة ومركزية، موهماً أصحابها بأنّه اشتراها من أحد الأشخاص بداعي أنّها مهرّبة من سوريا.
لم يستطع جهاد المذكور تمرير أكذوبته بطلاقة. اشتُبه به فتمّ توقيفه وتسليمه للنيابة العامة الاستئنافية في جبل لبنان التي ادّعت عليه وأحالته بدورها على قاضي التحقيق بيتر جرمانوس فاستجوبه وأبقاه موقوفاً بموجب مذكّرة توقيف وجاهية لمدّة شهرين، ثمّ أخلى سبيله. وبالمقابل، سطّر استنابة قضائية جديدة وملحّة إلى مفرزة الضاحية الجنوبية القضائية طالباً منها التوسّع في التحقيق ومتابعة الاستقصاءات والتحرّيات اللازمة لمعرفة الضالعين الرئيسيين بعملية السرقة وتوقيفهم.
نشط رجال التحرّي في تقصّي الحقائق، وصبّوا اهتماماتهم على ضرورة معرفة كيفية حدوث الاستيلاء على الطرد، وكيفية إخراجه من المطار، وما إذا كان الأمر قد تكرّر أو أعيد ثانية في بضاعة أخرى، وتقاطعت الشبهات والخيوط والاستنتاجات ووضع شخصان تحت المراقبة، وما إنْ حان وقت التنفيذ، حتّى ألقي القبض عليهما. الأوّل عميل جمركي مدني يعمل في شركة تخليص للبضاعة ويدعى فؤاد د.م.، والثاني موظّف في شركة «الميدل ايست» ومهمّته قيادة الرافعة الصغيرة الخاصة بالبضاعة بغية تحميلها وإفراغها.
خلال التحقيق الأوّلي، اعترف الموقوفان باتفاقهما على سرقة البضاعة بإخراج الطرد الموضوعة فيه، من المطار، من دون لفت الأنظار، والاستفادة من ثمنها. تصرّفا بقسم من الهواتف الخلوية عبر بيعه بالجملة من محال مختلفة، ولكنّهما لم يستطيعا التخلّص من باقي الهواتف، فعمدا تحت هاجس الخوف من انكشاف وضعهما، إلى نقلها إلى بلدة المغيرية في إقليم الخروب في قضاء الشوف، وإحراقها بالكامل، وإزالة آثارها من مسرح الجريمة وكأنّ شيئاً لم يكن.
أنهت مفرزة الضاحية الجنوبية القضائية مهمّتها، وسلّمت في نهاية الأسبوع المنصرم، الموقوفين الاثنين إلى القضاء، لكي تأخذ العدالة مجراها.